شبح الحرب يدفع العراقيين إلى الادخار بدل الإنفاق

في ظل تصاعد حدة التهديدات الأميركية الموجهة إلى إيران، تمر السوق العراقية بحالة من القلق والترقب، انعكست بوضوح على حركة التداول والنشاط الاقتصادي.

ميدل ايست نيوز: في ظل تصاعد حدة التهديدات الأميركية الموجهة إلى إيران، تمر السوق العراقية بحالة من القلق والترقب، انعكست بوضوح على حركة التداول والنشاط الاقتصادي. فقد شهدت الأسواق تراجعاً ملحوظاً في العمليات الشرائية، ولا سيما في قطاعي العقارات والسيارات، مقابل ازدياد الإقبال على الادخار بالعملة الصعبة، في مؤشر يعكس مخاوف متنامية من تطورات غير محسوبة العواقب.

وهذا الارتباك الاقتصادي لا ينفصل عن الهواجس الأمنية والسياسية التي تسود الشارع العراقي، إذ يرى مراقبون أن أي تصعيد عسكري محتمل في المنطقة قد يضع العراق في قلب التداعيات، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك مصالحه الإقليمية. ويعبر مواطنون عن خشيتهم من أن تؤدي حرب محتملة ضد إيران إلى اضطرابات أمنية وانعكاسات اقتصادية قاسية، من بينها تراجع قيمة العملة المحلية، وارتفاع الأسعار.

وقال الخبير في الشؤون الاقتصادية ناصر الكناني، لـ”العربي الجديد”، إن “حالة الارتباك التي يشهدها السوق المحلي في الوقت الراهن تعد رد فعل طبيعي على تصاعد التوترات الإقليمية والتهديدات الأميركية لإيران، واستمرار هذا المشهد قد يخلف تداعيات أعمق على الاقتصاد الوطني”.

وبيّن الكناني أن “الأسواق العراقية شديدة الحساسية لأي تصعيد سياسي أو أمني في المنطقة، بحكم اعتمادها الكبير على الاستقرار الإقليمي، سواء في ملف الطاقة أو حركة التجارة والتحويلات المالية، والتراجع الملحوظ في الإقبال على شراء العقارات والسيارات يعكس حالة عدم يقين لدى المواطنين والمستثمرين على حد سواء”.

وأضاف أن “لجوء شريحة واسعة من العراقيين إلى الادخار بالعملة الصعبة يعد مؤشراً واضحاً على تصاعد المخاوف من تذبذب سعر صرف الدينار أو حدوث اضطرابات اقتصادية مفاجئة في حال اندلاع أي مواجهة عسكرية، وهذا السلوك، وإن كان مفهوماً من الناحية النفسية، قد يساهم في زيادة الضغوط على السوق المالية إذا اتسع نطاقه”.

وحذر من أن “أي حرب محتملة ضد إيران لن تكون تداعياتها محصورة داخل حدودها، بل ستمتد إلى دول الجوار، وفي مقدمتها العراق، من خلال اضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الاستيراد، ولهذا على الحكومة العراقية تبني سياسات استباقية لطمأنة السوق، وتعزيز الاحتياطي النقدي، وضبط الخطاب الرسمي لتقليل منسوب القلق لدى الشارع”. وختم الخبير في الشؤون الاقتصادية قوله إن “العامل النفسي يلعب دوراً كبيراً في تحريك الأسواق خلال الأزمات، ما يجعل من الشفافية والوضوح في إدارة المرحلة الراهنة ضرورة اقتصادية لا تقل أهمية عن الإجراءات المالية والنقدية”.

من جهته قال أحمد العبيدي، أحد تجار سوق الشورجة في العاصمة بغداد، أهم أسواق الجملة في العراق، لـ”العربي الجديد”، إن “التوترات الإقليمية المتصاعدة والحديث المتكرر عن احتمال اندلاع مواجهة عسكرية في المنطقة تركت آثارها بشكل مباشر على حركة البيع والشراء داخل الأسواق العراقية، فحالة الحذر باتت السمة الغالبة على سلوك التجار والمستهلكين على حد سواء”.

وأكد العبيدي أن “حركة السوق تشهد تباطؤاً واضحاً خلال الأيام الماضية، إذ انخفض الطلب على العديد من السلع، بسبب تخوف المواطنين من المرحلة المقبلة وحرصهم على الاحتفاظ بالسيولة النقدية، وهذا التراجع انعكس على حجم التداول اليومي في سوق الجملة مقارنة بالفترات السابقة”. وأضاف أن “كثيراً من التجار باتوا يترددون في استيراد كميات كبيرة من البضائع أو عقد صفقات طويلة الأمد، خشية حدوث اضطرابات أمنية أو تقلبات في أسعار الصرف قد تؤدي إلى خسائر مفاجئة، وبعضهم لجأ إلى تقليص المخزون والاكتفاء بالحد الأدنى لتسيير العمل”.

وبيّن أن “الإقبال المتزايد على الادخار بالعملة الصعبة أثر بدوره على السوق. شح السيولة بالدينار لدى بعض الزبائن أدى إلى ضعف القدرة الشرائية، حتى على السلع الأساسية، في وقت تشهد فيه تكاليف النقل والاستيراد ضغوطاً متزايدة”. وأكد التاجر العراقي أن “الأسواق تحتاج اليوم إلى رسائل طمأنة حقيقية، وإجراءات واضحة تضمن استقرار الأسعار وسلاسة حركة التجارة، لأن استمرار حالة القلق وعدم اليقين سينعكس سلباً ليس فقط على التجار، بل على عموم النشاط الاقتصادي في البلاد”.

وقال النائب العراقي أحمد الشرماني، لـ”العربي الجديد”، إن “ما يشهده السوق المحلي من ارتباك وتراجع في النشاط الاقتصادي يعد جرس إنذار خطيراً لا يمكن التقليل من شأنه، والحكومة تتحمل مسؤولية غياب المعالجات الجدية في مواجهة تداعيات التصعيد الإقليمي”.

ورأى الشرماني أن “العراق يدفع اليوم ثمن سياسة الانتظار والتردد، في وقت تتصاعد فيه التهديدات الأميركية لإيران وتزداد احتمالات الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، والأسواق لا تتحرك من فراغ، بل تتأثر مباشرة بضعف الموقف الرسمي وغياب رؤية اقتصادية واضحة لإدارة الأزمات”.

وأضاف أن “تراجع حركة البيع والشراء في قطاعات حيوية مثل العقارات والسيارات، واتجاه المواطنين إلى الادخار بالعملة الصعبة، يعكس فقدان الثقة بقدرة الدولة على حماية الاستقرار الاقتصادي، واستمرار هذا النهج قد يقود إلى أزمة سيولة وضغوط إضافية على الدينار وارتفاع مستويات التضخم”.

وأكد الشرماني أن “العراقيين لا يخشون فقط حرباً محتملة في الجوار، بل يخشون أن يجدوا أنفسهم مرة أخرى ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية، من دون أي ضمانات تحمي أمنهم ومعيشتهم، ولهذا المرحلة الحالية تتطلب موقفاً سيادياً واضحاً، وإجراءات اقتصادية عاجلة، وخطاباً صريحاً مع الشارع، لأن ترك الأسواق رهينة الإشاعات والتجاذبات السياسية هو تهديد مباشر للاستقرار الاقتصادي في البلاد”.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى