لماذا أزالت «إكس» العلامة الزرقاء عن حسابات شخصيات إيرانية بارزة؟

تعكس هذه القضية حقيقة واضحة في العالم الرقمي؛ فالمنصات الرقمية لم تعد محايدة، بل باتت منسجمة تماماً مع السياسات المالية والأمنية لدولها.

ميدل ايست نيوز: كشف حذف علامة التوثيق الزرقاء من حسابات مسؤولين إيرانيين على منصة «إكس» حقيقة باردة في الفضاء الرقمي؛ إذ لم تعد المنصات الرقمية «مساحات محايدة»، بل باتت منسجمة بالكامل مع السياسات المالية والأمنية للدول التي تنتمي إليها.

إن الحدود بين السياسة والتجارة في العالم الحديث رفيعة للغاية، ولا سيما في الفضاء الافتراضي وشبكات التواصل الاجتماعي. غير أن الإزالة المفاجئة لعلامة التوثيق من حسابات شخصيات بارزة مثل عباس عراقجي، وغلام حسين محسني إيجئي، ومحمد باقر قاليباف وعلي لاريجاني، تتجاوز مجرد تغيير شكلي في مظهر ملفاتهم الشخصية، لتعكس تعقيدات قانونية وضغوطاً سياسية في عصر إيلون ماسك.

ولا تعود جذور هذا الإجراء إلى بيان سياسي حاد، بل إلى تغيير نموذج الإيرادات في شبكة «إكس». فبعد أن كانت العلامة الزرقاء رمزاً للتحقق من الهوية وتُمنح مجاناً للشخصيات المعروفة، حوّلها إيلون ماسك إلى جزء من خدمة X Premium، ما جعلها عملياً «سلعة» مدفوعة.

هذا التحول الذي بدا بسيطاً في ظاهره، أوجد فخاً قانونياً كبيراً؛ فوفقاً لقوانين وزارة الخزانة الأمريكية (OFAC)، لا يحق لأي شركة أمريكية تلقي أموال من أفراد أو كيانات خاضعة للعقوبات أو تقديم خدمات تجارية لهم. وعندما ظهرت تقارير تفيد بأن مسؤولين إيرانيين خاضعين للعقوبات كانوا يستخدمون خدمات «إكس» المدفوعة مقابل اشتراك مالي، لم تجد الشبكة خياراً سوى إزالة علامات التوثيق وقطع الوصول إلى الميزات التجارية لتلك الحسابات، تفادياً لغرامات باهظة واتهامات بـ«انتهاك العقوبات».

سوابق مشابهة؛ سيف ذو حدين للجميع

ليست إيران الدولة الوحيدة التي واجهت هذا النوع من «التصفية الرقمية». ففي السنوات الأخيرة، اتخذت شبكة «إكس» (وتويتر سابقاً) إجراءات مماثلة بحق مسؤولين في دول أخرى. فعقب اندلاع الحرب في أوكرانيا، فقد العديد من المسؤولين ووسائل الإعلام الحكومية الروسية علاماتهم الزرقاء والذهبية، أو وُضعت على حساباتهم ملصقات تقييدية هدفت إلى تقليص تأثيرهم في الفضاء الدولي.

كما أقدمت «إكس» على حذف العلامة الزرقاء من حسابات بعض أعضاء حركة طالبان، الذين كانوا قد اشتروا التوثيق بعد عودة الحركة إلى السلطة في أفغانستان، وذلك لتجنب اتهامات تتعلق بتقديم دعم مالي لكيانات خاضعة للعقوبات.

وفي فنزويلا أيضاً، سُجلت سوابق مماثلة، حيث واجهت حسابات الرئيس نيكولاس مادورو ووزرائه مراراً قيوداً مشابهة أو إزالة علامات التوثيق لأسباب قانونية وسياسية.

الدبلوماسية في ظل «الصمت الخوارزمي»

بالنسبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، يحمل هذا التطور بعداً عملياً أكثر من كونه مسألة اعتبارية. فإزالة العلامة الزرقاء تعني فقدان مزايا «بريميوم»، أي عدم القدرة على نشر مقاطع فيديو طويلة، وتراجع أولوية المحتوى في نتائج البحث، والأهم، زيادة هشاشة الهوية الرسمية أمام الحسابات المزيفة.

وعلى المدى المتوسط، قد يؤدي ذلك إلى إرباك «الدبلوماسية الرقمية» الإيرانية التي سعت إلى استخدام منصة «إكس» لتجاوز الإعلام الغربي التقليدي والتواصل مباشرة مع الرأي العام العالمي.

نهاية زمن الاستثناءات

تعكس هذه القضية حقيقة واضحة في العالم الرقمي؛ فالمنصات الرقمية لم تعد محايدة، بل باتت منسجمة تماماً مع السياسات المالية والأمنية لدولها.حمل حذف علامات التوثيق عن حسابات المسؤولين الإيرانيين رسالة صريحة: في العالم الرقمي الجديد، حتى لو كانت هويتك معروفة للجميع، فإن وجود اسمك على القوائم السوداء المالية يحرمك من حقوق «المواطنة» في هذه القرية العالمية. ليس هذا إجراءً رمزياً، بل تطبيقاً دقيقاً لبروتوكولات مالية بلباس شبكة اجتماعية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 − 6 =

زر الذهاب إلى الأعلى