من النووي إلى الصواريخ: كيف تغيّر خطاب إسرائيل لتبرير حرب جديدة على إيران؟
أسفرت حرب يونيو/حزيران عن حالة من الردع المتبادل؛ وهي نتيجة يمكن لإيران التعايش معها، لكنها غير مقبولة بالنسبة لنتنياهو وإرثه السياسي.

ميدل ايست نيوز: أفادت شبكة «إن بي سي نيوز» أن المطلب الأساسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في لقائه المرتقب مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 29 ديسمبر/كانون الأول، هو إقناع الولايات المتحدة بالانضمام إلى إسرائيل في استئناف الحرب ضد إيران.
وكما كتبتُ في أغسطس/آب الماضي في مجلة «فورين بوليسي»، كانت إسرائيل مهيأة لاستئناف الصراع، إذ لم تحقق أهدافها الرئيسية خلال هجومها الأول. فقد أجبر التأثير الكبير للضربات الصاروخية الإيرانية إسرائيل على السعي إلى وقف إطلاق النار بعد تسعة أيام فقط، في مفارقة لافتة مقارنة بالأشهر بل والسنوات التي استغرقها الضغط على إسرائيل سابقًا لوقف القتال مع «حماس» و«حزب الله».
أسفرت حرب يونيو/حزيران عن حالة من الردع المتبادل؛ وهي نتيجة يمكن لإيران التعايش معها، لكنها غير مقبولة بالنسبة لنتنياهو وإرثه السياسي. وفي المحصلة، لم يكن ذلك الصراع نصرًا لا لإسرائيل ولا لإيران.
وهذا التوازن القائم على «توازن الرعب» هو بالضبط ما يدفع إسرائيل إلى السعي لجولة جديدة من المواجهة؛ إذ إن العقيدة العسكرية الإسرائيلية لا تسمح لأي خصم إقليمي بردعها أو بمقارعة تفوقها العسكري. ويشكّل برنامج الصواريخ الإيراني اليوم تحديًا مباشرًا لهذا التفوق.
وبحسب «إن بي سي نيوز»، لم تعد الرسائل الإسرائيلية تركز على البرنامج النووي الإيراني، بل تحولت إلى برنامج الصواريخ الباليستية. وهنا تحديدًا تكمن الأسباب التي توجب على ترامب أن يقول «لا» لنتنياهو؛ فهدف إسرائيل ليس الأمن بالمعنى التقليدي، بل الهيمنة المطلقة. إذ تصر إسرائيل على امتلاك أمن كامل وحرية حركة مطلقة، في مقابل حرمان جيرانها من أي حد أدنى من اليقين الأمني، ودفع المنطقة بأسرها إلى حالة دائمة من انعدام الاستقرار.
ويمكن الاستدلال على ذلك بحالة لبنان؛ فالسياسة الأميركية تهدف إلى تعزيز قدرات الجيش اللبناني بما يمكّنه من نزع سلاح «حزب الله»، لكنها في الوقت نفسه تمنع عمدًا وصول الجيش إلى مستوى يسمح للبنان بالدفاع عن نفسه أو ردع الاعتداءات الإسرائيلية. ويستمر هذا النهج في الوقت الذي تنفذ فيه إسرائيل غارات شبه يومية على الأراضي اللبنانية.
وبناءً عليه، لن تتوقف مطالب إسرائيل من الولايات المتحدة. فبعد قصف البرنامج النووي، انتقل التركيز — ومعه الضغوط على واشنطن — إلى برنامج الصواريخ الإيراني. وإذا جرى تدمير هذا البرنامج، وهو احتمال كبير الشك، فسيتحول الاهتمام إلى قدرة إيرانية أخرى.
ولا يُستبعد أن تنشر «نيويورك تايمز» يومًا ما تقريرًا إيجابيًا يروّج لفكرة أن سكاكين المطابخ في إيران تمثل «تهديدًا وجوديًا» للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، قبل أن يطرح محللون مذعورون على شاشات القنوات الرئيسية السؤال المعتاد: «هل ستسمح أميركا لإيران بتشغيل مصانع سرية لأدوات المائدة؟».
إن العقيدة العسكرية الإسرائيلية تفرض حروبًا لا تنتهي، لا لتحقيق الأمن، بل لممارسة الهيمنة. ومع ذلك، لا تستطيع إسرائيل خوض أي من هذه الحروب من دون دعم أميركي غير محدود. فقد موّل دافعو الضرائب الأميركيون نحو 21.7 مليار دولار من ميزانية إسرائيل العسكرية في عام 2024. وفي يونيو/حزيران من هذا العام، استهلكت الولايات المتحدة (أو أهدرت) 25% من صواريخ منظومة «ثاد» الاعتراضية للدفاع عن إسرائيل في حرب غير ضرورية اختار نتنياهو إشعالها.
من حق إسرائيل أن تختار عقيدتها الأمنية، لكن رئيس الولايات المتحدة — ولا سيما من يرفع شعار «أميركا أولًا» — لا يمكنه التضحية بالأمن القومي الأميركي وبمصالح الشعب الأميركي من أجل أحلام توسعية إسرائيلية مهووسة بإقامة «إسرائيل الكبرى».
ولا سيما أن استراتيجية الأمن القومي لترامب خفّضت من أهمية الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن «السبب التاريخي لتركيز أميركا على الشرق الأوسط سيتراجع».
لقد وافق ترامب سابقًا على المطلب الإسرائيلي بقصف المنشأة النووية، وها هو نتنياهو يعود بعد ستة أشهر بخطط حرب جديدة تستهدف الصواريخ الإيرانية. وإذا رضخ ترامب مرة أخرى، فسيعود رئيس الوزراء الإسرائيلي بعد ستة أشهر إضافية بخطة حرب أخرى، يطلب فيها من الأميركيين تقديم المزيد من الدماء وأموال الضرائب.
وسيستمر هذا المسار إلى ما لا نهاية، ما لم يقرر ترامب وضع حد له.
وعليه، ينبغي أن يكون ذلك في 29 ديسمبر/كانون الأول.
Trita Parsi



