الصحافة الإيرانية: الشرق الأوسط ونقطة الضعف في الاقتصاد الصيني
إن ارتفاع أسعار النفط في سوق شنغهاي لا يمثل مجرد تقلب سعري قصير الأمد، بل يعكس الترابط العميق بين أمن الطاقة الصيني والتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
ميدل ايست نيوز: تعدّ الصين أكثر الدول اعتماداً على شريان الطاقة العالمي، أي مضيق هرمز. وقد أدخلتها التوترات الأخيرة في متاهة معقدة، فكلما اشتعلت نيران الحرب في المنطقة امتد تأثيرها إليها أيضاً. وهذا ما يدفعنا للتساؤل: ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الصين في أي مسار محتمل للسلام؟ وهل سيجبر تدفق الطاقة “التنين الأصفر” على التدخل للوساطة بين إيران والولايات المتحدة؟
وقال موقع إكوايران في تقرير له، إن النفط المتداول في سوق شنغهاي هو عقد النفط الخام الآجل في بورصة شنغهاي للطاقة (INE)، وهو سوق أنشأته الصين بهدف تعزيز دورها في تسعير النفط وتقليل اعتمادها على المؤشرات الغربية. يسعر هذا العقد باليوان الصيني لكل برميل، ويرتبط أكثر من غيره بنفط الشرق الأوسط، ولذلك فإنه يعكس تطورات المنطقة بسرعة وبحدة أكبر من كثير من الأسواق الأخرى. خلال الأيام الأخيرة، ومع عودة سعر خام برنت العالمي إلى نطاق يتراوح بين 83 و84 دولاراً للبرميل، دخل سوق شنغهاي أيضاً في موجة صعود متأثراً بارتفاع المخاطر الجيوسياسية.
الشرق الأوسط؛ المحرك الرئيسي للمخاطر في سوق النفط
يُعد تصاعد عدم اليقين الأمني في الشرق الأوسط المحرك الرئيسي لارتفاع الأسعار. فقد أعادت التوترات المتزايدة المرتبطة بإيران والولايات المتحدة وإسرائيل إلى سوق النفط سيناريو احتمال تعطل الإمدادات. وحتى من دون حدوث اضطراب فعلي، فإن مجرد طرح احتمال تهديد طرق نقل النفط الحيوية، ولا سيما مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية، يكفي لدفع المتعاملين إلى احتساب مستوى أعلى من المخاطر في الأسعار. وهنا لا تعكس أسعار النفط العرض والطلب الفعليين فقط، بل تصبح أيضاً مرآة لمخاوف السوق بشأن مستقبل تدفق الطاقة في العالم.
علاوة المخاطر وارتفاع الأسعار
إلى جانب المخاطر الجيوسياسية، ساهمت بنية الإمدادات العالمية في تعزيز هذه المخاوف. فقد أدى تعطل حركة ناقلات النفط وارتفاع تكاليف التأمين على الشحن وتقييد صادرات بعض الدول إلى جعل آفاق توازن السوق أكثر هشاشة. ونتيجة لذلك تشكلت علاوة مخاطر في أسعار النفط، تظهر بوضوح أكبر في الأسواق الآسيوية.
الصين؛ أكبر مستورد وأكثر الأطراف اعتماداً
في هذا السياق تحتل الصين موقعاً خاصاً. فهي حالياً أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، ويأتي جزء كبير من احتياجاتها من الطاقة من الشرق الأوسط. ولا يقتصر اعتماد الصين على نفط المنطقة على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يتعداه إلى بعد استراتيجي، إذ إن أي حالة عدم استقرار في الخليج تهدد بشكل مباشر أمن الطاقة والنمو الاقتصادي في الصين. ولهذا السبب يتفاعل سوق النفط في شنغهاي، الذي يعكس توقعات المستهلكين الآسيويين، مع أزمات الشرق الأوسط بحساسية أكبر من مؤشرات مثل خام غرب تكساس الأميركي.
السوق الآسيوية؛ استجابة أسرع لصدمات الإمداد
إضافة إلى ذلك، فإن السوق الآسيوية، بسبب محدودية الإنتاج المحلي في دول مثل اليابان والصين واعتمادها الكبير على الواردات، تملك قدرة أقل على امتصاص صدمات الإمداد. وفي مثل هذه الظروف تعمد المصافي الآسيوية، ولا سيما في الصين، إلى تقديم مشترياتها لتفادي أي نقص محتمل. ويؤدي هذا السلوك الاستباقي، إلى جانب زيادة النشاطات المضاربية في سوق العقود الآجلة الصينية، إلى جعل تقلبات الأسعار في شنغهاي أحياناً أكثر حدة من الأسواق الغربية، وقد يدفع الجهات الرقابية في السوق إلى فرض قيود على التداول.
تكلفة الحرب على الاقتصاد الصيني
غير أن تداعيات التوترات في الشرق الأوسط بالنسبة إلى الصين لا تقتصر على تقلب الأسعار. فباعتبارها أكبر مستورد للنفط في العالم، فإنها تتضرر أكثر من غيرها من استمرار الصراعات وانعدام الأمن في طرق الطاقة. إذ يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة تكاليف واردات الطاقة، ويخلق ضغوطاً تضخمية، ويمكن أن يؤثر في النمو الاقتصادي للبلاد. ومن هذا المنظور، فإن الحرب وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط يتعارضان مع المصالح الاستراتيجية لبكين.
الصين مستهلكة شديدة الحساسية
وقد يدفع هذا المستوى من الهشاشة الصين إلى لعب دور أكثر وضوحاً في المعادلات السياسية للمنطقة. فإذا تعرض تدفق النفط إلى الصين لتهديد جدي، فإن دوافعها للقيام بدور أكثر نشاطاً في خفض التوترات وربما الوساطة ستزداد. وقد أظهرت الصين خلال السنوات الأخيرة أنها تنظر إلى استقرار الشرق الأوسط ليس من زاوية أيديولوجية، بل باعتباره شرطاً أساسياً لأمن الطاقة واستمرار نموها الاقتصادي. لذلك، في حال تعرض إمدادات النفط الصينية للخطر، يمكن أن تتحول بكين إلى أحد اللاعبين الرئيسيين في الجهود الرامية إلى احتواء الأزمة ومنع اتساع نطاق الحرب.
نفط شنغهاي مرآة لمخاطر الشرق الأوسط
في المحصلة، فإن ارتفاع أسعار النفط في سوق شنغهاي لا يمثل مجرد تقلب سعري قصير الأمد، بل يعكس الترابط العميق بين أمن الطاقة الصيني والتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. وكلما طال أمد التوترات في هذه المنطقة ازدادت حساسية سوق شنغهاي، وفي الوقت نفسه يتعزز دور الصين، بوصفها الدولة الأكثر تأثراً بعدم الاستقرار النفطي، في المعادلات السياسية والاقتصادية في المنطقة.



