آثار حرب إيران الممتدة تستدعي تطوير ممرات تجارية بديلة وتكاملاً خليجياً

تنعكس حرب إيران بتداعيات اقتصادية واسعة على دول المنطقة، تتجاوز الجوانب الجيوسياسية لتؤثر على مسارات النمو وقطاعات متعددة.

ميدل ايست نيوز: تنعكس حرب إيران بتداعيات اقتصادية واسعة على دول المنطقة، تتجاوز الجوانب الجيوسياسية لتؤثر على مسارات النمو وقطاعات متعددة، مع توقع استمرار آثارها بما يجعل التعافي عملية طويلة الأمد.

بسبب ذلك، خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي في 2026 بنحو 2.3 نقطة مئوية إلى 2% بدلاً من 4.3%، مع ترقب انكماش ثلاث دول هذا العام وهي البحرين والكويت وقطر.

أمام هذا الوضع، يزداد الحديث حول أهمية تطوير بناء ممرات تجارية جديدة وخطوط بديلة لنقل الطاقة والانتقال إلى تكامل اقتصادي أعمق، عبر بناء سوق خليجية مشتركة حقيقية، والتأسيس التدريجي لاتحاد اقتصادي يُعزز قدرة المنطقة على مواجهة الصدمات الخارجية بشكل أكثر فعالية.

130 دولاراً للنفط

يرى جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، أن الأزمة الحالية تُمثل “صدمة متعددة الأوجه لم يشهدها العالم خلال 50 عاماً”، تركزت في النفط والغاز قبل أن تمتد إلى قطاعات أخرى، مشيراً إلى توقف مفاجئ لإنتاج يفوق 12 مليون برميل يومياً، وتأثر البنية التحتية للطاقة.

في ما يتعلق بأسعار النفط، أوضح أزعور أن السيناريو المرجعي يفترض استمرار ارتفاع الأسعار خلال 2026، بينما قد يقود تصاعد النزاع إلى مستويات أعلى، تصل في السيناريو الأسوأ إلى متوسط 130 دولاراً للبرميل لفترة طويلة، وقال إن ذلك سيُشكل ضغطاً مباشراً على الدول المستوردة للطاقة، وتحولاً في طبيعة الصدمة الاقتصادية، وذلك خلال جلسة نقاش افتراضية بعنوان “الحرب في الشرق الأوسط: التداعيات الاقتصادية والتحديات السياسية” نظمها صندوق النقد الدولي اليوم الثلاثاء.

تتماشى هذه التقديرات مع توقعات “كبلر” التي رجحت موجة صعود جديدة قد تصل بسعر البرميل إلى 120 دولاراً، مع تزايد القناعة لدى المُحللين بأن الأسواق لم تستوعب بعد حجم النقص الفعلي في الإمدادات، والذي قد يتجاوز 500 مليون برميل، في ظل استمرار الاضطرابات الجيوسياسية وتعطل تدفقات الخام عبر مضيق هرمز.

أزعور شدد على ضرورة تجنب سياسات الدعم العام المكلفة، مع الاستخدام الحذر للاحتياطيات المالية، وإيجاد وفورات لدى الدول غير المتمتعة بهوامش مالية، مؤكداً أن “التحدي الأهم هو إزالة حالة عدم اليقين ورسم مسار للتعافي والاستقرار”.

بنك شرق أوسطي لإعادة الإعمار

من جهته، دعا ناصر سعيدي، رئيس شركة ناصر سعيدي وشركائه، إلى التفكير في إعادة إعمار شاملة تتجاوز الطاقة لتشمل قطاعات أخرى، في ظل تقديرات تقارب تريليوني دولار لإعادة الإعمار في دول عدة بينها سوريا ولبنان واليمن والسودان والعراق وغيرها، مع الحاجة إلى مؤسسات تمويل جديدة على رأسها مقترح بنك شرق أوسطي لإعادة الإعمار بقيادة خليجية.

تتجه اقتصادات الدول العربية نحو خسائر قد تصل إلى 200 مليار دولار نتيجة الحرب مع إيران، وفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، حيث تمتد تداعيات الصدمة على النمو والاستقرار المالي وصولاً إلى سوق العمل ومستويات المعيشة

كما شدد سعيدي على ضرورة تطوير ممرات تجارية جديدة تشمل الطرق والسكك الحديدية وخطوط الأنابيب من الشرق إلى الغرب على غرار التجربة السعودية، مع توسيع التعاون ليشمل العراق وسوريا وتركيا ولبنان، إلى جانب إطلاق اتفاقيات تجارية جديدة، وبناء سوق خليجية مشتركة وربما اتحاد اقتصادي أعمق.

بعد إغلاق مضيق هرمز وهو ممر حيوي لتجارة النفط والغاز، نجحت السعودية في تجاوز هذا الإغلاق باستعانتها بخط أنابيب لنقل النفط براً من الشرق إلى الغرب على البحر الأحمر، ما مكّنها من ضمان استمرار تدفق الإمدادات لعملائها دون انقطاع.

مسارات بديلة لنقل الطاقة

ترى ناتاشا كانيفا، رئيسة أبحاث السلع العالمية في “جيه بي مورغان”، أن تكلفة تطوير مسارات بديلة لنقل الطاقة في الشرق الأوسط قد تصل إلى 40 مليار دولار في بعض الحالات كما في العراق، مشيرةً إلى أن هذه التقديرات تشمل مشاريع تهدف إلى تجاوز نقاط الاختناق في الإمدادات.

وأوضحت أن هذه الاستثمارات ترتبط بتوسيع المسارات البديلة في البنية التحتية للطاقة، في ظل المخاطر المرتبطة بممرات الشحن.

كان مدير وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول اقترح إنشاء خط أنابيب نفطي جديد يربط حقول البصرة في العراق بمحطة جيهان النفطية على البحر المتوسط في تركيا، بهدف تقليص الاعتماد على مضيق هرمز، وفقاً لصحيفة “حريت” التركية. واضاف أن “هذا الخط سيضمن أمن الإمدادات في المنطقة، خاصة من منظور أوروبا”.

كانيفا أشارت أن العالم يتجه نحو تنويع مزيج الطاقة دون الاعتماد على تقنية واحدة، مشيرةً إلى أن الدول تتبنى استراتيجيات تشمل مصادر متعددة مثل الطاقة النووية والمتجددة والوقود الأحفوري. ورأت إن هذا التوجه يعكس سعي الدول إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالإمدادات وتعزيز استقرار منظومات الطاقة.

سنوات التعافي ستطول

من جهتها، أشارت رازيا خان، كبيرة الاقتصاديين لأفريقيا والشرق الأوسط في “ستاندرد تشارترد”، تتوقع أن السنوات التعافي ستطول بسبب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية لإنتاج النفط والغاز، منوهةً بأن حجم هذه الأضرار لا يزال غير واضح. وأضافت أن تأثير الأزمة لا يقتصر على قطاع الطاقة، بل يمتد إلى فرص النمو التي قد تكون فقدت نتيجة النزاع.

حتى الآن، تسبب الصراع في فقدان مليار برميل من الإمدادات العالمية، وهو مقدار يمكن أن يرتفع إلى 1.5 مليار برميل إذا استمر، وفقاً لما قاله سعد رحيم، كبير الاقتصاديين في “ترافيغورا غروب”، خلال قمة “فايننشال تايمز” العالمية للسلع في لوزان يوم الثلاثاء.

وأوضحت رازيا خان أن هناك احتمالاً لتعافٍ اقتصادي سريع على شكل “V”، مدفوعاً بأصول الصناديق السيادية في المنطقة، والتي يمكن توجيهها لدعم الطلب المحلي وزيادة الاستثمار. كما أكدت أن عودة الثقة تعتمد على تقييم حجم الأضرار وتكاليف إعادة بناء القدرات الإنتاجية، إضافة إلى تقييم الموارد التي يمكن استخدامها، في ظل استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بتطورات النزاع.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
الشرق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 + أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى