عاصفة تضخم قاسية: قلق من صعود أسعار النفط والسلع بسبب الحرب
جاءت الحرب بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لتهدد الاقتصادات المأزومة أساساً بموجة جديدة من التضخم

ميدل ايست نيوز: تتراكم آثار الصدمات في بنية الاقتصاد العالمي. بعد كورونا، والغزو الروسي لأوكرانيا وتعرفات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجمركية، جاءت الحرب بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لتهدد الاقتصادات المأزومة أساساً بموجة جديدة من التضخم، وقلق إضافي حول التشديد النقدي بدأ يطرق أبواب البنوك المركزية.
فقد أغلقت إيران مضيق هرمز أمام ملايين الأطنان من البضائع العالقة، وأمام أكثر من خُمس إمدادات النفط والغاز، فيما تستهدف طهران مرافق أمريكية في دول الخليج، ما يعني أنه من المتوقع أن أزمة الإمدادات ستطول، وسترفع معها أسعار السلع والخدمات في الدول المستوردة للنفط والغاز من دول الخليج، وفي الدول الأخرى كذلك التي ستتنافس على المعروض المنقوص في الأسواق.
يأتي ذلك فيما شركات التأمين تلغي تغطيتها، وأقساط الشحن ترتفع بشكل حاد، كما أن إغلاق المجال الجوي الخليجي يعطل ممرات الطيران والشحن الجوي بين أوروبا وآسيا.
وبطبيعة الحال، فإن استمرار الحرب لفترة طويلة سيُشكّل عبئاً كبيراً على التجارة العالمية، التي لم تستوعب بعد صدمات الرسوم الجمركية الأميركية، وسيرفع تكاليف المستهلكين والشركات، مما يقلل من القدرة الشرائية ويؤثر سلباً على النمو وأسعار النقل، ما يضرب مباشرة كل أسعار السلع ويصعد بمستويات التضخم.
ويمر حوالي 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية عبر مضيق هرمز، وكذا حوالي 30% من شحن الحاويات. وتنتج إيران حوالي 4 ملايين برميل يومياً من النفط الخام والسوائل الأخرى، أي ما يقارب 4% من الإنتاج العالمي للنفط. وواصل سعر النفط ارتفاعه أمس الأربعاء ليسجل 82.31 دولاراً للبرميل ظهراً، ووفق “بلومبيرغ” فإن إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة سيرفع أسعار النفط إلى حوالي 108 دولارات للبرميل.
وفي سيناريو متطرف، تفترض بلومبيرغ إيكونوميكس أن الأسعار ستبقى عند هذا المستوى المرتفع حتى الربع الأخير من العام. وفي حال طال أمد إغلاق مضيق هرمز إلى شهر، قد يرتفع سعر خام برنت إلى 113 دولاراً للبرميل، بحسب تحليلات ويستباك إنستيتيوشنال بنك الأسترالي، وقد يؤدي انقطاع الإمدادات لمدة ثلاثة أشهر أو أكثر إلى كارثة ارتفاع سعر خام برنت إلى 185 دولاراً للبرميل.
أما بحسب مذكرة لغولدمان ساكس، فإن اضطرابات الإنتاج في إيران قد تؤدي لانقطاع الإمدادات بمقدار مليون برميل يومياً لمدة 12 شهراً ما يرفع سعر النفط بمقدار 8 دولارات للبرميل. وقد يؤدي إغلاق مضيق هرمز بالكامل لمدة شهر إلى زيادة القيمة العادلة للنفط بمقدار 15 دولاراً للبرميل، أو 12 دولاراً للبرميل مع وجود خطوط أنابيب احتياطية، أو 10 دولارات للبرميل مع إطلاق احتياطيات النفط الاستراتيجية.
كلما طال أمد الانقطاع واشتدت حدته، زادت التكلفة الحقيقية على الاقتصاد العالمي وتأثرت معنويات المستثمرين. كما أن مخزونات النفط والغاز الطبيعي المسال لدى القطاعين العام والخاص محدودة، والحلول البديلة لتأمين الإمدادات محدودة أيضاً. ويطيل الاستهدافات أمد التكلفة على الاقتصاد الحقيقي والأسواق المالية من خلال ارتفاع أسعار النفط ومشتقات الطاقة وكذا المنتجات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الأسمدة، ما يمهد لأزمة في الإنتاج الزراعي والحيواني مع تصاعد كلفة الإنتاج.
ويؤدي ارتفاع التضخم إلى انخفاض الدخل الحقيقي المتاح للأسر، مما يؤثر سلباً على الاستهلاك، بينما يؤدي ارتفاع تكاليف المدخلات إلى إضعاف الاستثمار. ويتراجع الطلب الخارجي مع تباطؤ النمو العالمي، مما يؤثر سلباً على الصادرات، حيث لا يوفر انخفاض الواردات سوى تعويض جزئي. وإذا ارتفعت أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل وما فوق، واستقرت عند هذا المستوى، فقد تتجه البنوك المركزية لرفع أسعار الفائدة، إلا إذا قدرت الأخيرة أن ارتفاع التضخم يُعتبر مرحلياً وليس راسخاً، وسينتهي مع وقف الحرب.
وتلعب مدة الصدمة دوراً مهماً، فإذا تراجعت أسعار النفط والغاز خلال الأشهر القليلة المقبلة، إما بسبب انحسار الصراع أو بسبب زيادة الإنتاج، فمن المرجح أن يكون التأثير على التضخم في الأسواق المتقدمة طفيفاً وقصير الأجل، بحسب تصريح نيل شيرينغ، كبير الاقتصاديين في شركة الاستشارات “كابيتال إيكونوميكس” لـ “الغارديان”.
ويضيف: “أما إذا ارتفعت أسعار النفط إلى 90-100 دولار للبرميل وبقيت عند هذا المستوى، فإن التضخم في الأسواق المتقدمة سيكون أعلى بنسبة 0.8% مما كان متوقعاً، وقد تجد البنوك المركزية نفسها مضطرة إلى البدء برفع أسعار الفائدة مرة أخرى، وسيتعرض المستهلكون لضغوط، مما سيؤدي إلى كبح النمو”.
عملياً، عند إدخال سعر 108 دولارات للبرميل من النفط في نموذج بلومبيرغ الاقتصادي للاقتصادات الكبرى، يرتفع التضخم بنحو 0.8 نقطة مئوية في الولايات المتحدة الأميركية بحلول نهاية العام. وبإضافة هذا السعر إلى توقعات ما قبل الحرب، يتجاوز التضخم 3%، متجاوزاً بذلك هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2% بشكل ملحوظ، فيما ستكون النسبة 0.6% لمنطقة اليورو و0.5% للمملكة المتحدة و0.8% للصين.
بالنسبة للولايات المتحدة، ورغم محدودية انكشافها التجاري على مضيق هرمز، فإن ارتفاع أسعار النفط العالمية سيزيد من حدة أزمة غلاء المعيشة الحالية. فالمستهلكون الأميركيون يعانون بالفعل من ضغوط مالية، وأسعار البنزين حساسة للغاية سياسياً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. كما أن ارتفاع أسعار النفط سيزيد من تعقيد مسار السياسة النقدية المستقبلية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، بحسب مذكرة نشرها بنك “آي إن جي” الهولندي على موقعه الإلكتروني.
أما أوروبا التي كانت تخرج أخيراً من فترة ركود طويلة، تلقت صدمتها الأولى من الرسوم الجمركية الأميركية، والآن، تقف على عتبة صدمة طاقة جديدة. ويواجه البنك المركزي الأوروبي معضلة حقيقية؛ فتضخم أسعار الخدمات لا يزال مرتفعاً، وأي صدمة نفطية ستؤدي إلى ارتفاع التضخم العام، في حين أن توقعات النمو تتدهور في الوقت نفسه تحت وطأة الرسوم الجمركية، وعدم اليقين، وتكاليف الطاقة.
فيما تواجه آسيا خطر تباطؤ النشاط التجاري والضغط على قطاع التصنيع، حيث يأتي جزء كبير من إمدادات النفط الخام والغاز من الخليج. وتعتمد اليابان والفيليبين على المنطقة لتلبية ما يقرب من 90% من احتياجاتهما النفطية، بينما تستورد الصين والهند ما يقارب 38% و46% على التوالي.



