هل يقبل دونالد ترامب باتفاق نووي مع إيران بلا بند صاروخي؟

لا يمكن إغفال أن استبعاد الملف الصاروخي من المفاوضات يحمل كلفة مرتفعة على الاقتصاد الإيراني. فالمستثمرون الأجانب والأسواق العالمية يربطون الاستقرار باتفاق مستدام.

ميدل ايست نيوز: رسم علي لاريجاني خطوطاً حمراء لا لبس فيها، واضعاً الإطار السياسي للمواجهة التفاوضية المقبلة. ففي مقابلة مع قناة الجزيرة، أكد أن إيران منفتحة على اتفاق نووي يبدد الهواجس الدولية، لكنها ترفض بشكل قاطع إدراج قدراتها الصاروخية في أي صفقة. بهذا التصريح، أعاد لاريجاني تعريف جوهر الخلاف مع واشنطن، كاشفاً العقدة البنيوية في مسار التفاوض، وطارحاً السؤال الحاسم: هل يستطيع دونالد ترامب القبول باتفاق نووي منزوع البند الصاروخي، أم أن هذا الشرط سيبقى نقطة الكسر التي تُفشل أي تسوية محتملة؟

وحسب تقرير لموقع رويداد24 الإيراني كشفت التصريحات الأخيرة لعلي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، مجدداً جوهر العقدة وربما «الانسداد الاستراتيجي» في العلاقات بين طهران وواشنطن. وبحسّ دبلوماسي دقيق، لكن بحزم يوحي بإجماع سيادي، رسم لاريجاني خطاً فاصلاً بين «الطاولة النووية» و«القدرة الصاروخية». وفيما تحدث عن الاستعداد للتوصل إلى اتفاق يضمن «عدم الانحراف نحو السلاح النووي»، اعتبر البرنامج الصاروخي خطاً أحمر غير قابل للتجاوز. غير أن السؤال الجوهري يبقى: في عالم تمثله نسخة ترامب لعام 2026، هل يمكن فعلاً فصل هذين المستويين من القوة الوطنية الإيرانية؟

مفارقة الصواريخ والتفاوض

ترى واشنطن، ولا سيما الأجنحة المتشددة والوسطية في الكونغرس، أن الفصل بين البرنامج النووي والقدرة الصاروخية الإيرانية كان خطأً حسابياً في عهد أوباما لا ينبغي تكراره. وتؤكد وسائل إعلام مثل وول ستريت جورنال وفورن بوليسي في تحليلات حديثة أن الصواريخ، من وجهة نظر الاستراتيجيين الغربيين، لا تقل أهمية عن اليورانيوم. ويعتقد هؤلاء أن أي اتفاق لا يقيّد النفوذ الإقليمي لإيران ومدى صواريخها يمنح طهران فرصة لتعزيز ترسانتها تحت مظلة الاستقرار الاقتصادي الناتج عن رفع العقوبات.

في المقابل، تنظر إيران إلى برنامجها الصاروخي بوصفه أداة الردع الوحيدة في منطقة تسلح خصومها بأحدث المقاتلات الغربية. ومن منظور طهران، فإن تقليص القدرة الصاروخية يعني نزع سلاح طوعي في مواجهة تهديدات محيطة. وإذ أشار لاريجاني إلى أن الملف الصاروخي يندرج ضمن الأمن القومي، فقد بعث برسالة مفادها أن إيران مستعدة للحوار بشأن كيفية استخدام التكنولوجيا النووية، لكنها لن تساوم على أدواتها الدفاعية، أي البرنامج الصاروخي.

اتفاق كبير أم ضغط أقصى؟

يتقاطع هذا التحدي مع شخصية دونالد ترامب غير المتوقعة. فقد أعلن ترامب مراراً أنه يسعى إلى اتفاق شامل لا يكتفي بإيقاف أجهزة الطرد المركزي، بل يحد أيضاً من مدى الصواريخ الباليستية الإيرانية. ومع ذلك، يرى محللون في وسائل إعلام مثل الغارديان أن ترامب في مرحلته الجديدة يسعى إلى «نصر رمزي» أكثر من سعيه لتغيير النظام. وبناء على ذلك، إذا تمكنت إيران من إقناع ترامب بأن أمن إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة الإقليميين يمكن ضمانه بوسائل أخرى، كالتفاهمات الإقليمية أو القيود الطوعية على مدى الصواريخ من دون تفكيكها، فقد يتاح هامش للحركة. أما إذا أصرت واشنطن على التخصيب الصفري وإلغاء البرنامج الصاروخي بالكامل، فبحسب لاريجاني لن تنطلق المفاوضات. وعندها ستؤول الأمور إلى العودة لدورة الاستنزاف بين الضغط الأقصى والمقاومة القصوى، حيث يتحمل الطرفان كلفاً باهظة من دون بلوغ نتائج ملموسة.

ما السيناريوهات المطروحة؟

إذا سلّم بأن إيران لن تضع برنامجها الصاروخي على طاولة تفاوض رسمية تحت أي ظرف، فثمة سيناريوان محتملان. الأول هو الانسداد والتجميد، حيث يؤدي إصرار الولايات المتحدة على إدراج بنود صاروخية في الاتفاق إلى فشل المفاوضات النووية. في هذه الحالة، قد تحافظ إيران على مستوى تخصيبها الحالي أو ترفعه كورقة ضغط، بينما تتجه الولايات المتحدة إلى تشديد الخناق على العائدات النفطية. وستكون النتيجة ارتفاع مخاطر الانزلاق إلى مواجهة عسكرية في المنطقة.

أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر واقعية، فيقوم على الفصل الموضوعي والتدرج. وفق هذا المسار، يتفق الطرفان على برنامج نووي محدود مقابل انفتاح اقتصادي محدود، مع إحالة الملف الصاروخي إلى حوارات إقليمية. وبهذا، تدخل إيران في ترتيبات أمنية مع جيرانها، بما في ذلك السعودية والإمارات، بهدف خفض الحساسية الصاروخية عبر التهدئة الدبلوماسية، بدلاً من مقايضتها مباشرة مع واشنطن.

ما صفات الاتفاق القابل للاستمرار؟

لا يمكن إغفال أن استبعاد الملف الصاروخي من المفاوضات يحمل كلفة مرتفعة على الاقتصاد الإيراني. فالمستثمرون الأجانب والأسواق العالمية يربطون الاستقرار باتفاق مستدام. ومن دون حسم ملف الصواريخ والنفوذ الإقليمي، سيظل شبح العقوبات غير النووية، المرتبطة بحقوق الإنسان والإرهاب، مخيماً على الاقتصاد الإيراني حتى لو جرى التوصل إلى اتفاق نووي مؤقت. ومع ذلك، تسود في إيران قناعة سيادية بأن كلفة التنازل تفوق كلفة الصمود.

يلمح لاريجاني بذكاء إلى أن ترامب نفسه أعلن معارضته للسلاح النووي، وهو موقف تشترك فيه إيران. ويعني ذلك أن طهران تسعى إلى حصر ساحة النقاش في «الأمن النووي» لتفادي الدخول في متاهات نزع السلاح التقليدي.

في المحصلة، تبدو احتمالات التفاوض المباشر والرسمي حول طبيعة البرنامج الصاروخي الإيراني شبه معدومة. فلن تسمح أي حكومة في طهران بتحويل القلب النابض للدفاع الوطني إلى بند في صفقة سياسية. غير أن المرجح هو نشوء نوع من «التفاهم غير المعلن» أو «ضبط النفس المتبادل».

الاتفاق القابل للبقاء هو ذلك الذي تقبل فيه إيران قيوداً فنية في المجال النووي، مقابل اعتراف غربي بحقها الدفاعي، والسعي إلى إدارة التوترات الإقليمية بدلاً من إلغاء الصواريخ. وإذا حاولت الولايات المتحدة جمع كل شيء دفعة واحدة، فالأرجح أنها لن تنال شيئاً، وستغرق المنطقة مجدداً في أتون عدم اليقين.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة + عشرين =

زر الذهاب إلى الأعلى