الإمارات والهند وباكستان بعد حرب إيران: تحولات استراتيجية تعيد تشكيل موازين المنطقة

خلال أسبوعين فقط في أبريل، أغلقت الإمارات العربية المتحدة جميع قنوات الاعتماد المتبادل الطويلة التي ربطتها بباكستان.

ميدل ايست نيوز: خلال أسبوعين فقط في أبريل، أغلقت الإمارات العربية المتحدة جميع قنوات الاعتماد المتبادل الطويلة التي ربطتها بباكستان.

ففي 12 أبريل، بدأ عناصر أمن بملابس مدنية في دبي باحتجاز عمال باكستانيين، معظمهم من المسلمين الشيعة وكثير منهم يقيمون في الإمارات منذ عقود. كما سرّحت شركة الاتحاد للطيران 15 موظفاً باكستانياً بعد مهلة لم تتجاوز 48 ساعة.

وفي 23 أبريل، طالب صندوق أبوظبي للتنمية باكستان بسداد مليار دولار فوراً من أصل تسهيل مالي بقيمة 3.45 مليار دولار كان يجري تجديده باستمرار لسنوات من دون مشكلات. وتدخلت السعودية لاحقاً بإيداع 3 مليارات دولار. وكان تسلسل هذه الإجراءات متزامناً وعقابياً إلى درجة يصعب معها اعتباره مجرد تطور عابر. وما كانت باكستان تشهده هو توظيف الصداقة الطويلة كسلاح ضغط.

الحجة التي يطرحها هذا التحليل قد تكون غير مريحة، لكنها تبدو صعبة التجاهل. فالإمارات، على ما يبدو، قررت خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، ولا سيما منذ اندلاع الحرب الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة ضد إيران، أن باكستان لم تعد الشريك الذي كانت تحتاجه سابقاً، وأن الهند أصبحت البديل المفضل. ومع توفر هذا البديل، باتت أبوظبي قادرة على ممارسة الضغوط، وهي تستخدم الآن مختلف نقاط الاعتماد المتبادل، من العمالة والديون السيادية إلى الطيران والمشتريات، لدفع إسلام آباد إلى إعادة تموضعها السياسي.

والدرس الأوسع هنا هو أن الإمارات توظف موقعها كمركز إقليمي لاستخلاص تنازلات من شركائها، في استعراض واضح لقوة الترابط الاقتصادي والجغرافي. فأبوظبي مستعدة لاستخدام الاعتماد المتبادل كسلاح لإجبار قوى إقليمية متوسطة على الاصطفاف بوضوح إلى جانب مواقفها.

ويبدو أن موقفين اتخذتهما باكستان خلال عام واحد يفسران هذه الضغوط. الأول هو اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك التي وقعتها باكستان والسعودية في قصر اليمامة يوم 17 سبتمبر 2025، بعد ثمانية أيام من الضربات الإسرائيلية التي استهدفت مسؤولين من حماس في الدوحة. وتنص الاتفاقية على اعتبار أي اعتداء على أحد الطرفين اعتداءً على الطرف الآخر، مع غموض ضمني بشأن الردع النووي سعت إسلام آباد لاحقاً إلى التقليل من أهميته. وبالنسبة للسعودية مثل الاتفاق تنويعاً استراتيجياً، أما بالنسبة للإمارات، التي تتزايد خلافاتها مع الرياض بشأن اليمن وسياسات أوبك والقرن الأفريقي، فقد بدا الأمر وكأنه انحياز بعيداً عنها.

أما العامل الثاني فتمثل في ما أُفيد عن تسهيل باكستان لقنوات اتصال غير معلنة بين واشنطن وطهران خلال أسوأ مراحل النزاع الحالي، وفي إطار وقف إطلاق النار المؤقت الذي أُعلن في 8 أبريل. ومن منظور أبوظبي، التي تعرضت بحسب بعض التقديرات لأكثر من ألفي ضربة إيرانية، بدا الحياد الباكستاني أقرب إلى الخيانة منه إلى الدبلوماسية. ولخص الدبلوماسي الباكستاني السابق حسين حقاني هذا التباين بقوله: «صُدمت الإمارات لأن باكستان لم تدعمها ضد إيران، وصُدمت باكستان لأن الإمارات صُدمت».

وما تلا ذلك لم يكن مجرد رد دبلوماسي، بل استخداماً لمختلف الأدوات الاقتصادية والإجرائية المتاحة للإمارات. وكان سلاح العمالة هو الأبرز، إذ أعيد نحو 15 ألف مرحّل، معظمهم من الشيعة، إلى البنجاب وجلجت-بلتستان من دون سابق إنذار، مع تجميد حساباتهم المصرفية وتعطيل أرقام هوياتهم. ثم جاء الضغط المالي في 23 أبريل عندما طالب صندوق أبوظبي للتنمية باسترداد مليار دولار. كما تمثل الضغط المؤسسي في حملة التسريحات الجماعية التي نفذتها الاتحاد للطيران. وكانت الإمارات قد انسحبت بالفعل في يناير، بعد وقت قصير من زيارة الرئيس الإماراتي محمد بن زايد إلى الهند، من مشروع طويل الأمد لإدارة مطار إسلام آباد الدولي.

ومن وجهة نظر أبوظبي، فإن لهذه الإجراءات منطقها الخاص. فقيادة الإمارات ترى أن شريكها الأمني الأهم في جنوب آسيا اختار أولاً الاصطفاف مع الرياض ثم لعب دور الوسيط مع طهران. ويرى كاتب المقال أنه لا يمكن تفسير سياسة الترحيل، التي وصفها بأنها فرز طائفي جرى عبر مطارات الخليج، إلا في هذا السياق. وقد خلصت أبوظبي، بحسب التحليل، إلى أن الاعتماد المتبادل مع باكستان يجب أن يُستخدم لفرض سلوك معين لا لاستيعابه، وهو تحول مهم لا تبدو إسلام آباد حتى الآن قادرة على التعامل معه سوى عبر النفي الرسمي لاستهداف مواطنيها.

ولا يمكن لهذا النوع من الضغوط أن يكون فعالاً إلا إذا توفر بديل، وهنا تبرز السمة الثالثة للمشهد الجديد. فقد أمضت أبوظبي العامين الماضيين في بناء تقارب أيديولوجي مع نيودلهي يصعب على باكستان مجاراته. فالحكومتان تتبنيان موقفاً متشدداً تجاه الإسلام السياسي، وتفضلان البراغماتية التجارية على التضامن الديني، وتعتبران النفوذ الإقليمي الإيراني تحدياً رئيسياً. وأسفرت زيارة محمد بن زايد إلى نيودلهي في يناير عن اتفاق للغاز الطبيعي المسال بقيمة 3 مليارات دولار، وخطاب نوايا بشأن شراكة دفاعية، وإنهاء هادئ لمفاوضات مطار إسلام آباد خلال أسابيع.

كما أن التفاهم الثلاثي الناشئ بين الإمارات والهند وإسرائيل، والذي يشمل الأمن البحري وتطوير الطائرات المسيّرة وتبادل المعلومات الاستخباراتية، لا يترك مساحة مريحة لجيش باكستان الذي يركز ردعه أساساً على الهند. والمسار المرجح هو أن اقتصاد التحويلات المالية الباكستاني، الذي يعتمد على نحو مليوني عامل أرسلوا ما يقارب 8 مليارات دولار العام الماضي، لن يبقى بمنأى عن الحسابات السياسية. والسؤال المطروح هو ما إذا كان الانحياز الإماراتي نحو الهند أصبح خياراً دائماً أم أنه قد يتراجع إذا هدأت التوترات بين طهران والرياض. لكن التجارب تشير إلى أن البدائل، بمجرد ترسيخها، نادراً ما يتم التخلي عنها.

ويتمثل أقوى رد على هذه القراءة في أن وصف ما يجري بـ«التسليح» قد يكون مبالغاً فيه، وأن الأمر لا يعدو كونه فتوراً مؤقتاً في علاقة لا تزال قوية من الناحية الهيكلية. فحجم التبادل التجاري بين البلدين تجاوز 10 مليارات دولار، وما زال نحو مليوني باكستاني يعيشون في الإمارات، كما أن عقوداً من الاستثمارات والعلاقات العائلية تربط الاقتصادين ببعضهما. وقد تعود العلاقة إلى نمطها التقليدي من الخلافات والتسويات بعد انحسار التوتر الإقليمي. بل إن صحفياً كشميرياً ذكر على وسائل التواصل الاجتماعي في 19 مايو أن الإمارات تواصلت بهدوء مع إسلام آباد سعياً لإعادة تنشيط العلاقات.

ومع ذلك، فإن تزامن إجراءات أبريل وحجم حملة الترحيل وطابعها الطائفي، كلها مؤشرات يرى الكاتب أنها تدل على وجود قرار مقصود لا مجرد تطور عفوي. وعندما يُستخدم الاعتماد المتبادل كسلاح مرة واحدة، فإن أي تفاوض لاحق يجري على أساس إمكانية استخدامه مجدداً.

وأمام إسلام آباد ثلاث أولويات أساسية. أولها تنويع أسواق العمل عبر إبرام اتفاقات تنقل مع دول خليجية أخرى وأجزاء من أفريقيا الشرقية وشرق آسيا لتقليل الاعتماد على سوق واحدة. وثانيها تعزيز الاحتياطيات المالية، إذ أظهرت أزمة أبريل أن التسهيلات السيادية الودية يمكن أن تتحول إلى مطالبات مفاجئة بالسداد، ما يستدعي التركيز على الدعم متعدد الأطراف واتفاقات المبادلة مع بكين والرياض. أما الأولوية الثالثة فهي إنشاء قناة اتصال هادئة مع أبوظبي تهدف إلى تعزيز القدرة على التنبؤ بالأزمات المقبلة أكثر من السعي إلى المصالحة المباشرة.

باكستان أصبحت أول دولة في جنوب آسيا تكتشف معنى أن تتحول الأجور وتحويلات العمال والتسهيلات السيادية وتصاريح العمل إلى أدوات ضغط سياسية في وقت واحد، وربما لن تكون الأخيرة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
بواسطة
ميدل ايست نيوز
المصدر
Stimson

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين − تسعة =

زر الذهاب إلى الأعلى