الصين والنفط الإيراني: مكاسب الخصم ومخاطر الاعتماد

تُظهر تجربة السنوات الأخيرة أن النفط الرخيص لا يعوض الاستقرار طويل الأمد، ما يفرض على الصين إقامة توازن جديد بين الاستفادة من خصومات النفط الخاضع للعقوبات والحاجة إلى تنويع مستدام لمصادر الطاقة.

ميدل ايست نيوز: ترسّخ الصين بصفتها أكبر مستورد للنفط الخام في العالم موقعها لاعبًا محوريًا لا يقتصر دوره على الاستهلاك في سوق الطاقة العالمية، فهي لم تعد تؤثر في اتجاهات الطلب فحسب، بل باتت طرفًا حاسمًا في معادلات الجغرافيا السياسية للطاقة، ولا سيما في ما يتعلق بالدول الخاضعة للعقوبات مثل فنزويلا وروسيا وإيران. ومع تضييق العقوبات الأميركية الخناق على قاعدة المشترين الرسميين للنفط الإيراني، تحولت بكين إلى الركيزة الأساسية لصادرات طهران، مستوعبة الحصة الأكبر من تدفقها النفطي. وقد أتاح هذا التموضع للصين مكاسب اقتصادية واضحة، لكنه في المقابل عمّق انكشافها الاستراتيجي وأدخل أمنها الطاقوي في دائرة مخاطر أكثر تعقيدًا.

أفضت عودة العقوبات الأميركية في عام 2018 إلى تراجع تدريجي لصادرات النفط الإيراني من أسواقها التقليدية في أوروبا وشرق آسيا، ولم يبقَ سوى عدد محدود من المشترين المستعدين لمواصلة التعاون. وهنا تحولت الصين، بفضل ثقلها الاقتصادي وحاجتها المتزايدة إلى الطاقة ونهجها الأكثر استقلالًا تجاه العقوبات الأحادية الأميركية، إلى الوجهة الرئيسية للنفط الإيراني. تشير تقديرات مؤسسة كبلر التي تتعقب ناقلات النفط إلى أن الصين اشترت في عام 2025 أكثر من 80% من صادرات إيران النفطية؛ وهو رقم يعكس عمق اعتماد بكين على تدفق النفط الإيراني. وبلغ متوسط واردات الصين من النفط الإيراني خلال ذلك العام نحو مليون و380 ألف برميل يوميًا، أي ما يعادل قرابة 13% من إجمالي وارداتها البحرية من النفط الخام، التي تقترب من 10 ملايين برميل يوميًا. ورفع هذا الحجم الكبير مكانة النفط الإيراني في معادلات الطاقة الصينية من مصدر هامشي إلى نقطة اختناق غير معلنة.

سلسلة إمداد الطاقة في الصين

على ضوء ما سبق، يتضح أن أي اضطراب في صادرات النفط الإيراني، سواء نتيجة تصاعد التوترات في الشرق الأوسط والخليج أو بسبب تشديد العقوبات الأميركية، يمكن أن يفرض ضغوطًا مباشرة على جزء من سلسلة إمداد الطاقة في الصين. وتزداد أهمية هذا العامل إذا ما أُخذ في الاعتبار أن الصين تُعد في الوقت نفسه مستوردًا رئيسيًا للنفط من روسيا وفنزويلا، وهما دولتان تواجهان بدورهما قيودًا عقابية ومخاطر جيوسياسية. وقد أسهم التركيز المتزايد على النفط الخاضع للعقوبات في خفض تكاليف الاستيراد، لكنه جعل سلة الطاقة الصينية أكثر عرضة للصدمات السياسية والأمنية.

ويظل عامل السعر المحرك الأساسي لهذه المعادلة. فبسبب العقوبات وقيود البيع، يُتداول النفط الإيراني بخصومات مقارنة بالمؤشرات العالمية. ووفقًا لمتعاملين في السوق، يُباع نفط «إيران لايت» منذ ديسمبر بخصم يناهز 8 دولارات للبرميل مقارنة بخام برنت عند التسليم إلى الصين، في حين كان الخصم في سبتمبر نحو 6 دولارات. يعني ذلك أن المصافي الصينية تستطيع، عبر استبدال النفط الإيراني بخامات مثل عُمان أو بعض الخامات الأفريقية، توفير ما يصل إلى 8 دولارات في كل برميل. وعلى أساس سنوي ولملايين البراميل، تتحول هذه الخصومات إلى وفورات بمليارات الدولارات للاقتصاد الصيني؛ وهي ميزة اكتسبت أهمية مضاعفة في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي والضغوط التضخمية الداخلية.

وتُعد المصافي المستقلة المعروفة باسم تي بوت أو «أباريق الشاي»، المتركزة أساسًا في مقاطعة شاندونغ، أبرز مشترٍ للنفط الإيراني في الصين. وتمتلك هذه المصافي نحو ربع الطاقة التكريرية في البلاد، لكنها تعمل بهوامش ربح محدودة، بل تسجل أحيانًا خسائر تشغيلية. وبالنسبة إليها، لا يُعد الوصول إلى خام رخيص ميزة إضافية، بل ضرورة حيوية لاستمرار النشاط.

المكانة الراسخة للنفط الإيراني

يلبي النفط الإيراني، بفضل خصوماته المرتفعة، هذه الحاجة تحديدًا، ما أكسبه موقعًا ثابتًا في مزيج الخامات التي تعتمد عليها مصافي «تي بوت». في المقابل، تراجعت الشركات النفطية الحكومية الكبرى في الصين، مثل سينوبك وCNPC، تدريجيًا عن شراء النفط الإيراني مباشرة بعد عامي 2018 و2019. وبحكم حضورها الواسع في الأسواق المالية العالمية وتعاملها مع شركات دولية وحاجتها إلى التمويل الخارجي، تُبدي هذه الشركات حذرًا أكبر من مخاطر العقوبات الثانوية الأميركية. نتيجة لذلك، انتقلت ساحة شراء النفط الإيراني عمليًا إلى المصافي المستقلة، التي تتمتع بمرونة أعلى لكنها أقل قدرة ماليًا وسياسيًا على امتصاص الصدمات المفاجئة.

ولا يعود ارتفاع خصومات النفط الإيراني في الأشهر الأخيرة إلى اعتبارات السوق فحسب، بل يرتبط أيضًا بوضع العرض. ووفق بيانات كبلر، تحتفظ إيران بكميات غير مسبوقة من النفط في المخازن البرية والناقلات العائمة، تعادل نحو 50 يومًا من الإنتاج. وأسهم تباطؤ وتيرة الشراء من جانب الصين في بعض الفترات، إلى جانب سعي طهران إلى خفض مخاطر احتجاز الشحنات أو تعرضها لهجمات محتملة، في تراكم هذه المخزونات.

وأدى هذا الوضع بطبيعته إلى زيادة الضغوط للبيع ومن ثم تقديم خصومات أكبر؛ وهي خصومات عززت الجاذبية الاقتصادية للنفط الإيراني لدى المصافي الصينية، لكنها قلصت في الوقت ذاته هامش الإيرادات الإيرانية. وعلى الرغم من هذه الميزة السعرية، ما تزال العقوبات الأميركية تؤدي دورًا رادعًا. فلم تكتفِ واشنطن بالإبقاء على العقوبات السابقة المفروضة على صادرات النفط الإيرانية، بل فرضت خلال الولاية الجديدة للرئيس دونالد ترامب عدة حزم عقابية إضافية استهدفت شبكات النقل وشركات الوساطة وحتى بعض المصافي المشترية للنفط الإيراني. شملت قائمة العقوبات ثلاث مصافٍ صينية مستقلة، في خطوة أدت، بحسب مصادر تجارية، إلى تراجع ملحوظ في مشتريات بعض المصافي المتوسطة من النفط الإيراني. ودفع القلق من الإدراج على لوائح العقوبات بعض مصافي «تي بوت» إلى تبني نهج أكثر حذرًا، رغم استمرار التدفق العام للواردات.

تجارة مشروعة

لم يتغير الموقف الرسمي للحكومة الصينية إزاء هذه الضغوط بصورة كبيرة. فبكين لا تعترف بالعقوبات الأحادية الأميركية وتعتبر تجارتها الطاقوية مع إيران «مشروعة». مع ذلك، تكشف آليات تنفيذ هذه التجارة أن لدى الصين حساباتها الخاصة؛ إذ يُسجل النفط الإيراني الواصل إلى السوق الصينية، في كثير من الحالات، على أنه قادم من دول ثالثة. ولهذا تعكس البيانات الجمركية الصينية خلال السنوات الأخيرة صورة محدودة عن الواردات المباشرة من إيران، رغم أن التقديرات المستقلة تشير إلى استمرار تدفق النفط الإيراني إلى الصين.

في المحصلة، ترسم علاقة الصين بالنفط الإيراني صورة مزدوجة تجمع بين الفرصة والمخاطر. فمن جهة، مكّن شراء النفط الخاضع للعقوبات من إيران وروسيا وفنزويلا بكين من خفض تكاليف استيراد الطاقة بصورة ملموسة وتخفيف جزء من الضغوط الاقتصادية الداخلية. ومن جهة أخرى، أدى التركيز على مصادر شديدة التعرض للعقوبات والتوترات الجيوسياسية والمخاطر الأمنية إلى جعل أمن الطاقة الصيني أكثر هشاشة أمام الصدمات المفاجئة. وفي سوق يمكن لأدنى توتر في الشرق الأوسط أن يعطل مسار صادرات النفط الإيراني، قد تتحول هذه المعادلة إلى نقطة ضعف استراتيجية لبكين. تُظهر تجربة السنوات الأخيرة أن النفط الرخيص، رغم جاذبيته، لا يعوض الاستقرار طويل الأمد، ما يفرض على الصين إقامة توازن جديد بين الاستفادة من خصومات النفط الخاضع للعقوبات والحاجة إلى تنويع مستدام لمصادر الطاقة؛ وهو توازن سيحدد أيضًا مستقبل دور إيران في مزيج الطاقة الصيني.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى