لماذا تتبنى روسيا موقفاً حذراً تجاه المواجهات الإيرانية-الأميركية-الإسرائيلية؟

تدرك موسكو جيداً أن أي حالة من عدم الاستقرار في إيران قد تترك تداعيات كبيرة على المنطقة وربما على مصالح روسيا نفسها.

ميدل ايست نيوز: أدت التحولات العسكرية الأخيرة في الشرق الأوسط والمواجهات بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى إلى تغيير المعادلات الإقليمية، كما حملت تداعيات بالنسبة إلى القوى العالمية الكبرى. من بين هذه القوى، تجد روسيا نفسها في موقع يتطلب الموازنة بين مصالحها الاقتصادية واعتباراتها الجيوسياسية وعلاقاتها مع طهران وواشنطن.

في الأيام الأولى من تصاعد المواجهات، قال بيت هيغسيث، وزير الحرب الأميركي، في تصريحات موجهة إلى الرأي العام في الولايات المتحدة: «لم نبدأ هذه الحرب، لكننا سننهيها خلال فترة رئاسة ترامب». وبالنسبة لبعض مراقبي السياسة الخارجية، أعادت هذه العبارة إلى الأذهان تصريحاً كان قد أدلى به فلاديمير بوتين قبل سنوات بعد اندلاع حرب أوكرانيا، عندما قال إن روسيا لم تكن من بدأ الحرب، لكنها تسعى إلى إنهائها.

وترى مجلة «الإيكونوميست» أن هذا التشابه في الخطاب يعكس إلى حد ما أجواء التنافس على الروايات في السياسة الدولية. ومع ذلك، فإن رد فعل موسكو على التطورات الأخيرة في إيران اتسم بالحذر النسبي. فروسيا، التي طورت خلال السنوات الأخيرة علاقات سياسية وعسكرية وثيقة مع طهران، اتخذت موقفاً إزاء الهجمات الأميركية والإسرائيلية يعكس قبل كل شيء محاولة إدارة الأزمة ومنع اتساع نطاق التوتر.

وجاء أول رد رسمي من الكرملين عبر رسالة تعزية وصفت ما حدث بأنه «انتهاك للمبادئ الإنسانية والقانون الدولي»، من دون الإشارة بشكل مباشر إلى الجهة المنفذة للهجوم. وفي وقت لاحق أكد المتحدث باسم الكرملين أن روسيا تتابع التطورات بدقة وستتخذ قراراتها على أساس مصالحها الوطنية.

ويرتبط هذا النهج الحذر جزئياً بحقيقة مهمة، وهي أنه رغم التعاون الواسع بين إيران وروسيا في السنوات الأخيرة، فإن موسكو لا تمتلك عملياً أدوات كثيرة لدعم طهران بشكل مباشر في مثل هذه الظروف. إضافة إلى ذلك، تخوض روسيا في الوقت نفسه حرباً في أوكرانيا، وقد ركزت جزءاً كبيراً من قدراتها العسكرية ومواردها على تلك الجبهة.

وخلال السنوات الماضية توسعت العلاقات العسكرية بين إيران وروسيا تدريجياً. فقد زودت موسكو طهران خلال العقد الماضي بمنظومات الدفاع الجوي «إس-300»، كما نشأ تعاون في مجالات التدريب العسكري والمعدات الجوية وبعض التقنيات الدفاعية. وفي السنوات الأخيرة أيضاً ظهرت تقارير عن بيع منظومات صاروخية محمولة على الكتف ومعدات دفاعية أخرى.

وأدى هذا التعاون في النهاية إلى توقيع اتفاق للتعاون الاستراتيجي بين البلدين في عام 2025، عزز تبادل المعلومات والتعاون التقني والأمني بين طهران وموسكو. ومع ذلك، لم يتضمن الاتفاق التزاماً بالدفاع المشترك، بل ركز أساساً على الشراكات الاستراتيجية والأمنية.

ورغم هذا التعاون، أظهرت التطورات العسكرية الأخيرة أن عدداً من الأنظمة الدفاعية الإيرانية تعرض لأضرار خلال الهجمات الأخيرة. وبعض هذه الأنظمة، التي اشترتها إيران من روسيا في السنوات الماضية، تعرضت لضربات في الهجمات الجوية. ومع ذلك، لا تبدي موسكو في الوقت الراهن رغبة كبيرة في إرسال معدات عسكرية جديدة إلى إيران بشكل فوري، إذ إن مثل هذه الخطوة قد تزيد من احتمالات التوتر المباشر مع الولايات المتحدة، كما قد تفرض ضغوطاً إضافية على الموارد العسكرية الروسية في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا.

ومن ناحية أخرى، ترتبت على الحرب في إيران تداعيات اقتصادية ملحوظة بالنسبة إلى روسيا. ومن أبرز هذه التداعيات ارتفاع أسعار الطاقة في الأسواق العالمية. فقد أدى تصاعد التوتر في الشرق الأوسط والمخاوف من اضطراب إمدادات النفط إلى ارتفاع الأسعار خلال الأسابيع الأخيرة.

وبالنسبة لروسيا، التي تعد من أكبر مصدري الطاقة في العالم، يمكن أن يسهم هذا الارتفاع جزئياً في تخفيف الضغوط الاقتصادية الناجمة عن العقوبات الغربية. فقد شهد سعر النفط الروسي، الذي يُباع عادة بخصم مقارنة بالأسعار العالمية، ارتفاعاً ملحوظاً في الأسابيع الأخيرة، وهو ما قد يساعد على زيادة عائدات البلاد من العملات الأجنبية وتخفيف الضغط على ميزانيتها.

ومع ذلك، فإن ارتفاع أسعار النفط وحده لا يكفي لحل المشكلات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد الروسي. ففي الأشهر الأخيرة تراجعت عائدات النفط والغاز، ولا يزال الاقتصاد الروسي متأثراً بالعقوبات وتكاليف الحرب في أوكرانيا. لذلك، ورغم أن ارتفاع أسعار الطاقة يوفر فرصة قصيرة الأمد لموسكو، فإنه لا يمكن أن يحل محل إصلاحات اقتصادية أوسع.

إلى جانب التداعيات الاقتصادية، تؤثر الحرب في إيران أيضاً في المعادلات العسكرية والأمنية العالمية. ويرى بعض المحللين أن اندلاع صراع جديد في الشرق الأوسط قد يستنزف جزءاً من الموارد العسكرية الأميركية، ما قد يقلل إلى حد ما من تركيز واشنطن على الحرب في أوكرانيا. وقد يمنح ذلك روسيا ميزة نسبية على الجبهة الأوكرانية.

ومع ذلك، فإن التطورات الأخيرة تطرح أيضاً تحديات لروسيا من منظور استراتيجي. ومن بين هذه التحديات الانطباع الذي لدى بعض المراقبين بشأن محدودية قدرة موسكو على دعم شركائها في أوقات الأزمات. فبالرغم من التعاون الواسع بين روسيا وإيران، أظهرت الأزمة الأخيرة أن هذا التعاون لا يعني بالضرورة تقديم دعم عسكري مباشر في لحظات الأزمات.

وفي ظل هذه الظروف، يبدو أن روسيا تسعى إلى اتباع سياسة متوازنة. فمن جهة، ترغب موسكو في الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع طهران، وهي علاقات توسعت خلال السنوات الأخيرة في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية. ومن جهة أخرى، لا يرغب الكرملين في الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، خصوصاً في وقت لا تزال فيه الحرب في أوكرانيا مستمرة.

ويرى بعض المحللين أن روسيا تنظر إلى إيران، إلى جانب كونها شريكاً إقليمياً، باعتبارها جزءاً من معادلة أوسع للمنافسة مع الغرب. وفي هذا الإطار يمكن للتطورات المرتبطة بإيران أن تلعب دوراً في المفاوضات والتفاعلات الأوسع بين موسكو وواشنطن.

ولهذا السبب، كانت السياسة الروسية تجاه إيران دائماً محكومة باعتبارات أوسع. فعلى سبيل المثال، امتنعت موسكو في بعض الحالات خلال السنوات الماضية عن بيع معدات عسكرية أكثر تطوراً لإيران، في حين باعت المعدات نفسها لدول أخرى. وتشير مثل هذه القرارات إلى أن روسيا تأخذ دائماً في الحسبان تداعيات علاقاتها مع إيران على علاقاتها مع قوى دولية أخرى.

ومع ذلك، تدرك موسكو جيداً أن أي حالة من عدم الاستقرار في إيران قد تترك تداعيات كبيرة على المنطقة وربما على مصالح روسيا نفسها. فقد كانت إيران خلال السنوات الأخيرة أحد الفاعلين المهمين في معادلات الشرق الأوسط، وأي تطورات داخلية فيها يمكن أن تؤثر في ميزان القوى في المنطقة.

ولهذا يرى كثير من المحللين أن روسيا تسعى في الظروف الراهنة قبل كل شيء إلى منع اتساع الأزمة والحفاظ على قدر من الاستقرار في المنطقة. يتيح هذا النهج لموسكو الحفاظ على علاقاتها مع طهران وفي الوقت نفسه تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

وقد خلقت الحرب في إيران مجموعة من الفرص والتحديات بالنسبة إلى روسيا. فارتفاع أسعار الطاقة واحتمال انشغال الولايات المتحدة أكثر بالشرق الأوسط قد يوفران مزايا لموسكو، لكن في المقابل برزت أيضاً حدود قدرة روسيا على دعم شركائها وتعقيدات علاقاتها مع الغرب بشكل أوضح.

ولهذا يحاول الكرملين في المرحلة الحالية التحرك بحذر وحساب دقيق، في إطار سياسة تهدف إلى الحفاظ على علاقاته مع إيران، وتجنب تصعيد التوتر مع الولايات المتحدة، واستثمار التطورات الجديدة لتعزيز موقع روسيا في المنافسة الجيوسياسية مع الغرب.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة عشر − ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى