هل يشير التحوّل الهادئ في الملف النووي الإيراني إلى بداية مرحلة تفاوضية جديدة؟
يشير تحليل المشهد الحالي إلى أن هذا التحوّل لا يأتي عبر إعلان رسمي لمفاوضات جديدة، بل يُتتبَّع من خلال التغريدات والمقابلات والتقارير الإعلامية والتحركات الدبلوماسية بين اللاعبين الإقليميين.
ميدل ايست نيوز: في الوقت الذي كانت فيه قبل أسابيع قليلة ساحة الشرق الأوسط مُظلّلة بظل الحرب، مع انتشار القوة العسكرية الأميركية في مياه الخليج وتهديدات متبادلة بين إيران وإسرائيل، بدأت تظهر الآن دلائل على تحوّل هادئ لكنه مهم في ملف البرنامج النووي الإيراني.
في هذا السياق، يشير تحليل المشهد الحالي إلى أن هذا التحوّل لا يأتي عبر إعلان رسمي لمفاوضات جديدة، بل يُتتبَّع من خلال التغريدات والمقابلات والتقارير الإعلامية والتحركات الدبلوماسية بين اللاعبين الإقليميين. تغريدة علي لاريجاني حول «التقدّم في هيكلة المفاوضات»، وحوار عباس عراقجي مع CNN وتأكيده على فاعلية المحادثات غير المباشرة، وتقارير باراك راويد في أكسيوس في 31 يناير، بالإضافة إلى التنقّلات الدبلوماسية المكثفة بين طهران وموسكو والدوحة وأنقرة والقاهرة، جميعها تشير إلى حقيقة أن الملف النووي الإيراني يخرج من نموذج التفاوض الكلاسيكي ويدخل مرحلة متعددة الطبقات، شبكية وزمنية المحور.
الدبلوماسية في ظل التهديد
لم يحدث هذا التحوّل في فراغ. فقد خلّفت الحرب التي استمرت 12 يوماً بين إيران وإسرائيل، والهجمات على المنشآت النووية الإيرانية، ثم الانتشار العسكري الأميركي الواسع في المنطقة، ظرفاً أصبح فيه «الزمن» المتغير الحاسم. من جهة، تتأرجح واشنطن في عهد ترامب بين الرغبة في عرض القوة والإغراء للتوصل إلى اتفاق سريع؛ ومن جهة أخرى، تسعى طهران لتخفيف التوتر دون الدخول في مفاوضات مرهقة أو مكلفة.
يوضح تقرير مجلة Foreign Affairs حول التناقضات الجوهرية في سياسة ترامب تجاه إيران – مزيج من التهديد، والتصرف العشوائي، وغياب استراتيجية متكاملة – يوضح سبب اضطرار البيت الأبيض في نهاية المطاف للعودة إلى الدبلوماسية، وهذه المرة ليست عبر مسار الاتفاق النووي، بل من خلال تقسيم المهام بين اللاعبين الإقليميين والدوليين.
تقسيم المهام في الهيكلية الجديدة
وفق هذا النموذج، هناك أربعة لاعبين رئيسيين لكل منهم وظيفة محددة:
- تركيا: المضيف والميسّر السياسي. تحاول أنقرة، بالاعتماد على موقعها الجيوسياسي، وانتمائها للناتو، وعلاقاتها المتوازنة مع روسيا وإيران والغرب، أن تصبح نقطة وصل للدبلوماسية متعددة المستويات. فهي تتطلع إلى تحويل استضافتها للمفاوضات إلى منصة للحوار الإقليمي، بما يتوافق مع طموحها لتثبيت مكانتها كـ«قوة متوسطة نشطة» في النظام الإقليمي المتغير في الشرق الأوسط.
- قطر: الطرف الاقتصادي في المعادلة. إذ يُنظر إلى احتمالية تحرير حوالي 7 مليارات دولار من أصول إيران المجمدة ليس فقط كميزة مالية، بل كركيزة أولية لبناء الثقة. وقد أثبتت تجربة الاتفاق النووي أن أي اتفاق بلا مكاسب اقتصادية ملموسة لن يستمر، والدوحة تمثل هنا قناة مالية آمنة وضماناً لإدارة المخاوف الغربية.
- مصر: تقوم بدور الجسر الفني والسياسي بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية. فالأزمة الرئيسية في السنوات الأخيرة لم تكن مستوى التخصيب، بل انهيار الثقة الرقابية. واستئناف الحد الأدنى من التعاون مع الوكالة، ما يعرف بـ«اتفاق القاهرة»، يمكن أن يخرج الملف من مأزق الشرعية الفنية ويخفف الضغوط السياسية.
- روسيا: ربما تكون أهم ضلع في هذه الهيكلية، إذ يُنقل أنها الضامن لتنفيذ مكون فني رئيسي، وهو نقل حوالي 400 كيلوغرام من اليورانيوم. أفاد علي قلّه كي، ناشط إعلامي محسوب على التيار المحافظ، بعد لقاء لاريجاني بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عن احتمال موافقة طهران على اقتراح ترامب بنقل 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب خارج البلاد.
من جهة أخرى، ذكرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، نقلاً عن مسؤولين في أنقرة، أن «ترامب قد يمنح تركيا فرصة لمحاولة حل أزمة إيران، وربما نقترح نقل اليورانيوم المخصب الإيراني إلى تركيا مع تعهد بعدم إعادته لإيران». وقد وردت أنباء سابقة غير مؤكدة عن طلب أميركي لنقل اليورانيوم بنسبة تخصيب 60%. كما تداولت روايات أخرى تفيد بأن الاقتراح جاء من إيران، أو أن وجهة المخزون ستكون روسيا.
الأبعاد الأربعة للتحركات الأخيرة
تمت متابعة هذا الملف من خلال أربعة عناصر رئيسية: زيارة عراقجي لأنقرة، زيارة لاريجاني لموسكو، تغريدة الأخير حول الأجواء الإيجابية للمفاوضات، ومقالة معاد نشرها في وسائل إعلام محلية تابعة للحرس الثوري تفيد بموافقة إيران على إخراج اليورانيوم مع التأكيد أن ترامب يسعى لنزع سلاح إيران.
ووفق صحيفة «دنياي اقتصاد» الإيرانية، فإن تنفيذ هذا الإجراء يحمل عدة تداعيات مهمة على إيران والولايات المتحدة وروسيا، وكذلك على الدول الإقليمية:
- من منظور الأطراف الغربية، يمثل دليلاً ملموساً على تقليل مخاطر الانتشار النووي وتحرك إيران نحو تقييد عملي لبعض قدراتها الحساسة.
- بالنسبة لإيران، يمكن أن يشكّل هذا المسار جزءاً من صفقة أكبر، يتم فيها تبادل المكاسب الفنية بمكاسب سياسية واقتصادية.
- أما بالنسبة لروسيا، فالقيام بهذا الدور يوفر فرصة لتثبيت مكانتها كلاعب لا غنى عنه في الملف النووي الإيراني.
تشير مجمل هذه التطورات إلى أن الملف النووي الإيراني تحول من نزاع ثنائي أو محدود متعدد الأطراف إلى عملية إقليمية ودولية متعددة الطبقات ومتداخلة. في هذا النموذج، يسير التهديد العسكري والمفاوضات ليس في حالة تعارض، بل في توازن تكتيكي متزامن، وهو النمط الذي ميّز علاقات إيران والولايات المتحدة لسنوات، لكن هذه المرة بسرعة وتعقيد أكبر.
السؤال الأساسي الآن: هل يمكن لهذه الهيكلية متعددة الطبقات الانتقال من مرحلة السيناريو إلى التنفيذ والاستدامة السياسية؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل الملف النووي الإيراني، بل مسار الأمن الإقليمي بأكمله.



