قراءة لأحدث تقرير للأمم المتحدة حول تفاقم الفقر نتيجة للحرب الأخيرة
يتبين أن البنية الحالية للنظام الاقتصادي والسياسي العالمي تعمل بطريقة تجعل العبء الأكبر للأزمات يقع على الفئات الأكثر فقراً، بحيث يزداد الفقراء فقراً في مختلف أنحاء العالم.

ميدل ايست نيوز: أصدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) بياناً أمس في أعقاب تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، حذّر فيه من أن الحرب الأخيرة قد تدفع نحو 32 مليون شخص حول العالم إلى ما دون خط الفقر. يأتي هذا التقدير امتداداً لتحذيرات سابقة صادرة عن مؤسسات دولية بشأن ارتفاع معدلات الفقر عالمياً، حيث سُجلت في السنوات الأخيرة تقارير تشير إلى انضمام أكثر من مئة مليون شخص إلى صفوف الفقراء نتيجة الصدمات الاقتصادية والعقوبات والأزمات العالمية. وتستدعي هذه التقديرات تحليلاً شاملاً ومتعدد الأبعاد يستند إلى الترابطات البنيوية للاقتصاد العالمي، وهو ما تتناوله هذه الدراسة بالنقد والتحليل.
وكتب محمد حسين عمادي، وهو خبير ومحلل في القضايا الدولية والتنموية، في مقال لصحيفة شرق الإيرانية:
1- يستند تحليل UNDP الأخير إلى نماذج محاكاة سيناريوهات الاقتصاد العالمي، حيث جرى بحث تداعيات تصعيد عسكري محتمل في منطقة الخليج. وفي هذا الإطار، يُطرح رقم 32 مليون شخص كأحد تقديرات «أسوأ السيناريوهات»، وليس كحساب دقيق أو نتيجة حتمية. ويقوم هذا السيناريو على افتراض تزامن عدة صدمات، أبرزها: ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وتراجع النمو الاقتصادي. ويطلق البرنامج على هذه الحالة وصف «الصدمة الثلاثية» (الطاقة، الغذاء، النمو الاقتصادي). وعليه، فإن هذا الرقم لا يعكس واقعاً متحققاً بقدر ما يشكل إنذاراً سياسياً يهدف إلى منع تفاقم الأزمة استناداً إلى مجموعة من السيناريوهات المحتملة.
2- من أبرز المحاور الجديدة في هذا التحليل الدور الحيوي لممرات الطاقة، وخاصة مضيق هرمز، الذي لم يكن يُؤخذ بالحسبان بالقدر الكافي في الدراسات السابقة. إذ إن أي اضطراب في هذا الممر الاستراتيجي يمكن أن يؤدي إلى تعطيل إمدادات النفط والغاز عالمياً، وبالتالي إلى ارتفاع سريع في أسعار الطاقة. لا يقتصر أثر ذلك على زيادة تكاليف الإنتاج والنقل، بل يمتد أيضاً إلى قطاع الزراعة عبر ارتفاع أسعار الأسمدة المرتبطة بشكل وثيق بالطاقة، ما يضع الأمن الغذائي تحت ضغط مباشر. ونتيجة لذلك، تتحول صدمة الطاقة بشكل غير مباشر إلى ارتفاع في أسعار الغذاء وتقليص قدرة الفئات الضعيفة على الوصول إلى الموارد الأساسية، خصوصاً في الدول المستوردة للغذاء. في المحصلة، يشبه هذا المسار تأثير العقوبات الاقتصادية واسعة النطاق التي تعمل على تقييد العرض ورفع التكاليف، بما ينعكس على معيشة السكان على مدى سنوات.
3- يغفل هذا التحليل الدور السلبي، وإن كان غير المباشر، للعقوبات الاقتصادية. فحصر التقييم في تداعيات النزاعات والحروب لا يقدم صورة مكتملة لتأثير العوامل السياسية والعسكرية على الفقر العالمي. خلال العقدين الأخيرين، شهد استخدام العقوبات الاقتصادية كأداة للسياسة الخارجية توسعاً كبيراً، وتشير بعض التقديرات إلى أن أكثر من 60 دولة حول العالم خضعت لأشكال مختلفة منها. وقد أدت هذه العقوبات إلى إضعاف البنى الاقتصادية في الدول المستهدفة من خلال تقليص الوصول إلى الأسواق المالية، وتقييد التجارة، ورفع تكاليف استيراد السلع الأساسية. وفي كثير من الحالات، انعكس ذلك مباشرة في انخفاض الدخل الحقيقي للأسر، وارتفاع معدلات البطالة، واتساع نطاق الفقر. ومن هذا المنظور، تُعد العقوبات أحد العوامل البنيوية المستمرة في إعادة إنتاج الفقر العالمي، حيث قد تكون آثارها أكثر ديمومة وأشد من الصدمات الحربية القصيرة الأمد.
4- يشكل التجاهل المنهجي للأوضاع الداخلية للدول الخاضعة للعقوبات، من قبل الأمم المتحدة، أحد أبرز مواطن القصور في التحليلات العالمية الشاملة. ووفقاً لادعاءات الأمم المتحدة وأجهزتها المختصة، فإن أحد أسباب هذا القصور هو صعوبة الحصول على بيانات دقيقة من بعض الدول، بما في ذلك إيران. وفي العديد من النماذج الدولية، وبسبب غياب بيانات حديثة أو موثوقة، لا يتم تقييم الآثار الحقيقية للعقوبات والضغوط الاقتصادية على مستويات المعيشة بشكل كامل، أو لا تنعكس بالشكل الكافي. وهذا قد يؤدي إلى التقليل من حجم الفقر وعدم المساواة في تلك المجتمعات.
وخلال العقد الأخير، ظهرت مؤشرات متعددة على تراجع القوة الشرائية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وزيادة هشاشة الطبقات المتوسطة والفقيرة في إيران. إلا أن العائق الأساسي ليس نقص البيانات، بل وجود إرادة سياسية تعرقل الاعتراف بتأثيرات العقوبات أو مناقشتها. وفي دوائر صنع القرار العالمية، أصبح الحديث عن دور العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة والدول الغربية بمثابة «تابو»، ويُصنف كقضية سياسية، ما يؤدي إلى تجنب دراسته أو طرحه بشكل منهجي.
5- يظهر من تحليل تقارير UNDP واتجاهات الاقتصاد العالمي أن الحرب والعقوبات والحصار الاقتصادي تعمل جميعها كقوى متداخلة ومتعاضدة في تعزيز الفقر العالمي وتعميقه. وتؤدي هذه العوامل، خاصة في الدول النامية، إلى تفاقم عدم المساواة وتقليل القدرة على الصمود الاقتصادي. وفي المقابل، يُعد تجاهل أو التقليل من حجم آثار هذه العوامل على السكان في الدول الخاضعة للعقوبات أحد أبرز التحديات في تقييم هذه الظواهر.
إذن، يتبين أن البنية الحالية للنظام الاقتصادي والسياسي العالمي تعمل بطريقة تجعل العبء الأكبر للأزمات يقع على الفئات الأكثر فقراً، بحيث يزداد الفقراء فقراً في مختلف أنحاء العالم. ومع إغلاق مضيق هرمز وظهور آثاره المباشرة وغير المباشرة، أصبح الاقتصاد العالمي يواجه شكلاً عاماً وإن كان غير مباشر من «العقوبات» وما ينتج عنها من آثار سلبية واسعة. ومن ثم، يتعين على الأمم المتحدة وهيئاتها المتخصصة مثل UNDP وFAO إدراج تأثير العقوبات التي تستهدف الفئات الفقيرة ضمن أولوياتها في الحوار والمفاوضات الدولية.
وفي ظل إعادة النظر في النظام القانوني لمضيق هرمز، ينبغي على الدبلوماسية الإيرانية، خاصة في المحافل الدولية، وبالتعاون مع حلفائها، متابعة إدراج آثار العقوبات على تعميق الفقر وعدم المساواة بشكل نشط ومنهجي وقانوني ضمن أجندة العمل الدولي.



