الصحافة الإيرانية: شكل ومضمون المفاوضات المحتملة بين طهران وواشنطن

لن يؤد التفاوض بين وزير الخارجية الإيراني وممثل ترامب سوى إلى مساومات عقيمة حول قضية تخصيب اليورانيوم، فإصرار الطرفين على مواقفهما قد يقود إلى مواجهة عسكرية.

ميدل إيست نيوز: تشير تغريدة علي لاريجاني حول «تشكّل هيكل تفاوضي»، وتصريحات عباس عراقجي في تركيا بشأن ضرورة توفير «مقدمات تتعلق بشكل ومكان وموضوع الحوار»، إلى أن مشاورات تجري حالياً للتحضير لجولة جديدة من المفاوضات. وفي ضوء التجارب الممتدة على مدى 24 عاماً، يمكن طرح مجموعة من الملاحظات بشأن «شكل ومكان وموضوع المفاوضات».

وقال الدبلوماسي الإيراني السابق كوروش أحمدي، في مقال نشرته صحيفة شرق الإيرانية، إنه في الحالات التي تم فيها قبول مبدأ التفاوض مع الولايات المتحدة، كان الجدل غالباً يدور حول ما إذا كان التفاوض يجب أن يكون مباشراً أم غير مباشر. وبعد أكثر من ثلاثة عقود، وعلى إثر مفاوضات محدودة على المستوى التنفيذي بشأن العراق وأفغانستان، قبلت إيران في عام 2012 إجراء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة حول الملف النووي في سلطنة عمان. ولاحقاً جرت مفاوضات مباشرة أفضت إلى الاتفاق النووي، واستمرت حتى نهاية ولاية الرئيس باراك أوباما. ومع وصول دونالد ترامب إلى السلطة، توقفت جميع أشكال التفاوض مع إدارته الأولى، ورغم إصراره على الحوار ومحاولات الوساطة المتعددة، رفضت السلطات الإيرانية حتى الاستماع إلى تفسير مقصده من «إحياء الاتفاق النووي». وفي عهد جو بايدن، قبلت إيران التفاوض غير المباشر، إلا أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه لم يُحسم في حكومة الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي. أما في ولاية ترامب الثانية، فقد بدأت إيران موقفها برفض أي تفاوض، قبل أن تصل في النهاية إلى مفاوضات غير مباشرة في ربيع عام 2025.

ولا شك أن الامتناع عن التفاوض أو الاكتفاء بالتفاوض غير المباشر لا يعد أمراً مألوفاً في الأعراف الدبلوماسية، إذ لا تستطيع الدول الاطلاع على المواقف الحقيقية والنهائية لبعضها البعض إلا عبر مفاوضات مباشرة وجادة. فالمواقف التي تُعلن على الملأ غالباً ما تكون موجهة لجمهور واسع وتندرج في إطار الدعاية والعلاقات العامة، ولا يمكن أن تشكل أساساً لسياسات الدول. كما أن رفض أحد الأطراف التفاوض المباشر قد يُفسَّر من الطرف الآخر على أنه إهانة. وكانت المشكلة الرئيسية في المفاوضات غير المباشرة خلال ربيع العام الماضي أنها لم تكن مفاوضات جوهرية بسبب تجاهل البعد النفسي لشخصية ترامب.

شخصن ترامب السياسة الخارجية الأمريكية إلى حد كبير، إذ همّش مجلس الأمن القومي وأبعد وزارة الخارجية عن مركز القرار، ويسعى إلى الظهور بوصفه صاحب الحلول لجميع الأزمات. فهو يتخذ مواقف متكررة خارج الأطر التقليدية لصنع القرار في الدول الطبيعية، ويجعل ميوله الشخصية معياراً للسياسة. وتدرك دول العالم هذه الحقيقة، ولذلك تسعى إلى التواصل المباشر معه والتكيف مع أسلوبه في إدارة الملفات.

التفاوض عبر ممثلين لا يؤدي إلا إلى تثبيت مواقف محددة وإلزام المفاوضين بتكرارها، ومع تقلب مزاج ترامب، يجد هؤلاء الممثلون أنفسهم مضطرين إلى تغيير مواقفهم، وهو ما يبعث برسالة مفادها أن من يريد حل المشكلات يجب أن يتوجه إليه شخصياً. وقد انعكس ذلك سابقاً في زيارة رئيس الوزراء الياباني إلى طهران حاملاً رسالة من ترامب، وكذلك في دعوته لوزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف إلى لقاء في البيت الأبيض عام 2019.

ولن يؤد التفاوض بين وزير الخارجية الإيراني وممثل ترامب سوى إلى مساومات عقيمة حول قضية تخصيب اليورانيوم، فإصرار الطرفين على مواقفهما قد يقود إلى مواجهة عسكرية. كما أن تراجع أدوات النفوذ الإيرانية خلال الأشهر التسعة الماضية، إلى جانب الاحتجاجات الأخيرة، جعل مهمة التفاوض أكثر تعقيداً. وإذا كان «حق التخصيب» سيُطرح هذه المرة بوصفه قضية سيادية، فمن غير المرجح أن تسفر المفاوضات عن نتائج ملموسة.

وأشار عراقجي في تصريحات سابقة إلى أنه «لو قبلنا التخلي عن التخصيب لما اندلعت الحرب»، مضيفاً: «بعد أن قاتلنا من أجله، لم يعد بإمكاننا التخلي عنه». وقد شدد خلال مفاوضات ربيع العام الماضي مراراً على أن أي اتفاق لن يتحقق إذا أصر الطرف الآخر على تعليق التخصيب. وهنا، فالمسؤولون الإيرانيون مطالبون بتقديم تفسير مقنع للشعب الإيراني والمجتمع الدولي حول سبب الإصرار على التخصيب إلى حد المخاطرة بالحرب وتدمير البنى التحتية الحيوية، في وقت لا توجد فيه حاجة ملحة للتخصيب.

وضع «خطوط حمراء» على مستوى الحوار ذاته ليس أمراً شائعاً في الدبلوماسية، وإن كان مألوفاً في مرحلة الاتفاقات. فالأطراف يمكنها مناقشة جميع القضايا، لكنها تحدد خطوطها الحمراء عند التوصل إلى اتفاق. ويمكن لإيران أن تستمع إلى مواقف الطرف الآخر بشأن برنامجها الصاروخي وسياساتها الإقليمية، إلا أنها ينبغي أن تتمسك بالحفاظ على الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى لأغراض الردع. ترامب بدوره لم يتطرق حتى الآن إلى البرنامج الصاروخي أو «جماعات المقاومة»، ما يوحي بأنه لا يولي حساسية كبيرة لهذه الملفات.

إذن، فالمشكلة هنا لا تقتصر على احتمال اندلاع الحرب أو عدمها، بل تتمثل في السؤال الأوسع: هل تستطيع إيران، في حال عدم اندلاع الحرب، الاستمرار في مواجهة العقوبات المتزايدة والأزمات الداخلية وتراجع رأس المال الاجتماعي وتبلور إجماع دولي ضدها، فضلاً عن تردد روسيا والصين في دعم مواقفها الدبلوماسية؟ وإذا كان ذلك ممكناً، فإلى متى وبأي كلفة؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

8 − ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى