الصحافة الإيرانية: هل يعود العالم إلى منطق إزاحة قادة الدول بالقوة؟

لا تقتصر تداعيات هذا الوضع على إيران وحدها. فإذا عجز المجتمع الدولي عن رسم حدود واضحة بين الدفاع المشروع والتصفية الجسدية للقادة السياسيين، فقد تلجأ دول عديدة مستقبلًا إلى ممارسات مماثلة بذريعة مواجهة تهديدات محتملة.

ميدل ايست نيوز: يشكل القانون الدولي المعاصر على أساس هدفه الرئيسي كبح العنف في العلاقات بين الدول ومنع عودة العالم إلى منطق التصفية الجسدية والحروب غير المنضبطة. فبعد الحربين العالميتين وما خلفتاه من اغتيالات سياسية وعدوان عسكري ودمار للبنى الإنسانية، سعى المجتمع الدولي إلى إنشاء نظام قانوني تُعد فيه سيادة الدول، ومبدأ حظر استخدام القوة، وحصانة المسؤولين الرسميين، ركائز أساسية للاستقرار العالمي. ومع ذلك، فإن الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير/شباط، وما رافقه من تقارير عن استهداف مسؤولين سياسيين وعسكريين كبار، أثار تساؤلات عميقة بشأن مستقبل هذا النظام القانوني، ولعل أبرزها: هل يتجه العالم مجددًا نحو تبني منطق التصفية الجسدية لقادة الدول؟

يقول موقع دبلوماسي إيراني في مقال: في القانون الدولي التقليدي، اعتُبر اغتيال القادة السياسيين دائمًا عملًا يتعارض مع المبادئ الأساسية للنظام الدولي. وحتى خلال الحرب الباردة، ورغم حدة التنافس الأيديولوجي والأمني، جرى الحفاظ إلى حد كبير على مبدأ حصانة المسؤولين الرسميين، لأن الدول كانت تدرك أن انهيار هذا المبدأ سيهدد أمن الجميع. وإذا أصبح استهداف القادة السياسيين أمرًا مشروعًا، فلن تشعر أي دولة بالأمان، وستتحول العلاقات الدولية إلى ساحة قائمة على التصفية والانتقام وانعدام الاستقرار الدائم. كما أن مبدأ الحصانة السيادية للدول ليس مجرد قاعدة بروتوكولية، بل يمثل جزءًا من فلسفة الاستقرار العالمي. وبموجب هذا المبدأ، يتمتع كبار مسؤولي الدول بحماية قانونية خاصة باعتبارهم يمثلون سيادة الدولة، ويُنظر إلى استهدافهم بوصفه اعتداءً مباشرًا على الكيان السياسي للدولة. ولهذا يرى كثير من خبراء القانون الدولي أن استهداف القادة السياسيين أو العسكريين لدولة ما لا يُعد مجرد عمل عسكري، بل قد يشكل اعتداءً على مبدأ المساواة في السيادة بين الدول.

وأعاد الهجوم على إيران في 28 فبراير/شباط إحياء المخاوف من أن بعض القوى الكبرى تعيد تعريف مفهوم مشروعية استخدام القوة. ففي السنوات الأخيرة، بدأ مفهوم “التهديد المحتمل” أو “الخطر المستقبلي” يحل تدريجيًا محل المعايير التقليدية للدفاع المشروع. وفي ظل هذا التوجه، تسعى بعض الدول إلى تبرير الضربات الاستباقية، بل وحتى التصفية الجسدية لمسؤولي دول أخرى، بذريعة الحفاظ على الأمن. وإذا تحول هذا النهج إلى ممارسة مقبولة، فقد يؤدي إلى واحدة من أخطر أزمات القانون الدولي المعاصر.

وتكمن المشكلة الأساسية في أن القانون الدولي، بخلاف القانون الداخلي، يفتقر إلى سلطة تنفيذية مركزية، إذ لا يزال تنفيذ قواعده يعتمد إلى حد كبير على الإرادة السياسية للدول الكبرى. وعندما تتمكن القوى الكبرى من استهداف مسؤولين رسميين لدولة ما دون أن تواجه مساءلة قانونية فعالة، فإنها تبعث برسالة مفادها أن القواعد الدولية لا تُطبق على جميع الدول بالمعايير نفسها. ومن شأن هذا الواقع أن يؤدي إلى تآكل الثقة العالمية بمنظومة القانون الدولي.

في القانون الدولي الإنساني، تزداد المسألة تعقيدًا. فحتى أثناء النزاعات المسلحة، يجب الالتزام بمبادئ التمييز والتناسب والضرورة العسكرية. واستهداف كبار المسؤولين، ولا سيما إذا جرى خارج ساحات القتال أو داخل مناطق مدنية، يثير تساؤلات جدية حول مشروعية العملية من الناحية القانونية. وإضافة إلى ذلك، فإن مثل هذه العمليات تزيد غالبًا من خطر اتساع رقعة النزاع وتصاعد العنف الإقليمي.

وتُظهر التجارب التاريخية أن الاغتيالات السياسية نادرًا ما تؤدي إلى تحقيق الاستقرار، إذ إن التصفية الجسدية للقادة تفضي في العادة إلى دوامة من الانتقام وفقدان الثقة وتطرف العلاقات الدولية. وعندما تشعر الدول بأن وجودها السياسي مهدد بشكل مباشر، يزداد احتمال لجوئها إلى إجراءات أكثر حدة وأقل قابلية للتنبؤ. ولهذا يرى كثير من منظري العلاقات الدولية أن تطبيع اغتيال القادة السياسيين سيدفع العالم نحو حالة مزمنة من عدم الاستقرار.

فيما يتعلق بإيران، فإن القضية لا تقتصر على هجوم عسكري فحسب، بل تمتد إلى تأثير هذه العمليات على مفهوم السيادة الوطنية. فالسيادة، بمفهومها التقليدي، تعني حق كل دولة في الحفاظ على بنيتها السياسية والأمنية دون تدخل خارجي. وعندما يصبح المسؤولون الرسميون هدفًا لعمليات خارجية، فإن الرسالة التي تُنقل هي أن حدود السيادة لم تعد مضمونة.

ولا تقتصر تداعيات هذا الوضع على إيران وحدها. فإذا عجز المجتمع الدولي عن رسم حدود واضحة بين الدفاع المشروع والتصفية الجسدية للقادة السياسيين، فقد تلجأ دول عديدة مستقبلًا إلى ممارسات مماثلة بذريعة مواجهة تهديدات محتملة. وفي مثل هذا العالم، سيتعرض مبدأ حظر استخدام القوة، الذي يُعد أحد أبرز إنجازات القانون الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، إلى تآكل تدريجي. والأكثر إثارة للقلق أن هذه التحولات لا تحمل أبعادًا قانونية فحسب، بل تترتب عليها أيضًا آثار أخلاقية وإنسانية عميقة.

ولا يكتسب القانون الدولي معناه الحقيقي إلا إذا طُبقت قواعده على جميع الدول بصورة متساوية. فإذا استطاعت بعض الدول تنفيذ عمليات عسكرية ضد مسؤولين رسميين في دول أخرى خارج الأطر القانونية، فإن شرعية النظام الدولي بأكمله ستصبح موضع شك. ولن يشكل ذلك تهديدًا لدولة بعينها فقط، بل تهديدًا لمستقبل الاستقرار العالمي. وربما لا يُنظر إلى الهجوم على إيران عام 2026 بوصفه مجرد حدث عسكري، بل باعتباره محطة تاريخية في تطور النظام القانوني الدولي، ومحطة يتعين عندها على المجتمع الدولي أن يقرر ما إذا كان سيظل متمسكًا بالمبادئ الأساسية للقانون الدولي، أم أنه سيعود مجددًا إلى عصر التصفية الجسدية ومنطق شريعة الغاب.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 − أربعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى