الصحافة الإيرانية: مذكرة التفاهم مع أمريكا فرضت إرادة طهران ومنحتها مكاسب استراتيجية

قال خبير في العلاقات الدولية إن مذكرة التفاهم المؤلفة من 14 بنداً بين إيران والولايات المتحدة لإنهاء الحرب تمثل دليلاً على ما وصفه بـ«الانتصار التاريخي» لإيران.

ميدل ايست نيوز: قال خبير في العلاقات الدولية وعضو الهيئة التدريسية في كلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة طهران إن مذكرة التفاهم المؤلفة من 14 بنداً بين إيران والولايات المتحدة لإنهاء الحرب تمثل دليلاً على ما وصفه بـ«الانتصار التاريخي» لإيران.

وأوضح فردين قريشي، في حديث لوكالة خبر أونلاين، أن الولايات المتحدة كانت تسعى في بداية الحرب إلى فرض استسلام غير مشروط على إيران أو إسقاط النظام الإيراني خلال أيام قليلة وتنصيب حكومة موالية لها لفرض مطالبها المتعلقة بالبرنامج النووي والقدرات الصاروخية والنفوذ الإقليمي، إلا أنها عادت إلى طاولة المفاوضات وقبلت، بحسب قوله، بمواقف إيران التي كانت مطروحة قبل الحرب، إضافة إلى الاعتراف بحقوق جديدة لطهران، من بينها ما يتعلق بمضيق هرمز وتمويل إعادة الإعمار.

وأضاف أن هذا التحول جاء نتيجة عدة عوامل، أبرزها استراتيجية الدفاع غير المتماثل التي اتبعتها إيران، ونجاح القوات المسلحة في السيطرة على مضيق هرمز، وصمود المجتمع الإيراني ومشاركته في الدفاع عن البلاد، إلى جانب ما وصفه بتزايد الكلفة الاقتصادية للحرب على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي.

وأكد قريشي أن مفهوم الانتصار من منظور المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية يقوم على فرض الإرادة على الخصم وتحقيق مكاسب استراتيجية ملموسة، معتبراً أن إيران نجحت في تحقيق الأمرين معاً.

إدراج المطالب الإيرانية في الاتفاق

وأشار إلى أن مذكرة التفاهم أخذت في الاعتبار جانباً مهماً من المصالح الإيرانية ومطالب النظام السياسي، موضحاً أن الاتفاق يتضمن الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة وتعليق العقوبات النفطية على المدى القصير.

وأضاف أن رفع العقوبات بصورة كاملة سيصبح ممكناً في حال نجاح المفاوضات اللاحقة، كما أن الولايات المتحدة التزمت، وفقاً للمذكرة، بوضع آلية لتوفير 300 مليار دولار مخصصة لإعادة الإعمار والتنمية في إيران.

وتابع أن الاتفاق تضمن أيضاً بنوداً تتعلق بامتناع الولايات المتحدة عن اتخاذ إجراءات تمس السيادة أو الأمن القومي الإيراني، وانسحاب إسرائيل من لبنان، والاعتراف بالإدارة المشتركة بين إيران وسلطنة عمان لمضيق هرمز، معتبراً أن هذه البنود تغطي جانباً مهماً من المطالب الأمنية والاقتصادية الإيرانية.

إيران حققت مكاسب أكبر

ورأى الخبير الإيراني أن إيران كانت الطرف الأكثر استفادة من مذكرة التفاهم، موضحاً أن التنازل الرئيسي الذي قدمته طهران يتمثل في التزامها بعدم تصنيع أو حيازة سلاح نووي.

وأضاف أن إيران لم تتخل عن حقها في تخصيب اليورانيوم، كما أنها لم توافق على إخراج مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة من البلاد، بل قبلت فقط بخفض مستوى التخصيب داخل الأراضي الإيرانية.

وأشار إلى أن هذه البنود كانت مطروحة أصلاً خلال المفاوضات السابقة للحرب، ما يعني، بحسب رأيه، أن الحرب لم تفرض على إيران تنازلات جديدة، في حين تراجعت الولايات المتحدة عن عدد من مطالبها السابقة.

قرار التوقيع صدر ضمن مؤسسات النظام

وأكد أن توقيع مذكرة التفاهم لم يكن قراراً صادراً عن الحكومة وحدها، بل جاء ضمن الآليات الرسمية المعتمدة في الجمهورية الإسلامية.

وأوضح أن الاتفاق حظي بموافقة المجلس الأعلى للأمن القومي، وأن قرارات هذا المجلس لا تكتسب الصفة النهائية إلا بعد مصادقة المرشد الإيراني عليها، معتبراً أن الحديث عن وجود تعارض بين موقف الحكومة وموقف النظام في هذا الملف لا يستند إلى أسس واقعية.

وأضاف أن الحكومة جزء من بنية النظام السياسي ولا تملك صلاحية اتخاذ مثل هذه القرارات بشكل منفرد، بل تعمل ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية المعتمدة.

وأشار إلى أن اختلاف الآراء الشخصية بين المسؤولين أمر طبيعي، إلا أن الجميع ملتزمون في النهاية بالقرار الصادر عن مؤسسات صنع القرار الرسمية.

الاحتجاجات تعكس تعددية الآراء

وفي ما يتعلق بالاحتجاجات والاعتراضات التي شهدتها الساحة السياسية ضد شخصيات مثل محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي ومسعود بزشكيان قبيل توقيع الاتفاق وبعده، اعتبر قريشي أن هذه التحركات تعكس وجود مساحة لتعدد الآراء والمواقف داخل البلاد.

وأوضح أن تنوع الآراء ناتج عن اختلاف المصالح والتوجهات الاجتماعية، وهو أمر طبيعي في أي مجتمع، مضيفاً أن وجود تيارات معارضة للاتفاق قد يمنح المفاوض الإيراني هامشاً أكبر للحصول على تنازلات من الطرف المقابل، لأن الخصم يدرك حدود المرونة السياسية المتاحة أمامه داخلياً.

لكنه شدد على أن هذا التنوع يجب ألا يتحول إلى صراعات داخلية أو إلى إضعاف وحدة البلاد في مواجهة التحديات الخارجية، محذراً من أن مثل هذا المسار قد يؤدي إلى نتائج خطيرة.

التفاؤل باستمرار الاتفاق

وأعرب قريشي عن تفاؤله بإمكانية استمرار الاتفاق، معتبراً أن السبب الرئيسي وراء انهيار التفاهمات السابقة كان غياب التوازن في موازين القوة بين الأطراف.

وقال إن قدرة إيران الحالية على التحكم في مضيق هرمز تشكل ضمانة مهمة لإلزام الطرف الآخر بتنفيذ التزاماته، موضحاً أن خصوم إيران يدركون أن أي إخلال بالتعهدات هذه المرة ستكون له كلفة كبيرة.

وأضاف أن هذا الواقع قد يدفع الولايات المتحدة إلى إعادة النظر بصورة جوهرية في سياستها تجاه إيران، والانتقال من محاولة تغيير النظام أو فرض تغيير سلوكه إلى القبول بوجود الجمهورية الإسلامية كدولة مستقلة والبحث عن مجالات للتعاون والشراكة معها.

وأشار إلى أن هذا المسار يعتمد أيضاً على توجهات القيادة الإيرانية وقراراتها المستقبلية.

ورأى أن إيران تستطيع، إذا توفرت الضمانات الكافية لأمنها القومي، أن تسلك مساراً مشابهاً لما قامت به الصين عندما اتجهت نحو توسيع تعاونها الاقتصادي مع الغرب بعد حصولها على قدر من الاطمئنان الأمني، ما مكنها من التحول إلى المنافس الرئيسي للولايات المتحدة على الساحة الدولية.

وأضاف أن الظروف الجديدة قد تتيح لإيران الانطلاق نحو مرحلة من التنمية والازدهار الاقتصادي من موقع قوة، والاستفادة من الفرص التي توفرها علاقاتها الخارجية لتعزيز موقعها وتحقيق أهدافها المستقبلية.

وختم بالقول إن هذا التوجه يواجه تحديات وعقبات عدة، يأتي في مقدمتها، بحسب وصفه، الدور الذي تلعبه إسرائيل في محاولة عرقلة أي مسار يؤدي إلى استقرار العلاقات أو تعزيز فرص التعاون.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 + 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى