محاولة للفهم.. دلالات مشاركة أدميرال أمريكي في مفاوضات مسقط

يوحي وجود الأدميرال كوبر إلى جانب دبلوماسيين ومبعوثين بأن القضايا المطروحة في مسقط تتجاوز الإطار السياسي إلى ملفات القوة الصلبة وأمن الملاحة والقواعد الأمريكية في المنطقة والترتيبات العسكرية المرتبطة بأي تفاهم.

ميدل ايست نيوز: بدت المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة العمانية مسقط، أمس الجمعة، وكأنها عودة إلى نقطة البداية بشأن كيفية تناول المناقشات حول البرنامج النووي الإيراني، لكنّ اللافت فيها كان حضور قائد القيادة المركزية الأمريكية بالزي العسكري، الأمر الذي يفتح الباب واسعا أمام الرسائل التي يحملها هذا الحضور.

وعلى الرغم من تنويه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالمحادثات باعتبارها “جيدة للغاية”، حسب تعبيره، فإنه واصل التحذير من أنه إذا لم تتوصل إيران إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي، فإن “العواقب ستكون وخيمة للغاية”.

وعندما سُئل أمس عن مدة الانتظار من أجل التوصل إلى اتفاق، قال ترمب: “لدينا متسع من الوقت. إذا تذكرتم فنزويلا، فقد انتظرنا لفترة. لسنا في عجلة من أمرنا”.

وكانت إدارة ترمب قد عززت وجودها العسكري بشكل كبير في البحر الكاريبي في الأشهر التي سبقت الغارة الأمريكية، التي أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي المعتقل نيكولاس مادورو في يناير/كانون الثاني الماضي.

وفيما يتعلق بإيران هدد ترمب مرارا باستخدام القوة لإجبارها على التوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي، بعد أن أرسل حاملة الطائرات إلى المنطقة.

وحتى يبدو التهديد حقيقيا، أسقطت القوات الأمريكية مسيرة إيرانية قرب حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن”، بينما حاولت إيران اعتراض سفينة ترفع العلم الأمريكي في مضيق هرمز قبل أيام قليلة من محادثات مسقط.

هذا التهديد جعل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يشدد عقب جولة التفاوض أمس على ضرورة إجراء المحادثات النووية وحل القضايا الرئيسية في جو هادئ، بعيدا عن التوتر والتهديدات، معتبرا أن “الشرط الأساسي لأي حوار هو الامتناع عن التهديدات والضغوط”.

لكنّ الإدارة الأمريكية بدت حريصة على المضي قدما في استعراض القوة، فنشر الجيش الأمريكي أمس صورا على منصة “إكس” لمجموعة حاملات الطائرات “لينكولن” وهي تبحر في بحر العرب، بينما تحلّق الطائرات فوقها، مع رسالة “السلام من خلال القوة!”.

مفاوضون وعسكر

وإلى جانب التحشيد العسكري الأمريكي، أحضرت الولايات المتحدة وللمرة الأولى قائدها العسكري الأعلى في الشرق الأوسط الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، بزيه العسكري الرسمي في المحادثات التي جرت في مسقط.

هذا الحضور بمثابة تذكير بأن حاملة الطائرات الأمريكية “لينكولن” وسفن حربية أخرى تتواجد الآن قبالة سواحل إيران في بحر العرب.

وللوهلة الأولى تبدو الدلالة المباشرة لظهور قائد القيادة المركزية الأمريكية بزيّه العسكري في سياق محادثات سياسية-دبلوماسية ليس تفصيلا شكليا بل هو تأكيد ضمني على أن الملف المطروح للتفاوض ذو بُعد أمني عسكري مهم.

كما يوحي وجود الأدميرال كوبر إلى جانب دبلوماسيين ومبعوثين بأن القضايا المطروحة في مسقط تتجاوز الإطار السياسي إلى ملفات القوة الصلبة وأمن الملاحة والقواعد الأمريكية في المنطقة والترتيبات العسكرية المرتبطة بأي تفاهم.

وهذا يعطي إشارة للأطراف الأخرى بأن واشنطن تتعامل مع الموضوع كقضية أمنية لا مجرد مفاوضات عادية، كما يتضمن رسالة متعمّدة بأن “العسكر داخل الغرفة” لا في الخلفية.

كما يعني ظهور قائد “سنتكوم” بزيه الرسمي أمام الكاميرات أن القيادة العسكرية ليست فقط جهة استشارية خلف الستار، بل طرف مباشر في صياغة التفاهمات، أو قواعد اشتباك جديدة.

وتوظيف الزي العسكري هنا يبدو أداة ضغط وتذكير ضمني بأن خلف المفاوض الأمريكي قوة عسكرية جاهزة. وكذلك توجيه رسالة للخصوم والجمهور الداخلي والخارجي بأن الخيارات العسكرية قائمة إلى جانب المسار التفاوضي.

ومن الواضح أن واشنطن ترى هذه الرمزية مهمة، خصوصا حين يكون الطرف المقابل قوى مسلحة أو دولة تلوّح بالقوة، كما أن إشراك قائد القيادة المركزية في الجلسات الأولى يعني “أن ما يُتفق عليه قابل للتنفيذ عسكريا وليس مجرد نص سياسي”.

ويبعث ظهور قائد “سنتكوم” في مسقط رسالة لحلفاء واشنطن بأنها لن تنسحب عسكريا من المعادلة، وأن أي تفاهم مع إيران لن يكون على حساب أمنهم المباشر، لأن الجهة المسؤولة عن العمليات اليومية حاضرة.

الداخل الأمريكي

الصورة المهمة للجمهور في واشنطن تظهر أن وزارتي الحرب والخارجية الأمريكيتين تتحركان معا في هذا المسار، ما يمنح التفاوض شرعية داخلية أكبر. كما تعد جاهزة للاستخدام لاحقا في الكونغرس لتبرير أي اتفاق على أنه تمت مراجعته أمنيا وعسكريا.

وتتعمّد إدارة ترمب من خلال حضور قائد “سنتكوم” بالزي العسكري في مفاوضات مسقط توجيه رسالة غير مباشرة لجماعة الحوثيين في اليمن بأن الأمريكي الذي على الطاولة هو نفسه صاحب القرار في استهداف منصاتهم أو حماية السفن والقواعد، وبالتالي أي تفاهم أو تهدئة ليس كلاما سياسيا فقط بل اتفاق مع مَن يملك “زر التنفيذ”.

لا يبدو ظهور قائد “سنتكوم” على طاولة المباحثات في مسقط تفصيلا بروتوكوليا، بقدر ما هو إعلان بأن العسكر باتوا داخل غرفة التفاهمات، لا في هوامشها.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر − سبعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى