فانس في جنوب القوقاز: واشنطن تزاحم موسكو وتطوّق إيران بممر «ترامب» للتجارة والسلام

عرض نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس هذا الأسبوع على أرمينيا وأذربيجان حزمة من الاتفاقات التجارية والأمنية التي من شأنها تقليص اعتمادهما على موسكو والحد من نفوذ إيران المجاورة.

ميدل ايست نيوز: في خطوة لافتة في جنوب القوقاز، وهي منطقة لطالما اعتبرتها روسيا ضمن دائرة نفوذها، عرض نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس هذا الأسبوع على أرمينيا وأذربيجان حزمة من الاتفاقات التجارية والأمنية التي من شأنها تقليص اعتمادهما على موسكو والحد من نفوذ إيران المجاورة.

وحب تقرير لصحفية “واشنطن بوست” الأمريكية، خلال جولة استمرت يومين في يريفان وباكو — وهما عاصمتان لم يزرهما أي رئيس أو نائب رئيس أميركي في منصبه من قبل — روّج فانس لخطة إنشاء ممر نقل جديد يحوّل جزءاً مهملاً من سكك الحديد السوفياتية القديمة إلى ما يُعرف بـ«مسار ترامب للسلام والازدهار الدولي» (TRIPP)، وهو رابط تجاري بطول 26 ميلاً يمر عبر أرمينيا، ويصل أذربيجان بإقليم ناخيتشيفان وبتركيا، متجاوزاً روسيا وإيران.

وكان المشروع محور إطار سلام رعته واشنطن ووقّعه رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف في البيت الأبيض في أغسطس/آب، وهو الاتفاق الذي وصفه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه وضع نهاية لـ«حرب لا تنتهي» بين البلدين، اللذين خاضا صراعاً لعقود حول إقليم ناغورنو كاراباخ المتنازع عليه.

ورغم إشادة ترامب بالاتفاق بوصفه دليلاً على براعته في صنع السلام، فإن القتال كان قد انتهى فعلياً عام 2023 عقب عملية عسكرية حاسمة نفذتها أذربيجان واستسلام أرمينيا. وما يوضحه هذا الإطار بجلاء هو النظرة البراغماتية لترامب للدبلوماسية، واستعداده، في سياق تبنيه سياسة القوى العظمى على نمط القرن التاسع عشر، لاستخدام القوة الاقتصادية إلى جانب النفوذ العسكري لإقصاء المنافسين وجني ثمار النزاعات لصالح الولايات المتحدة.

وقال محمد محمدوف، المحلل في مركز توبتشوباشوف للأبحاث في باكو، إن زيارة فانس ربما قوّضت آمال موسكو في أن تحترم إدارة ترامب منطق مناطق النفوذ التقليدية على غرار يالطا، وأن تقرّ بسيطرة روسيا على محيطها المباشر.

وأضاف: «الزيارات الرفيعة المستوى لفانس إلى أرمينيا وأذربيجان تناقض هذا المنطق، وتؤكد احتدام المنافسة بين القوى الكبرى حول ترابط المنطقة ومواردها الاستراتيجية».

من جهته، رأى جوشوا كوسيرا، المحلل البارز في مجموعة الأزمات الدولية، أن دافع ترامب الأساسي على الأرجح هو حصد إنجازات في مجال صنع السلام أكثر من تهميش روسيا.

وقال: «كان هذا ثمرة سهلة لصنع السلام، وسيناريو مثالياً لمساعي ترامب لنيل جائزة نوبل للسلام، أما التداعيات الجيوسياسية فهي أولوية ثانوية». وأضاف أن «روسيا وإيران أعربتا عن قلقهما إزاء مشروع ممر ترامب (TRIPP)، لكن العاصمتين تدركان أيضاً أن قدرتهما على عرقلته، حتى لو أرادتا ذلك، محدودة».

ومع ذلك، فإن التداعيات السياسية والاقتصادية لا يمكن تجاهلها.

وكما دفع ترامب نحو اتفاقات اقتصادية وصفقات معادن في أوكرانيا، يضع مشروع TRIPP الولايات المتحدة في قلب مسار تجاري جديد سيمتد شرقاً إلى ما بعد أذربيجان وصولاً إلى آسيا الوسطى. وسيُبنى المشروع ويُدار من قبل شركة خاضعة للسيطرة الأميركية، كما أنه يتجاوز اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2020 الذي رعته موسكو ونص على إشراف روسيا على ممر نقل معاد فتحه.

وقد يسهم الدور الأميركي المتزايد في المنطقة أيضاً في احتواء إيران في لحظة تتسم بتوترات ومفاوضات حساسة مع طهران بشأن مستقبل برنامجها النووي.

راقبت موسكو زيارة فانس، لكنها لم تستطع سوى المتابعة. فالحرب المستنزِفة التي يخوضها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا استنزفت كثيراً من الموارد السياسية والمالية اللازمة للحفاظ على الهيمنة في الفضاء السوفياتي السابق، فيما يتجه قادة المنطقة إلى بناء تحالفات بديلة.

وحاولت روسيا الانضمام إلى مشروع TRIPP أواخر العام الماضي، مستندة إلى دورها في إدارة شبكة السكك الحديدية الأرمينية عبر شركة تابعة للسكك الحديدية الروسية. غير أن أرمينيا رفضت المشاركة الروسية، موضحة أنها لا تسعى إلى استبعاد موسكو، التي قد تستفيد أيضاً من إعادة فتح الطرق المغلقة منذ زمن، لكن الاتفاق مع الولايات المتحدة لا يتصور وجود أطراف إضافية.

وكتب الصحافي الروسي مكسيم يوسين في مقال بصحيفة «كوميرسانت» أن «ليس من الصعب تخمين المشاعر التي يثيرها النشاط الأميركي في جنوب القوقاز لدى كثيرين في موسكو: خيبة أمل، إحباط، وشعور بالعجز». وأضاف أن «موقع روسيا في هذه المنطقة، وفي علاقاتها مع يريفان وباكو، تراجع بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، والسبب واضح: الانشغال المفرط بالحرب الأوكرانية قيّد حركتها في كل الساحات الأخرى».

وبسبب الحرب الطويلة حول ناغورنو كاراباخ، لم يزر أي رئيس أو نائب رئيس أميركي أرمينيا أو أذربيجان قبل زيارة فانس هذا الأسبوع.

ففي يريفان، وقّع فانس اتفاقات اقتصادية واستراتيجية مع باشينيان، شملت صفقة تتيح للولايات المتحدة ترخيص تكنولوجيا ومعدات نووية لأرمينيا، التي اعتمدت طويلاً على روسيا وإيران في مجال الطاقة. وتدرس البلاد حالياً عروضاً من شركات أميركية وروسية وصينية وفرنسية وكورية جنوبية لبناء مفاعل نووي جديد بديلاً عن محطتها الوحيدة التي شيدتها روسيا. وتشمل الصفقة الأميركية صادرات أولية تصل إلى 5 مليارات دولار، إضافة إلى 4 مليارات أخرى لعقود الوقود والصيانة.

وقال باشينيان في مؤتمر صحافي مشترك: «سيفتح هذا الاتفاق فصلاً جديداً في تعميق الشراكة في مجال الطاقة بين أرمينيا والولايات المتحدة».

وفي اليوم التالي في أذربيجان، وقّع فانس شراكة استراتيجية مع علييف، تعهّد بموجبها بتقديم عدد غير معلن من السفن للمساعدة في حماية المياه الإقليمية. وقال علييف إن البلدين يدخلان «مرحلة جديدة بالكامل» من التعاون في مجالات مبيعات الدفاع والذكاء الاصطناعي.

وتتيح الشراكات مع واشنطن لأذربيجان، التي تربطها علاقات استراتيجية وثيقة بإسرائيل، أن تتموضع كحليف صديق للغرب بين روسيا وإيران.

وعلى الرغم من الطابع التاريخي لزيارة فانس، سرعان ما تداخلت مع التاريخ الدموي المعقد للمنطقة. فقد نشر حساب فانس على منصة «إكس» رسالة يعترف فيها بإبادة الأرمن عام 1915 خلال مراسم وضع إكليل في يريفان، قبل أن تُحذف الرسالة لاحقاً، ما أثار غضب الجاليات الأرمنية في الولايات المتحدة.

وكان من شأن هذا الاعتراف أن يثير غضب تركيا، حليف الولايات المتحدة في الناتو وأهم شريك عسكري لأذربيجان، إذ لا تعترف أنقرة بالمجازر التي وقعت خلال الحرب العالمية الأولى كإبادة جماعية، وهو ما غذّى التوتر بين البلدين لعقود. ولا يزال الحدود البرية بين أرمينيا وتركيا مغلقة منذ عام 1993.

وقد أعاد حماس ترامب لعقد الصفقات التجارية، ولا سيما في قطاع المعادن، إحياء الاهتمام الأميركي بآسيا الوسطى، وهي منطقة أخرى تعدها روسيا ضمن مجال نفوذها، فيما تُعد الصين المنافس الرئيسي هناك. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، استضاف ترامب قادة كازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان في واشنطن، معلناً سلسلة من الاتفاقات.

وسلّطت زيارة فانس الضوء على إعادة اصطفاف كبرى في جنوب القوقاز. فجورجيا، التي كانت من أكثر الدول السوفياتية السابقة ميلاً إلى الغرب، تراجعت نحو موسكو، ما أنهى عملياً سعيها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

وفي المقابل، تراجعت مكانة روسيا لدى كل من أذربيجان وأرمينيا، خصوصاً بعد الحرب الثانية في ناغورنو كاراباخ. فقد فشلت موسكو في تنفيذ اتفاق السلام الذي رعته عام 2020، وفي 2023 استعادت أذربيجان الإقليم بعملية خاطفة، ما دفع أكثر من 100 ألف أرمني إلى الفرار من ديارهم.

وأحست أرمينيا، التي اعتمدت طويلاً على روسيا في أمنها، بأنها تُركت وحيدة، فابتعدت عن موسكو. أما أذربيجان، فاستغلت ثروتها النفطية وانشغال روسيا في أوكرانيا لتحدي هيمنة موسكو وتعميق تحالفها مع تركيا، التي وفرت لها دعماً دبلوماسياً وتعاوناً عسكرياً وأمنياً مستمراً، إلى جانب تمرير خطوط أنابيب نفط وغاز عبر الأراضي التركية لتقليص الاعتماد الاقتصادي على روسيا.

وتدهورت العلاقات بين باكو وموسكو بشدة في ديسمبر/كانون الأول 2024، عندما تحطمت طائرة ركاب أذربيجانية في كازاخستان، ما أسفر عن مقتل 38 شخصاً، بعد تحويل مسارها من غروزني أثناء تصدي الدفاعات الجوية الروسية لطائرة مسيّرة قريبة. وطالب علييف روسيا بالاعتراف بالمسؤولية ودفع تعويضات، فيما اكتفى بوتين بالاعتذار عن «حادث مأساوي» دون الإقرار بالمسؤولية، ما زاد التوتر.

وبعد قرابة عام، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، قدّم بوتين اعتذاراً آخر وعرض تعويض عائلات الضحايا، لكن العلاقات بقيت متوترة.

ورغم تمكن أذربيجان من تنويع بعض شراكاتها الاقتصادية، لا تزال روسيا المورّد الرئيسي لطاقة أرمينيا وأكبر شريك تصديري لها، ما يبقي يريفان شديدة الاعتماد على موسكو.

ومع انتهاء الصراع حول كاراباخ، تحوّل الاهتمام إلى شريط استراتيجي من الأراضي في مقاطعة سيونيك الأرمينية، الذي تسميه أذربيجان «ممر زنغزور»، وهو حلقة مفقودة في مسار شرقي–غربي أطول يُعرف بـ«الممر الأوسط»، قد يربط الصين وآسيا الوسطى بتركيا عبر أذربيجان.

وهنا، إذا تحقق ممر TRIPP، فقد يعيد تشكيل حركة التجارة بربط آسيا مباشرة بالأسواق الأوروبية وتجاوز روسيا وإيران، فاتحاً قنوات جديدة لوصول الموارد إلى المشترين الغربيين.

وختم محمدوف بالقول: «لكن ذلك سيعتمد على عمق واستدامة الالتزام المالي والجيوسياسي الأميركي في مناطق لا تزال الصين وروسيا اللاعبَين المهيمنين فيها».

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة عشر − عشرة =

زر الذهاب إلى الأعلى