تسعة سيناريوهات سوداء… كيف يمكن أن تبدأ المواجهة الإيرانية الأميركية؟

يبقى خيار المواجهة العسكرية الأميركية مع إيران قائماً لكنه عالي المخاطر، نظراً لغموض طبيعة الرد الإيراني واختلافه عن تجارب سابقة مثل فنزويلا.

ميدل ايست نيوز: في ظل التحولات السريعة والمعقدة التي تشهدها بيئة العلاقات الدولية، ظلّت العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، بوصفها إحدى بؤر الأزمات العالمية، محط اهتمام دائم لدى المحللين السياسيين والأمنيين. وقد أعادت التوترات الأخيرة بين البلدين، ولا سيما في أعقاب التطورات الداخلية في إيران والمواقف الهجومية للولايات المتحدة، طرح تساؤلات حول مستقبل هذه العلاقات، وما إذا كان احتمال اندلاع مواجهة مباشرة أو غير مباشرة قد ازداد.

في دراسات العلاقات الدولية والأمنية، وبسبب تعدد العوامل المؤثرة في عملية صنع القرار، لا يمكن الوصول إلى تنبؤ علمي قطعي، ويُعد المسار الأصح هو العمل على تحديد السيناريوهات المحتملة بهدف الاستعداد لمواجهتها.

ولا تُستثنى الولايات المتحدة من هذه القاعدة، بل يضاف إلى ذلك أن أكبر إمبراطورية عسكرية واقتصادية في العالم باتت اليوم بيد شخص يتخذ قرارات مفاجئة استناداً إلى خصائصه النفسية الفردية، لا تكون بالضرورة منطقية أو محسوبة، ما يجعل عملية التنبؤ أكثر صعوبة.

وتجدر الإشارة إلى أن مقال ميدل ايست نيوز يسعى إلى رسم سيناريوهات للحراك الأمني والعسكري الأميركي المحتمل ضد إيران، في حين أن سيناريوهات الرد الإيراني، لأسباب واعتبارات معينة، مطروحة في مذكرات سياسات صادرة عن مراكز بحثية.

وانطلاقاً من هذه المقدمة، يمكن تقسيم ما قد يحدث بين إيران والولايات المتحدة إلى تسعة سيناريوهات، سيتم استعراضها على النحو الآتي:

السيناريو الأول

يفترض هذا السيناريو أن التحركات العسكرية الأميركية تندرج في إطار ممارسة ضغط نفسي بهدف التأثير في المشهد الذي أعقب الاحتجاجات في إيران. ووفقاً لادعاءات دونالد ترامب، تسعى الولايات المتحدة إلى منع المحاكمات القضائية المرتبطة بالاحتجاجات، ومن هذا المنطلق قد تكون التحركات العسكرية الأخيرة وسيلة للضغط على الحكومة الإيرانية.

السيناريو الثاني

في هذا السيناريو، تقدم الولايات المتحدة على تنفيذ ضربة عسكرية محدودة تستهدف مواقع ترى واشنطن أنها لعبت دوراً في مواجهة الأحداث الأخيرة داخل إيران. وكان ترامب قد هدد، قبل هذه التطورات، بالرد في حال وقوع خسائر بشرية على خلفية الاحتجاجات. إلا أن منتقديه يرون اليوم أن هذه التهديدات فقدت مصداقيتها، معتبرين أن ترامب تسبب من خلال مواقفه في سقوط العديد من الضحايا داخل إيران، ولن يكون لكلامه بعد ذلك وزن أو اعتبار.

وقد يدخل هذا السيناريو حيز التنفيذ بهدف إعطاء مصداقية للتهديدات السابقة. غير أن الإشكالية تكمن في أن إيران تعتبر أي اعتداء على أراضيها حرباً شاملة، والحرب الشاملة تستدعي رداً شاملاً. بناء على ذلك، يبقى من غير الواضح إلى أين يمكن أن ينتهي هذا السيناريو، وأين يمكن أن تكون نقطة وقف إطلاق النار بين الطرفين. هناك قناعة سائدة في إيران مفادها أن الرد المحدود على هجوم أميركي يمنح الضوء الأخضر لمزيد من الاعتداءات لاحقاً. كما أعلنت وسائل الإعلام الرسمية أن حجم وطبيعة الرد الإيراني في هذه الحالة سيكونان مختلفين عن الردود السابقة، بما في ذلك الرد على اغتيال اللواء قاسم سليماني أو الهجوم الأميركي على منشأتي فوردو ونطنز النوويتين.

السيناريو الثالث

يفترض هذا السيناريو توجيه ضربة أميركية إلى مراكز صنع القرار الرئيسية. فقد نشرت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات الأميركية، في الآونة الأخيرة، قائمة بأهداف محتملة لأي هجوم على إيران، كان من بينها المراكز العليا والحساسة لصنع القرار في إيران. ينطوي هذا السيناريو على فرضيتين: الأولى أن يكون الهجوم رمزياً، ويهدف بالدرجة الأولى إلى نزع الشرعية عن النظام الإيراني وتطبيع فكرة استهداف سيادته. وقد تسعى الولايات المتحدة، من خلال ذلك، إلى الإيحاء بأن الجمهورية الإسلامية تفتقر إلى الشرعية، وأن الهجوم عليها مبرر. كما أن القرار الأخير الصادر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ضد إيران قد يساهم في تقليص الحساسية الدولية تجاه أي هجوم محتمل.

أما الفرضية الثانية، فتنطلق من محاولة تكرار سيناريو فنزويلا. غير أن هذا الاحتمال يُعد ضعيفاً، نظراً لزوال عنصر المفاجأة ووجود أعلى درجات الجهوزية داخل النظام الإيراني لحماية مركز القيادة. كما أن تداعيات هذا السيناريو غير معروفة، إذ أعلنت إيران أنها ستعلن الجهاد وتدخل في مواجهة مع الولايات المتحدة في الدول التي تتمتع فيها بنفوذ. وبالتالي فإن الوضع في إيران يختلف جذرياً عما جرى في فنزويلا، حيث تم اختطاف رأس الدولة دون أن يترتب على ذلك أي رد فعل يذكر، وهو أمر لا يمكن تصوره في الحالة الإيرانية.

السيناريو الرابع

يقوم هذا السيناريو على استهداف البنية التحتية الصاروخية والعسكرية الإيرانية. فإسرائيل أعلنت صراحة أنها لن تتوقف عن التحرك ضد إيران ما دامت تحتفظ بقدراتها الصاروخية، كما شدد ترامب بدوره على ضرورة تجريد إيران من هذه القدرات. وتدّعي كل من الولايات المتحدة وإسرائيل أنهما لن تسمحا بتطوير البرنامج الصاروخي الإيراني. غير أن هذا السيناريو يواجه تحديات كبيرة، أبرزها أن القواعد الصاروخية الإيرانية، لا سيما بعد الحرب التي استمرت 12 يوماً، باتت أكثر انتشاراً وتوزعاً. فإيران بلد شاسع، ولم تعد قواعده الصاروخية متمركزة في مواقع محدودة. وعليه، فإن هذا السيناريو قد يكون مكلفاً للغاية بالنسبة للولايات المتحدة، مع فرص نجاح محدودة. كما أن احتمالات نجاحه أقل مقارنة بسيناريو استهداف المنشآت النووية، نظراً إلى أن مواقع هذه المنشآت معروفة نسبياً بفعل عمليات التفتيش الدولية، كما أن عددها أقل بكثير من عدد القواعد الصاروخية. وقد أعلنت إيران أنها، في حال تنفيذ هذا السيناريو، ستستهدف جميع القواعد الأميركية في المنطقة، مؤكدة أن أي اعتداء على أراضيها يعني الدخول في حرب شاملة، ما يجعل هذا السيناريو بالغ الخطورة على مستوى الإقليم بأسره.

السيناريو الخامس

يفترض هذا السيناريو استهداف البنى التحتية الاقتصادية، مثل منشآت عسلوية أو مصفاة نجمة  الخليج الفارسي. ويمكن تقسيمه إلى فرضيتين. الأولى أن يتم الهجوم بشكل واسع ومفاجئ، في سيناريو كارثي يؤدي إلى تدمير البنى الاقتصادية، ورد إيراني يستهدف بدوره البنى التحتية للدول الداعمة للولايات المتحدة في المنطقة وإسرائيل. أما الفرضية الثانية، فتقوم على تنفيذ الهجوم على مراحل، وفق جدول زمني محدد، مع إعلان مسبق، بحيث تعلن الولايات المتحدة شروطها بعد كل مرحلة، وتلوّح بالانتقال إلى مرحلة جديدة في حال عدم استجابة طهران. هذا السيناريو يضع إيران أمام وضع بالغ التعقيد، وقد تلجأ طهران إلى تصعيد الأزمات في المناطق التي تنشط فيها.

السيناريو السادس

في هذا السيناريو، يتم شن هجوم بهدف احتلال منطقة معينة وفرض منطقة حظر جوي فوقها، على غرار ما قامت به الولايات المتحدة في سوريا وأجزاء من العراق. وبالنظر إلى التحركات الأخيرة للإمارات بشأن الجزر الثلاث، وتوقيع الاتحاد الأفريقي على بيان ذي صلة، إلى جانب تحركات سياسية أخرى، قد تكون هذه الجزر هدفاً أولياً، أو قد تُطرح سيناريوهات تتعلق بمناطق كردستان أو بلوشستان أو أجزاء من أذربيجان. ويعني هذا السيناريو دخولاً عسكرياً مباشراً إلى الأراضي الإيرانية، ما سيدفع إيران إلى تصعيد المواجهة، علماً بأن الإمارات تمتلك الكثير مما قد تخسره في حال تحقق هذا السيناريو.

السيناريو السابع

يتمثل هذا السيناريو في تحركات عسكرية تهدف إلى شل الاقتصاد الإيراني، كتعزيز الوجود العسكري الأميركي في المنطقة للضغط على الممرات البحرية، أو فرض حصار كامل على صادرات النفط الإيرانية. ويهدف ذلك إلى ردع أي تحرك عسكري إيراني محتمل عبر التلويح برد قاسٍ. ويُعد هذا السيناريو بدوره بالغ الخطورة، ويأمل معدّو السياسات أن يتم الاستعداد له مسبقاً.

السيناريو الثامن

يقوم هذا السيناريو على دمج عدد من السيناريوهات السابقة، وقد يترافق مع عمليات اغتيال تستهدف مسؤولين إيرانيين، أو مع أعمال تخريب وتفجيرات داخلية تطال البنى التحتية الاقتصادية والمواصلاتية والأمنية وقطاع الطاقة. والهدف من ذلك هو تعطيل نمط الحياة الطبيعية داخل إيران.

السيناريو التاسع

يمكن وصف هذا السيناريو بأنه «السيناريو المفاجئ». فمن الناحية العلمية، لا تزال بعض الإنجازات التكنولوجية الأميركية غير معروفة بالكامل. فقد تحدثت تقارير في الأيام الأخيرة أن الولايات المتحدة استخدمت سلاحاً سرياً جديداً خلال هجومها على فنزويلا، يعتمد على موجات صوتية عالية أدت إلى نزيف داخلي لدى حراس الرئيس نيكولاس مادورو. يُعد هذا تطوراً تكنولوجياً غير مسبوق. وعليه، لا بد من أخذ هذا السيناريو في الحسبان، ودعوة المتخصصين في مختلف العلوم إلى تقديم أي معطيات حول تقنيات جديدة محتملة، تمهيداً لوضع تدابير مضادة لها.

في المحصلة، يبقى خيار المواجهة العسكرية الأميركية مع إيران قائماً لكنه عالي المخاطر، نظراً لغموض طبيعة الرد الإيراني واختلافه عن تجارب سابقة مثل فنزويلا. فالعقيدة العسكرية الإيرانية تقوم على الصمود والرد الواسع، فيما تغيّرت حسابات طهران التي ترى أن أي رد رمزي سيقوض قدرتها الردعية. ومع تراكم الأزمات الداخلية وتزايد احتمالات التدخل الخارجي، تجد إيران نفسها أمام ضرورة تعزيز التماسك الداخلي والاستعداد لأسوأ السيناريوهات سياسياً وعسكرياً، في ظل سعي واشنطن وحلفائها لتهيئة مبررات لأي تصعيد محتمل.

اقرأ المزيد

الصحافة الإيرانية: الغموض الاستراتيجي يشكّل العائق الأكبر أمام خيار الحرب ضد إيران

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 − 14 =

زر الذهاب إلى الأعلى