الصحافة الإيرانية: هل تحاول تركيا ملء الفراغ الإقليمي على حساب الدور الإيراني؟

على عكس تركيا، فإن إيران تقف في موطنها الأصلي ولم تأتِ من مكان آخر. فإيران تمتلك إرثاً حضارياً يمتد لآلاف السنين وثقافة عريقة. لديها فردوسي و«الشاهنامة»، وهما بمثابة بطاقة الهوية للأمة والدولة في إيران.

ميدل ايست نيوز: تشهد المناطق المحيطة بإيران تنامياً لتيارات تسعى إلى التقارب والتكامل الإقليمي. تركيا مثلاً، بوصفها الدولة المسلمة الوحيدة العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كانت تتوقع أن يقبلها الاتحاد الأوروبي عضواً جديداً فيه، وهو انتظار طويل لعضوية لم تتحقق وهو ما أصاب الأتراك بخيبة أمل. وقد قال المستشار الألماني الأسبق فيلي برانت يوماً عن قبول تركيا في الاتحاد الأوروبي: «بقدر ما تخبرنا الجغرافيا، فإن تركيا بلد آسيوي».

وقال بهرام أمير أحمديان، أستاذ مساعد في الجغرافيا السياسية، في مقال على دبلوماسي إيراني، إن تركيا، باعتبارها دولة شرق أوسطية، سعت إلى لعب دور أكثر بروزاً في الشرق الأوسط، ولا سيما في شمال أفريقيا. وفي هذا الإطار، حاولت من خلال عقد مؤتمر «البحار الثلاثة» في إسطنبول عام 2012 أن تظهر كدولة قوية في نطاق بحر قزوين والبحر الأسود والبحر المتوسط، وأن تجد لنفسها موطئ قدم في الساحة العثمانية القديمة. غير أن لاعبين مثل السعودية في الخليج، ومصر في البحر المتوسط، وروسيا في البحر الأسود، حالوا دون تحقيق هذه الطموحات. في الواقع، فإن بروز الدولة العثمانية تاريخياً كان في أراضٍ جرى الاستيلاء عليها عبر الحروب، من دون وجود تقارب ثقافي أو حضاري حقيقي مع تركيا.

على عكس تركيا، فإن إيران تقف في موطنها الأصلي ولم تأتِ من مكان آخر. فإيران تمتلك إرثاً حضارياً يمتد لآلاف السنين وثقافة عريقة. لديها فردوسي و«الشاهنامة»، وهما بمثابة بطاقة الهوية للأمة والدولة في إيران. في منطقة القوقاز، بين الأذربيجانيين والأرمن والجورجيين، يمكن العثور على آثار واضحة للثقافة والحضارة الإيرانية، كما تنتشر أسماء الأشخاص المأخوذة من «الشاهنامة». وتوجد مفردات فارسية في اللغات الجورجية والأرمنية والأذربيجانية على حد سواء.

في آسيا الوسطى، التي تُعد مهد اللغة الفارسية، تظهر ملامح الثقافة الإيرانية، ومنها الاحتفال بعيد النوروز في الجمهوريات الخمس لآسيا الوسطى، إضافة إلى عيدي مهرجان وسده في طاجيكستان، بما يدل على عمق الحضارة الإيرانية في هذه المنطقة. فنحن نعيش جميعاً في نطاق جغرافي واحد. في أفغانستان وطاجيكستان وسمرقند وبخارى في أوزبكستان، تُعد الفارسية لغة وطنية، كما تنتشر مفردات فارسية كثيرة حتى في اللغات القيرغيزية والكازاخية والأوزبكية والتركمانية.

هذه المنطقة، بخلاف الشرق الأوسط العربي، هي مجال يمكن للجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تحقق فيه التقارب والاندماج استناداً إلى وحدة ثقافية قائمة. ففي أقاليم القوقاز وآسيا الوسطى، وحتى في دربند بداغستان وأوسيتيا الشمالية في شمال القوقاز ضمن الاتحاد الروسي، تمتلك إيران حضوراً ثقافياً وحضارياً راسخاً.

أما الدول الواقعة في نطاق الخليج، والتي تنظر بدافع من تحريض القوى الكبرى (الولايات المتحدة وروسيا والصين) إلى الجزر الإيرانية الثلاث بعين الطمع، ولا تتحمل أحياناً حتى الاسم التاريخي “للخليج الفارسي”، فهي تبدو ظاهرياً دولاً صديقة، لكنها تنظر إلينا في الباطن بعقلية «الموالي» في العصر الأموي، متجاهلة أن الإيرانيين هم من أنقذوا الإسلام من قبضة بني أمية.

وفي الوقت الراهن، تسعى تركيا في القوقاز وآسيا الوسطى إلى ترسيخ موطئ قدم ثابت لحضور طويل الأمد. على الرغم من أن المجال متسع لإيران، فإنهم يحاولون، من خلال استغلال غياب إيران واتباع الأطروحة الاستعمارية الأميركية القائلة «كل شيء في المنطقة من دون حضور إيران»، إبعادنا عن هذه الساحة.

منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، تعمل تركيا، بالنيابة والتشجيع والدعم من الولايات المتحدة، على ألا تترك أي مساحة لإيران في هذه المنطقة المحيطة بنا، بل وحتى في شرق أفغانستان. وخلال حرب ناغورنو قره باغ الثانية في القوقاز، لعبت تركيا دوراً حاسماً، وسعت حتى إلى إغلاق الحدود بين إيران وأرمينيا. كما فرض الأتراك على الأذربيجانيين ما يُعرف بممر «زنغزور» المصطنع. وكانت الحكومة الإيرانية في عهد رضا شاه هي التي أتاحت التواصل البري بين تركيا ونخجوان، لكن الأتراك اليوم يسعون، عبر توسيع «منظمة الدول الناطقة بالتركية»، إلى إبعاد إيران عن المنطقة.

وتنتهج الجمهورية الإسلامية الإيرانية سياسة خارجية إيجابية ومتوازنة، وتسعى بجدية كاملة إلى تعزيز «الترابطات» الإقليمية. تهدف هذه السياسة إلى توسيع التعاون الإقليمي في إطار نظرة إيجابية إلى الجوار، بما يخدم التبادلات الاقتصادية والثقافية.

وتوجد مجالات واسعة للتعاون الإقليمي، كما أن البنى القانونية والمؤسسية لذلك متوافرة منذ استقلال جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، من خلال «اللجان المشتركة للتعاون الاقتصادي». وفي منظمات إقليمية مثل منظمة التعاون الاقتصادي (إيكو)، التي تأسست بمبادرة من إيران ومنظمة التعاون الإسلامي ومنظمة شنغهاي للتعاون والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، يمكن عبر العمل المشترك خلق منطقة خالية من التوتر، تسودها روح التعاون الاقتصادي والثقافي الإيجابي.

وتُظهر الزيارات الرسمية لرئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الدكتور بزشكيان، إلى منطقة القوقاز، وزيارته الأسبوع الماضي إلى كازاخستان وتركمانستان، أن دول آسيا الوسطى والقوقاز تبدي هي الأخرى رغبة في التقارب والتعاون الإقليمي.

ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي واستقلال جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز، انتهجت الجمهورية الإسلامية الإيرانية سياسة علاقات وثيقة قائمة على حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الصديقة، ولا تزال ماضية في هذا النهج. ففي عام 1996، جرى إنشاء وربط وافتتاح خط سكة حديد سرخس–بندر عباس لربط جمهوريات آسيا الوسطى بالمياه المفتوحة، بما يتيح لهذه الدول الحبيسة التواصل مع العالم عبر ممر آمن يمر بالأراضي الإيرانية. كما أُتيحت إمكانية ربط نخجوان، وهي جزء منفصل من جمهورية أذربيجان، بأراضي أذربيجان الرئيسية عبر إيران، بعد أن انقطع هذا الاتصال بسبب نزاع قره باغ مع أرمينيا، ولا يزال هذا المسار قائماً حتى اليوم، وهو ما تدين به أذربيجان لإيران. كذلك أُتيح الاتصال البري بين جمهورية أرمينيا وإيران، الذي لم يكن ممكناً في العهد السوفياتي، من خلال إنشاء جسر على نهر أرس، وكل ذلك يمثل شواهد على حسن نية حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وتبقى الممرات الشرقية–الغربية والشمالية–الجنوبية في إيران مفتوحة أمام الجيران. ولا تطمع إيران في أراضي أي دولة مجاورة، بل تسعى دائماً في سياستها الخارجية إلى ترسيخ الوحدة والتعاون الإقليمي، بما يسمح بالاستفادة من الإمكانات المتاحة في التبادلات الاقتصادية، وتلبية الاحتياجات، وتوسيع العلاقات الاقتصادية المتبادلة، وخلق منطقة آمنة قائمة على التعاون والتضامن.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

6 + 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى