عندما ينقلب السحر على الساحر: هل كسرت إيران احتكار أمريكا لسلاح الاقتصاد؟
يتضح أن الاقتصاد لم يعد مجرد ساحة خلفية للصراع، بل أصبح خط المواجهة الأول. سلاحٌ بلا دخان، لكنه قادر على إرباك الدول، وإعادة تشكيل موازين القوى، وفرض وقائع لا تقل أثرًا عن الحروب التقليدية.
ميدل ايست نيوز: تمتلك الولايات المتحدة تاريخًا طويلًا في تحويل الاقتصاد إلى سلاح. لم يكن ذلك مجرد خيار تكتيكي، بل نهجًا متكررًا في إدارة الصراع، بدأ بالعقوبات وتوسّع في عهد دونالد ترامب ليشمل الرسوم الجمركية.
لسنوات، بدت واشنطن وكأنها تحتكر هذا النوع من الحروب، تعاقب خصومها عبر خنقهم ماليًا وحرمانهم من التكنولوجيا. لكن هذا الاحتكار بدأ يتآكل. فالسلاح الذي صاغته أمريكا بيدها، لم يعد حكرًا عليها، بل عاد ليصيبها أيضًا. اليوم، يشعر المستهلك الأمريكي والشركات الأمريكية بارتدادات هذا السلاح. إيران والصين، من جهتهما، دخلتا ساحة المواجهة بالأدوات نفسها، بينما ذهبت واشنطن خطوة أبعد، مع فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية في مضيق هرمز، في فصل جديد من عسكرة الاقتصاد.
خلال عام واحد فقط، تلقت الولايات المتحدة ضربتين موجعتين كشفتا حدود قدرتها على التحكم بقواعد اللعبة. أولًا، استخدمت الصين هيمنتها على المعادن النادرة كورقة ضغط أجبرت إدارة ترامب على التراجع في حربها التجارية. ثم جاءت إيران، لتفعل ما هو أخطر: تضييق الخناق على مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وتحويله إلى ورقة تفاوض فرضت من خلالها وقف إطلاق النار في حرب استمرت ستة أسابيع مع واشنطن وتل أبيب. كانت أمريكا في السابق تمسك بمفاتيح الاقتصاد العالمي، تستخدم الدولار والتكنولوجيا كسياط عقابية، لكن العالم تغيّر بعد الألفية الثالثة. الربيع العربي وموجات الهجرة، جائحة كورونا، وحرب أوكرانيا، وتصاعد التوتر مع الصين، كلّها عوامل أضعفت الثقة بالنظام الاقتصادي العالمي، ودفعت الدول إلى إعادة النظر في علاقاتها التجارية بوصفها أدوات ضغط لا تقل فاعلية عن السلاح التقليدي.
في هذا المشهد المتحوّل، تسارع القوى الكبرى إلى إعادة تحصين نفسها اقتصاديًا. الولايات المتحدة، والصين، وأوروبا، تضخ استثمارات هائلة لإعادة توطين الصناعات الحيوية وتقليل الاعتماد على الخارج. فالعالم الذي صُمّم على تفاؤل تسعينيات القرن الماضي، لم يعد قائمًا. نحن أمام اقتصاد عالمي جديد، يتشكّل على إيقاع المنافسة والصراع، لا على وهم الشراكة.
ومع ذلك، فإن استخدام الاقتصاد كسلاح ليس ظاهرة مستحدثة. يكفي التذكير بحظر النفط العربي عام 1973، الذي أدخل الولايات المتحدة في دوامة ركود تضخمي. لكن الفارق اليوم أن أدوات التأثير تضاعفت. حجم التجارة العالمية بات أكبر بكثير، والتشابك الاقتصادي أعمق، ما يجعل أي خلل في هذا النظام ذا أثر واسع وسريع. ورغم الخطاب الأمريكي الذي يتحدث عن “الاستقلال” و”أمريكا أولًا”، فإن الواقع يكشف استمرار الاعتماد على الخارج، سواء في الطاقة أو في سلاسل التوريد المعقدة.
داخل واشنطن نفسها، يتزايد القلق من هذا الاعتماد. مسؤولون بارزون يحذرون من أن تحوّل العلاقات التجارية إلى نقاط ضعف قد يقيد قدرة الولايات المتحدة على المناورة السياسية. ومع ذلك، يبدو أن الاستجابة الأمريكية لم ترقَ إلى مستوى التحدي. فبينما واصلت الإدارة استخدام العقوبات على نطاق واسع ضد إيران وفنزويلا والصين، فوجئت حين استخدم الآخرون الأدوات ذاتها ضدها.
عندما أوقفت الصين صادرات المعادن النادرة، وُصف الأمر داخل واشنطن بأنه “صدمة حقيقية”. وعندما ضاق مضيق هرمز، لم يكن لدى الولايات المتحدة رد جاهز. ارتبكت الأسواق، قفزت أسعار الوقود، وتضررت اقتصادات تعتمد على الاستيراد. الأخطر من ذلك، أن مؤسسات القرار لم تكن قد أعدّت نفسها لمثل هذا السيناريو، ما كشف خللًا في تقدير المخاطر.
الحقيقة التي بدأت تتكشف بوضوح هي أن الولايات المتحدة لم تعد تتحكم بكل “نقاط الاختناق” في الاقتصاد العالمي. لم يعد بوسعها فرض قواعد اللعبة كما في السابق. حتى مع التقليل من شأن تحركات إيران، فإن الوقائع على الأرض تقول شيئًا آخر: آلاف السفن عالقة، ومرور الملاحة بات خاضعًا لشروط انتقائية، في مشهد يعكس حقيقة بسيطة لكنها حاسمة، أن القوة لا تكمن فقط في الإغلاق، بل في التحكم بالتدفق.
في المقابل، جاء الحصار البحري الذي أعلنته واشنطن كتصعيد مباشر يستهدف شريان الاقتصاد الإيراني، أي صادرات النفط. الخطة تقوم على اعتراض السفن في مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات حساسية في العالم. وإذا طُبّقت بالكامل، فقد تحرم إيران من مليارات الدولارات سنويًا. لكن هذا الخيار لا يخلو من المخاطر؛ فهو لا يضغط على طهران فقط، بل يهدد بتوسيع رقعة المواجهة، ويضع أمن الطاقة العالمي على المحك.
إيران، بدورها، لم تُخفِ استعدادها للرد، محذّرة من أن أي استهداف لموانئها سيقابله تهديد شامل لموانئ المنطقة. ومع دخول أطراف كالصين، التي تعتمد بشكل كبير على النفط الإيراني، يصبح المشهد أكثر تعقيدًا. فالمواجهة لم تعد ثنائية، بل شبكة متداخلة من المصالح والصراعات.
في المحصلة، يتضح أن الاقتصاد لم يعد مجرد ساحة خلفية للصراع، بل أصبح خط المواجهة الأول. سلاحٌ بلا دخان، لكنه قادر على إرباك الدول، وإعادة تشكيل موازين القوى، وفرض وقائع لا تقل أثرًا عن الحروب التقليدية. وفي عالم كهذا، لم يعد السؤال من يملك السلاح، بل من يجيد استخدامه… ومن يتحمّل كلفته.



