الصحافة الإيرانية: تجار الحرب.. كيف تستفيد روسيا من الأزمة الإيرانية الأمريكية؟
تشير المعطيات إلى أن موسكو لا تبدي حماساً فعلياً للقيام بدور وساطة جادة لإنهاء الأزمة، بل تنظر إلى استمرار الأوضاع المتوترة باعتباره فرصة استراتيجية لإعادة بناء قدراتها العسكرية واستنزاف خصومها الغربيين.

ميدل ايست نيوز: في وقت تدعو فيه دول عديدة في المنطقة والعالم إلى إنهاء التوتر بين إيران والولايات المتحدة وترحب بأي اتفاق محتمل، تبدو هناك دولة ترى مصلحتها في استمرار حالة «اللا حرب واللا سلم»، بل وحتى في بقاء مستوى معين من المواجهة المحدودة.
يقول موقع اقتصاد أونلاين الإيراني، إنه في ظل الأزمة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة وما خلفته من تداعيات على أسواق الطاقة العالمية، برزت روسيا باعتبارها المستفيد غير المباشر الأكبر من هذا التوتر. إذ أدى الارتفاع الحاد في أسعار النفط، إلى جانب التساهل الأمريكي في بعض القيود المفروضة على موسكو بهدف الحفاظ على استقرار الأسواق، إلى تدفق مليارات الدولارات الإضافية إلى الخزينة الروسية.
وتشير المعطيات إلى أن موسكو لا تبدي حماساً فعلياً للقيام بدور وساطة جادة لإنهاء الأزمة، بل تنظر إلى استمرار الأوضاع المتوترة باعتباره فرصة استراتيجية لإعادة بناء قدراتها العسكرية واستنزاف خصومها الغربيين.
وتخوض روسيا منذ سنوات حرباً استنزافية في أوكرانيا أثقلت اقتصادها وفرضت عليها تحديات متزايدة، خصوصاً مع نجاح أوكرانيا تدريجياً في تطوير قدراتها في مجال الطائرات المسيّرة وتوجيه ضربات استراتيجية مؤثرة. إلا أن حرب إيران منحت موسكو فرصة وصفها بعض المحللين بأنها «هدية مبكرة» للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وتفيد تقارير صادرة عن جهات مستقلة تتابع أسواق الطاقة بأن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران انعكست بصورة إيجابية على الاقتصاد الروسي.
عائدات النفط وتخفيف ضغوط العقوبات
بحسب بيانات صادرة عن مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف، بلغت عائدات روسيا من صادرات الوقود الأحفوري خلال الأشهر الأخيرة أعلى مستوياتها منذ عامين. وتُقدّر هذه الإيرادات بنحو 713 مليون يورو يومياً، وهي زيادة ترتبط بشكل مباشر بالصدمة السعرية التي أحدثها التصعيد العسكري في أسواق الطاقة العالمية.
ومنذ اندلاع المواجهة، ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 50% لتقترب من مستوى 110 دولارات للبرميل.
ويتمثل أحد أبرز التحولات في تراجع الفارق السعري الذي كانت روسيا مضطرة لتقديمه على نفط الأورال من أجل الالتفاف على العقوبات الغربية. فمع تراجع جزء من الإمدادات القادمة من منطقة الخليج وتصاعد المخاطر في مضيق هرمز، ارتفع الطلب على النفط الروسي إلى درجة تقلص معها هذا الخصم السعري بشكل كبير.
وبذلك باتت موسكو لا تكتفي بتصدير كميات أكبر من النفط، بل تبيع أيضاً كل برميل بأسعار لم تكن تتوقع الوصول إليها قبل الأزمة.
هدنة مؤقتة واستراتيجية إبقاء التوتر
وخلال فترة وقف إطلاق النار الحالية، يبدو أن المقاربة الروسية لا تقوم على الدفع نحو اتفاق شامل بين طهران وواشنطن بقدر ما ترتكز على الحفاظ على حالة «اللا حرب واللا سلم».
فمن منظور الكرملين، فإن أي اتفاق واسع يعيد النفط الإيراني بالكامل إلى الأسواق العالمية ويخفض مستوى التوترات سيؤدي إلى تراجع أسعار النفط وعودة الضغوط الغربية على الاقتصاد الروسي.
وفي الوقت نفسه، تفضل موسكو استمرار استنزاف القدرات العسكرية الأمريكية عبر انخراطها في مواجهة طويلة ومكلفة مع إيران.
كما أن الأداء الدبلوماسي الروسي خلال الاتصالات الجارية عبر إسلام آباد وقنوات أخرى غير رسمية يعكس هذه المقاربة؛ إذ تحرص موسكو من جهة على الظهور كحليف استراتيجي لطهران، بينما تستفيد من جهة أخرى من التسهيلات التي وفرتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لصادراتها النفطية.
ففي إطار السعي إلى منع ارتفاع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، غضّت واشنطن الطرف خلال الأشهر الأخيرة عن بعض القيود المفروضة على صادرات النفط الروسية، وهو ما خفف الضغوط المالية على الكرملين ومنح بوتين مساحة أوسع لمواصلة عملياته العسكرية على جبهات أخرى.
ولهذه الأسباب، تكتفي موسكو بدعم المواقف الإيرانية في المحافل الدبلوماسية دون أن تبادر إلى خطوات ملموسة لإنهاء الصراع.
التغيرات البيئية تصب في مصلحة موسكو
ويرى بعض المحللين أن مكاسب روسيا لا تقتصر على الجانب العسكري أو الاقتصادي، بل تمتد أيضاً إلى البعد البيئي والاستراتيجي.
فالأضرار التي لحقت بالبنية التحتية النفطية في إيران ومنطقة الخليج أدت إلى انبعاث كميات كبيرة من الملوثات إلى الغلاف الجوي، تُقدّر بعض التقييمات الأولية أنها تعادل حجم الانبعاثات السنوية لدولة مثل آيسلندا خلال فترة لا تتجاوز أسبوعين.
أما البعد الأقل ظهوراً فيتمثل في استفادة روسيا من تسارع التغيرات المناخية وذوبان الجليد في المناطق القطبية. فمع ارتفاع درجات الحرارة العالمية، تعمل موسكو على تطوير «الممر البحري الشمالي» مستفيدة من امتلاكها أطول السواحل القطبية في العالم.
وتستثمر روسيا نحو 30 مليار دولار في أسطول كاسحات الجليد لديها، الذي يضم 57 سفينة مقارنة بثلاث فقط لدى الولايات المتحدة، في إطار سعيها لتعزيز سيطرتها على طرق التجارة البحرية الجديدة واستغلال الموارد الطبيعية في القطب الشمالي.
ومن هذا المنطلق، فإن استمرار التوترات في مياه الخليج وارتفاع أسعار الطاقة يوفران لموسكو موارد مالية إضافية لدعم مشاريعها الاستراتيجية في الشمال.
الاستثمار في عدم الاستقرار
تشير المعطيات إلى أن روسيا تسعى إلى تعظيم مكاسبها من حالة عدم الاستقرار الناجمة عن المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، حيث يُنظر إلى استمرار الصراع المحدود أو بقاء حالة «اللا حرب واللا سلم» باعتبارها السيناريو الأكثر فائدة لموسكو.
فهذا الوضع يستهلك موارد الولايات المتحدة في صراع طويل ومكلف، كما يبقي إيران بحاجة إلى الدعم السياسي والعسكري الروسي، الأمر الذي يعزز النفوذ الروسي ويمنحها فرصة إضافية لإعادة تنشيط قدراتها العسكرية.
وفي حين يسعى ترامب إلى التوصل لاتفاق يضع حداً للحرب، تبدو موسكو أقل رغبة في رؤية هذا الصراع ينتهي بصورة نهائية.
وفي ظل هذه المعطيات، يرى مراقبون أن عدم إدراك المجتمع الدولي والدول الإقليمية لحجم المصلحة الاستراتيجية التي تحققها روسيا من استمرار الجمود الحالي قد يجعل من اتفاقات وقف إطلاق النار المؤقتة مجرد فترات استراحة تسمح للأطراف المستفيدة من استمرار التوتر بإعادة ترتيب أوراقها والاستعداد لجولات جديدة من المواجهة.
اقرأ ايضا
الصحافة الإيرانية: كيف غيّر إغلاق مضيق هرمز معادلات الموازنة الروسية؟



