العراق ينهي 2025 بالوقوف في المنطقة الرمادية.. استقرار هش وتحولات لم تكتمل
شهد العراق خلال عام 2025 واحداً من أكثر الأعوام ازدحاماً بالأحداث السياسية والأمنية والدبلوماسية منذ سنوات
ميدل ايست نيوز: شهد العراق خلال عام 2025 واحداً من أكثر الأعوام ازدحاماً بالأحداث السياسية والأمنية والدبلوماسية منذ سنوات، إذ تداخلت الاستعدادات الانتخابية مع ملفات سيادية حساسة، وتزامنت التحديات الداخلية مع تحولات إقليمية ودولية كبرى، لتُغلق السنة على مشهد مفتوح بلا إجابات حاسمة.
سياسة تحت الضغط
دخل العراق العام الجديد وسط جدل تشريعي واجتماعي، بعد مصادقة رئيس الجمهورية في 13 شباط 2025 على تعديلات قانون الأحوال الشخصية، التي فتحت الباب أمام خيار تطبيق القانون المدني أو الديني في شؤون الأسرة، ما فجّر نقاشاً واسعاً حول الحريات والحقوق، وعمّق الاستقطاب بين القوى المدنية والدينية.
وفي 11 آذار 2025، انفجرت واحدة من أعقد الأزمات السياسية مع إعلان رئيس الوزراء محمد شياع السوداني سحب مشروع قانون تنظيم وهيكلة هيئة الحشد الشعبي من مجلس النواب، عقب انقسامات حادة داخل الإطار التنسيقي بشأن مستقبل الهيئة وحدود ارتباطها بالمؤسسة العسكرية وملف تقاعد قياداتها، القرار أوقف مساراً تشريعياً شائكاً، لكنه لم يُنهِ الجدل الذي بقي مؤجلاً.
ومع نيسان 2025، حُسم موعد الانتخابات البرلمانية بتحديد 11 تشرين الثاني 2025 موعداً رسمياً للاقتراع، لتدخل البلاد عملياً أجواء الحملات المبكرة والتحالفات الجديدة، وكان أبرزها إعلان تأسيس ائتلاف “الإعمار والتنمية” في 20 أيار 2025 بزعامة السوداني.
الأمن.. بين داعش والمسيّرات
أمنياً، واصلت القوات العراقية عملياتها ضد خلايا تنظيم داعش، معلنة في 14 آذار 2025 مقتل القيادي البارز عبد الله مكي مصلح (أبو خديجة) بضربة جوية في الأنبار، في عملية عُدّت ضربة مؤثرة على مستوى التنظيم.
في المقابل، تصاعد تهديد الطائرات المسيّرة، مع هجمات متزامنة خلال 23 و24 حزيران 2025 استهدفت قواعد عسكرية ومنظومات رادارية داخل العراق، وصولاً إلى الهجوم على حقل كورمور الغازي في السليمانية في 26 تشرين الثاني 2025، وهو تطور كشف هشاشة حماية البنى التحتية الحيوية، ورفع مستوى القلق بشأن أمن الطاقة.
كما شهد إقليم كردستان توترات داخلية مع اندلاع اشتباكات مسلحة في مدينة السليمانية في 22 آب 2025، أعادت إلى الواجهة هشاشة الاستقرار الأمني في الإقليم وتأثيره المباشر على العلاقة مع بغداد.
دبلوماسية نشطة ورسائل سياسية
دبلوماسياً، سعى العراق إلى تثبيت موقعه الإقليمي عبر استضافة القمة العربية الرابعة والثلاثين في بغداد في 17 أيار 2025، في حدث حمل دلالات رمزية على عودة العاصمة العراقية إلى واجهة العمل العربي بعد سنوات من العزلة.
وسبق القمة لقاء لافت جمع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بالرئيس السوري أحمد الشرع في 17 نيسان 2025 في الدوحة، برعاية قطرية، في خطوة عكست انخراط بغداد في إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية وفتح قنوات تنسيق سياسي وأمني مع دمشق.
كما شهد العام زيارات رسمية واتفاقيات ثنائية، أبرزها توقيع الاتفاق العراقي–التركي بشأن تمويل مشاريع المياه في 2 تشرين الثاني 2025، في محاولة لمعالجة واحدة من أخطر أزمات البلاد المستقبلية.
اقتصاد النفط وألغام السياسة
اقتصادياً، ظل النفط العصب الأساسي للاقتصاد العراقي، مع إعلان استئناف تصدير نفط إقليم كردستان عبر تركيا في 27 أيلول 2025 بعد توقف دام منذ عام 2023، في تسوية وُصفت بأنها مؤقتة وهشّة، ومرتبطة بحسابات الاستقرار السياسي قبيل الانتخابات.
في المقابل، أعادت الهجمات على منشآت الطاقة والنزاعات القانونية بين بغداد وأربيل طرح ملف النفط والغاز بوصفه أحد أخطر ملفات الصراع الداخلي المؤجل.
صدمات اجتماعية ولحظات رمزية
اجتماعياً، هزّ البلاد حريق “كورنيش هايبرماركت” في مدينة الكوت في 17 تموز 2025، الذي أودى بحياة 69 شخصاً، وكشف خللاً عميقاً في منظومات السلامة والرقابة، وأعاد فتح ملف الفساد الإداري بشكل مؤلم.
كما أثارت وفاة الطبيبة بان زياد طارق في البصرة، بعد العثور على جثتها في 4 آب 2025، ثم إعلان القضاء إغلاق القضية واعتبار الوفاة انتحاراً في 18 آب 2025، جدلاً مجتمعياً واسعاً تجاوز البعد الجنائي إلى أزمة ثقة بالمؤسسات.
وفي لحظة مغايرة، شكّل افتتاح جامع النوري الكبير في الموصل في 1 أيلول 2025 حدثاً رمزياً عكس مسار التعافي وإعادة الإعمار بعد سنوات من الدمار الذي خلفه تنظيم داعش.
وفي يوم 18 تشرين الثاني 2025، فاز المنتخب العراقي على نظيره الإماراتي بنتيجة 2–1 على ملعب البصرة الدولي، ليحسم تأهله إلى الملحق الآسيوي المؤهل لكأس العالم 2026.
انتخابات ونهاية مرحلة وبداية أخرى
جرت الانتخابات البرلمانية في 11 تشرين الثاني 2025 وسط تنافس سياسي حاد، وأسفرت عن مشهد أعاد طرح سيناريو حكومات التوافق والمفاوضات الطويلة، وفي 29 كانون الأول 2025، عقد مجلس النواب الجديد جلسته الأولى، لتبدأ عملياً معركة تشكيل الحكومة المقبلة بعد اختيار رئيس المجلس ونائبيه.
وفي اليوم الأخير من العام، 31 كانون الأول 2025، انتهى رسمياً تفويض بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، بحسب الجدولة المتفق عليها مسبقاً، ليُغلق ملفاً امتد أكثر من عقدين، ويدخل العراق عام 2026 من دون مظلة سياسية أممية، في خطوة تحمل أبعاداً سيادية لكنها لا تخلو من المخاطر.
وبهذا قد أنهى العراق عام 2025 وهو يقف في منطقة رمادية بين الاستقرار الهش والتحولات الكبرى، دولة تحاول تثبيت سيادتها، وسلطة تبحث عن شرعية متجددة، وملفات مؤجلة تنتظر الحسم. عام لم يكن حاسماً بقدر ما كان تمهيدياً، لحسم أحداث مهمة تنتظر العراقيين في عام 2026.



