أوروبا بين روسيا وإيران: كيف أعاد هرمز تشكيل أولويات الأمن الأوروبي؟
كشف الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران وتهديد طهران بإغلاق مضيق هرمز، أكثر من أي وقت مضى، عن تحولات في منظومة الأمن الأوروبي.

ميدل ايست نيوز: كشف الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران وتهديد طهران بإغلاق مضيق هرمز، أكثر من أي وقت مضى، عن تحولات في منظومة الأمن الأوروبي. فقد امتنعت أوروبا عن التدخل العسكري في الشرق الأوسط لفتح المضيق، وهو ما وصفه دونالد ترامب بـ«غير المقبول»، ملوّحًا بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي. ووضعت هذه السياسة، القائمة على «جبهة واحدة»، أوروبا في مواجهة تهديدين هما روسيا وإيران، مع ما لذلك من تداعيات على الأمن العالمي.
ووضع الهجوم المشترك والتهديد بإغلاق هرمز أوروبا أمام معادلة صعبة. فمنذ عام 2022، تنخرط القارة في الحرب الأوكرانية في مواجهة روسيا، ما دفعها إلى رفض الانخراط المباشر في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، زادت أوروبا في عام 2025 مساعداتها العسكرية لأوكرانيا، في وقت شهدت فيه المساعدات الأمريكية تراجعًا ملحوظًا. ويطرح هذا الواقع سؤالًا محوريًا حول كيفية إسهام الهجوم على إيران في إعادة تشكيل أولويات الأمن الأوروبي بين التهديدين الروسي والإيراني، وما الذي يعنيه الامتناع عن التدخل في هرمز مقارنة بالانخراط في أوكرانيا.
تغيرات الأمن الأوروبي في مواجهة روسيا وإيران بعد الهجوم
أجبر الهجوم أوروبا على إعادة تقييم تهديداتها المزدوجة. وأظهر تقرير لحلف شمال الأطلسي في مارس 2026 أن الإنفاق الدفاعي لأوروبا وكندا بلغ في 2025 نحو 574 مليار دولار، بزيادة 20%، معظمها خُصص لمواجهة روسيا في أوكرانيا، لا إيران. كما أكد تقرير لمعهد بروكينغز في الشهر ذاته أن أوروبا ركزت، بعد الهجوم على إيران، على «الأولوية الشرقية» المتمثلة في روسيا، وتجنبت توسيع نطاق الصراع إلى الشرق الأوسط. وفي هذا الإطار، أدى التهديد بإغلاق هرمز إلى ارتفاع أسعار الطاقة، غير أن أوروبا تعاملت معه عبر التخزين وتنويع المصادر، لا سيما من خلال الغاز الطبيعي المسال الأمريكي.
ويمثل مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من نفط العالم، شريانًا حيويًا لأمن الطاقة، ليس لأوروبا فقط، بل للاقتصاد الغربي بأكمله. ويعني امتناع أوروبا عن التدخل عمليًا ترك أمن الملاحة البحرية بالكامل للقوات البحرية الأمريكية، في خطوة تتناقض مع شعار «الاستقلالية الأمنية الأوروبية» الذي برز بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان عام 2021. وعلى المدى الطويل، قد ينعكس هذا الخيار سلبًا على مصداقية أوروبا؛ إذ من المرجح أن يتساءل شركاؤها في أزمات مستقبلية، سواء في بحر الصين الجنوبي أو خليج غينيا: إذا لم تتدخل أوروبا حتى في هرمز، فلماذا يُتوقع منها التدخل في أزمات أخرى؟ وبذلك، يتحول هذا «الواقعية» قصيرة المدى إلى كلفة استراتيجية غير مرئية ماليًا، لكنها مؤثرة في موازين القوة الجيوسياسية.
عدم تدخل أوروبا في الشرق الأوسط لفتح مضيق هرمز
من جهة أخرى، عكس الامتناع الأوروبي عن التدخل في هرمز سياسة «الجبهة الواحدة». فقد رفض قادة أوروبيون، بينهم ألمانيا وفرنسا وإسبانيا، المشاركة العسكرية في عمليات فتح المضيق. وأكد وزير الدفاع الألماني عدم وجود أي مشاركة عسكرية. وذكر تقرير للمجلس الأطلسي في 18 مارس 2026 أن أوروبا عززت عملياتها البحرية المحدودة ضمن بعثة «EUNAVFOR»، لكنها تجنبت المواجهة المباشرة مع إيران. وفي المقابل، سعت أوروبا إلى احتواء تداعيات ارتفاع أسعار النفط عبر زيادة واردات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة وقطر.
ويأتي ذلك في وقت قدمت فيه أوروبا نحو 201.7 مليار دولار مساعدات لأوكرانيا، مقابل 130.6 مليار دولار من الولايات المتحدة، معتبرة أن الأزمة الأوكرانية تمثل «تهديدًا وجوديًا». ولهذا ركزت القارة مواردها على جبهة واحدة، إذ إن فتح جبهتين في آن واحد من شأنه استنزاف قدراتها.
وبعبارة أخرى، لم تكن سياسة «الجبهة الواحدة» خيارًا واعيًا بقدر ما كانت نتيجة لقيود بنيوية. فبدلًا من تعزيز القدرة على إدارة جبهتين، تخلت أوروبا فعليًا عن إحداهما، في ما يشبه ما تصفه نظرية الألعاب بـ«استراتيجية الخسارة المزدوجة». فإذا انهارت أوكرانيا، فإن التهديد الروسي سيصل مباشرة إلى الحدود الشرقية للناتو، وإذا أغلقت إيران مضيق هرمز، فقد تعود أسعار الطاقة في أوروبا إلى مستويات أزمة عام 2022.
وفي الوقت نفسه، أدى تجنب التدخل في هرمز إلى تراجع النفوذ الأوروبي في منطقة القوقاز، حيث عززت كل من تركيا وروسيا حضورها، في ظل إدراكهما أن أوروبا غير مستعدة لدفع كلفة عسكرية للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية. ويُعد ذلك مؤشرًا على الضعف، قد يُستغل لاحقًا في مفاوضات تتعلق بالطاقة والهجرة والأمن الإقليمي.
خلاصة المشهد
في المحصلة، يعكس توجه أوروبا لتجنب فتح جبهتين في آن واحد مقاربة واقعية، إذ ترفض خوض «حربين متزامنتين» وتفضل الحفاظ على مواردها لدعم أوكرانيا. وعلى الرغم من تنفيذ عمليات بحرية محدودة، فإنها امتنعت عن التدخل المباشر، في ظل بيئة داخلية تتسم بحساسية تجاه التضخم وأزمات الطاقة ورفض الرأي العام للتصعيد. ومع ذلك، دفع الهجوم على إيران أوروبا نحو إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية مع إعطاء أولوية لروسيا، ما يسلط الضوء على تحديات متزايدة أمام أمن القارة، وينذر باتساع فجوات داخل حلف شمال الأطلسي.



