الصحافة الإيرانية: ثنائية الاتفاق أو المواجهة على طاولة المفاوضات
يعكس هذا التذبذب في الرسائل جزءاً من ديناميكيات السياسة الداخلية الأمريكية، حيث يتزامن إظهار الحزم تجاه إيران مع الحاجة لتحقيق مكسب دبلوماسي ملموس.

ميدل ايست نيوز: قررت أوروبا مجدداً أن تتحول إلى نقطة التقاء بين الدبلوماسية والقوة الصلبة، حيث من المقرر أن تستضيف جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن. وتأتي هذه المحادثات في وقت تتسم فيه الأجواء المحيطة بها بتهديدات عسكرية، وتعبئة جديدة للقوات الأمريكية في المنطقة، وتصريحات حادة من البيت الأبيض.
في هذه الظروف، لا يتمحور السؤال الأساسي حول إمكانية التوصل إلى اتفاق فحسب، بل حول العلاقة بين «الدبلوماسية» و«الردع» في حسابات الطرفين؛ علاقة تحدد ما إذا كانت أوروبا ستصبح منصة لاحتواء الأزمة أم محطة لتصعيدها.
والآن، مع تأكيد المسؤولين الإيرانيين على أنه في حال تدخلت الولايات المتحدة مباشرة يمكن أن يتجاوز نطاق الرد حرباً ثنائية، أصبح خطر توسيع الأزمة أكبر من أي وقت مضى. وفي هذا السياق، ثمة تناقض آخر يستحق الانتباه: ففي حين يتحدث ترامب عن «عدم قبول أي مستوى من التخصيب»، كان التخصيب المحدود وتحت إشراف دولي مقبولاً في الأطر السابقة. وإذا اعتُبر هذا الموقف خطاً أحمر نهائياً من جانب الولايات المتحدة، فإن مساحة التوصل إلى اتفاق ستصبح ضيقة للغاية. ومن جهة أخرى، يشير تأكيده على أنه «إذا قدموا الاتفاق الصحيح، فلن نهاجم» إلى أن هناك نافذة ما للتوصل إلى صفقة. يعكس هذا التذبذب في الرسائل جزءاً من ديناميكيات السياسة الداخلية الأمريكية، حيث يتزامن إظهار الحزم تجاه إيران مع الحاجة لتحقيق مكسب دبلوماسي ملموس.
بداية النقاش حول التفاصيل
تلعب عمان دوراً خاصاً في هذا الإطار. فقد أثبتت مسقط خلال السنوات الماضية قدرتها على توفير قنوات سرية ومنخفضة التكلفة لتبادل الرسائل، والحفاظ على أجواء الحوار بعيداً عن ضغوط الإعلام. وإذا كان نقل الوثيقة المقترحة من وزير خارجية عمان إلى المسؤول الإيراني صحيحاً، فيمكن القول إن المفاوضات دخلت مرحلة النقاش حول التفاصيل والترتيبات التنفيذية؛ مرحلة تكتسب فيها الكلمات وآليات التحقق وضمان الالتزام أهمية حاسمة.
وتقول صحيفة شرق الإيرانية إن التحدي الرئيسي يكمن في تصميم اتفاق يكون ذا مغزى لطهران من حيث رفع العقوبات بشكل فعال، ولواشنطن من حيث التأكد من أن القيود الدائمة قابلة للدفاع عنها. وبدون آليات واضحة لتوقيت الالتزامات، وطرق التحقق، والضمانات القانونية، فإن أي اتفاق سيكون عرضة للتآكل السريع. وقد خلقت التجارب السابقة حالة تراكمية من عدم الثقة تتطلب تجاوزها ابتكارات خلاقة وواقعية.
في الأفق، هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة: الأول، اتفاق حد أدنى ومؤقت يهدف إلى وقف الخطوات التصعيدية وكسب الوقت. الثاني، اتفاق أوسع في إطار مشابه للاتفاقات السابقة مع تعديلات في مجال الرقابة والجداول الزمنية. الثالث، فشل الدبلوماسية ودخول دورة مواجهة قد تؤدي إلى تصادم محدود أو حتى واسع النطاق. كل سيناريو من هذه السيناريوهات يحمل تداعيات إقليمية ودولية خاصة به.
في النهاية، لا تُعد جنيف مجرد موقع لجولة مفاوضات، بل اختبار لمدى توازن العقلانية والاندفاع في السياسة الخارجية للطرفين. فإذا غلبت لغة التهديد على منطق الحوار، فإن حتى أكثر قنوات الوساطة فعالية ستفقد قدرتها على العمل. ومع ذلك، إذا تمكن الطرفان من تجاوز ثنائية «الاستسلام أو الحرب» والوصول إلى منطقة وسطية من التسوية الواقعية، فقد يكون من الممكن منع الانزلاق نحو أزمة شاملة. وكل شيء الآن يعتمد على أي منطق سيسيطر في جنيف؛ منطق القوة العارية أم منطق إدارة النزاع.



