الصحافة الإيرانية: كيف يمكن للعناصر المعدنية النادرة أن تعيد تعريف موقع إيران في الاقتصاد السياسي الدولي؟
في حال دخول إيران ساحة العناصر المعدنية النادرة ستكون قادرة على زيادة عائداتها من النقد الأجنبي وفي الوقت نفسه امتلاك ورقة جديدة للمناورة في الساحة الدولية، عبر تعميق مفهوم القوة الناعمة وتحديد موقع جديد لها في النظام العالمي الناشئ.

ميدل ايست نيوز: يقال إن العالم يمر بمرحلة تحوّل عميق، لكن ما معنى ذلك فعلياً؟ في 9 أكتوبر من هذا العام، أقدمت الصين على خطوة جريئة دقت فيها ناقوس الخطر للإنتاج العالمي. فقد تلقى العالم صدمة جراء القيود الجديدة التي فرضتها بكين على تصدير المعادن الأرضية النادرة، في وقت أظهر فيه بحث حديث لمؤسسة غولدمان ساكس أن هذا الإجراء وجّه ضربة بقيمة 150 مليار دولار إلى الاقتصاد العالمي. ورغم أن جزءاً من هذا الخلاف خفّ حدّته لاحقاً مع التوصل إلى اتفاق جديد في 1 نوفمبر، ما أدى إلى انفراج مؤقت في العلاقة بين الصين والولايات المتحدة، فإن تقرير غولدمان ساكس شدد على المخاطر المترتبة على هيمنة الصين على قطاعي التعدين وتكرير المعادن النادرة.
وقال الخبير في صناعة الصلب، مجتبى تقوي نجاد، في مقال لموقع نواندیش، إن المؤسسة أشارت إلى أن تداعيات هذه الهيمنة تفرض مخاطر متزايدة على سلاسل الإمداد العالمية، وتخلق تحديات كبيرة أمام الدول الساعية إلى بناء سلاسل توريد مستقلة. ووفقاً لتقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، تسيطر الصين على 70 في المئة من إجمالي استخراج المعادن الأرضية النادرة، وعلى 93 في المئة من عمليات معالجتها. أما العناصر الخمسة الجديدة التي فرضت الصين قيوداً على تصديرها، فتمثل أهمية استراتيجية كبرى للمصنّعين العاملين عند حدود التقدم العلمي، من أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية إلى مختلف أنواع الأسلحة المتطورة، وهو ما دفع دونالد ترامب إلى التفكير في عقد لقاء مع شي جين بينغ.
وتُظهر المعطيات المتوافرة أن سيطرة الصين على هذه المعادن تؤثر سلباً وبشكل كبير على إنتاج مقاتلات إف-35، والغواصات المتقدمة من طراز فيرجينيا وكولومبيا، وصواريخ توماهوك، والطائرات المسيّرة من نوع بريداتور، وأنظمة الرادار. كما أن عودة الولايات المتحدة إلى طاولة الحوار تعكس الأهمية المتزايدة لقطاع التعدين في الاقتصاد العالمي، وتقدّم فهماً جديداً لدور هذا القطاع بوصفه عاملاً مغيراً لقواعد اللعبة في مشهد الاقتصاد السياسي الدولي.
فالولايات المتحدة، التي رأت في الخطوة الصينية الجريئة بفرض قيود على العناصر الأرضية النادرة خسارة واضحة في لعبة التعدين أمام منافسها الشرقي، لم تكف خلال الأسبوعين الماضيين عن توجيه التهديدات إلى الصين. غير أنها، حين تبيّن لها عدم جدوى هذه التهديدات، عادت إلى مسار التفاوض، في خطوة أكدت أن الصين تدير هذا الملف بذكاء أكبر من خصمها الغربي. ويعني ذلك أن بكين أضفت بُعداً جديداً على سياستها الخارجية تجاه واشنطن، مستخدمة سلاحاً نادراً وفعّالاً.
أما ترامب، الذي انتهك قواعد القانون الدولي تحت شعار صنع السلام بالقوة واستخدام الصلابة العسكرية، فقد بدا مرتبكاً إزاء طريقة تعامل الصين مع حرب الرسوم الجمركية، ووجد أن هامش اللجوء إلى مزيد من الضغط القسري بات محدوداً. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما القوة الكامنة في المعادن النادرة التي أحدثت كل هذا الاضطراب في العلاقات الدولية؟ الجواب واضح: إنها القوة الناعمة.
في هذه المرحلة الجديدة، لم تعد الصين مجرد مصنع للعالم، بل بات بإمكانها إذا لم ترغب في البيع، أن تفرض شروطها الخاصة بدلاً من تلبية احتياجات الدول الأخرى، بما فيها الولايات المتحدة. فالاحتكار اللافت الذي تتمتع به الصين في مجال المعادن النادرة والعناصر الأرضية المستخدمة في إنتاج الرقائق الإلكترونية، والتوربينات، والبطاريات الكهربائية، والأسلحة العسكرية، ومعدات الفضاء، منحها ورقة جديدة في مواجهة واشنطن. وهذه الورقة، المستندة إلى القوة الناعمة الصينية، واجهت عجزاً أميركياً عن مجاراتها رغم التفوق العسكري الصلب، ما انتهى بقبول الولايات المتحدة باتفاق تجاري جديد. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن عصراً جديداً في العلاقات الدولية قد بدأ، حيث لم تعد القوة الصلبة وحدها معيار النفوذ، بل برزت عوامل جديدة تعزز المكانة الوطنية للدول، ويأتي قطاع التعدين في مقدمتها. فقد امتلك هذا القطاع من القوة ما كان كافياً لإعادة ترامب إلى طاولة التفاوض وإجبار «الملك المجنون» على التفاعل.
أما عن إيران، فهي تمتلك احتياطيات كبيرة من الموارد المعدنية ومكامن غنية، إلى جانب رصيد تكنولوجي وعلمي مرتفع في مجتمعها الأكاديمي، ما يعني أن دخولها مرحلة إنتاج العناصر الأرضية النادرة يمكن أن يشكل خطوة استراتيجية كبرى نحو تحقيق أهدافها في قطاع التعدين. لكن تعاني إيران منذ سنوات من إشكالية كبرى في هذا القطاع، تتمثل في انخفاض القيمة المضافة لصادرات المواد والمنتجات المعدنية، وهو ما أدى إلى سجالات طويلة وغير مثمرة على مستوى السياسات. غير أن الانتقال إلى إنتاج العناصر الأرضية النادرة يمكن أن يغيّر هذه المعادلة.
وفي حال خوض إيران هذا المسار، ستكون قادرة على زيادة عائداتها من النقد الأجنبي، وفي الوقت نفسه امتلاك ورقة جديدة للمناورة في الساحة الدولية، عبر تعميق مفهوم القوة الناعمة وتحديد موقع جديد لها في النظام العالمي الناشئ. ومن هذا المنطلق، يتضح أن قطاع التعدين لم يعد مجرد ساحة اقتصادية بسيطة، بل أصبح مجالاً واعداً لبلوغ حدود المعرفة والتكنولوجيا ورفع مستويات الرفاه الوطني. وهذا يعني أن الإمكانات المعدنية التي تمتلكها إيران يمكن أن تتحول ليس فقط إلى محرك للنمو الاقتصادي، بل إلى رافعة لتعزيز القوة الوطنية في أفق عام 2050. ولتحقيق هذا الهدف الطموح، يصبح من الضروري أن يعمل صانعو السياسات على تحديد ميدان اللعبة بشكل صحيح، وتهيئة الظروف لتفعيل القدرات الكامنة للبلاد. فترجمة هذه القوة إلى واقع لا تعني مجرد تطوير قطاع التعدين، بل عبور البوابة الذهبية لتقنيات المستقبل من أجل تعزيز القوة والثروة الوطنية.



