الصحافة الإيرانية: أردوغان يحيي سكة حديد الحجاز.. طريق عثماني جديد يتحدى مضيق هرمز ويواجه المشروع الإسرائيلي

تشهد منطقة غرب آسيا اليوم موجة من مشاريع النقل العملاقة، من بينها مشروع سكة حديد الخليج الذي يهدف إلى ربط الدول الست بحلول عام 2028، إضافة إلى مشروع "نيوم" السعودي ومشروع "طريق التنمية" العراقي.

ميدل ايست نيوز: يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إحياء مسار تاريخي يربط تركيا بالدول العربية في الخليج بوصفها دولة مسلمة. ويعود مشروع سكة حديد الحجاز إلى عام 1900 عندما طرحه السلطان عبد الحميد الثاني، فيما افتتح الخط الممتد بين دمشق والحجاز بطول 1322 كيلومتراً في الأول من سبتمبر/أيلول 1908، بهدف ربط الولايات العثمانية المتباعدة، وتسهيل الإمدادات العسكرية، وتعزيز الوحدة الإسلامية تحت راية الخلافة.

تكتب صحيفة شرق الإيرانية في مقال لها: في أواخر القرن التاسع عشر، ومع دخول السفن البخارية إلى الخدمة وافتتاح قناة السويس، أصبح هناك طريق بحري آمن لنقل الحجاج من الأناضول إلى الحجاز. وفي تلك الفترة كانت الهند، الخاضعة للاستعمار البريطاني، تضم أكبر عدد من المسلمين في العالم، ما منح توسع خطوط الملاحة البخارية والتنافس بين بريطانيا والدولة العثمانية على إدارة رحلات الحج أهمية جيوسياسية. لذلك سعى السلطان عبد الحميد إلى إنشاء سكة حديد الحجاز لكسب هذا التنافس. ورغم تعرض الخط لاحقاً للتدمير خلال تمرد القبائل العربية، فإن تركيا وسوريا والأردن والسعودية تسعى اليوم إلى إحياء هذا المسار التاريخي.

وأعلنت وزارة النقل التركية، في سبتمبر/أيلول الماضي، أن اجتماعاً ثلاثياً عقد في العاصمة الأردنية عمّان مع وزيري النقل السوري والأردني شهد “اتخاذ أول خطوة عملية لإعادة تشغيل سكة حديد الحجاز”. وبموجب الاتفاق، ستبدأ الدول الثلاث، بدعم فني تركي، إعادة تأهيل مقطع بطول 30 كيلومتراً من الخط الرئيسي داخل الأراضي السورية، كما ستُشكل لجان مشتركة لتسهيل الوصول إلى الممرات الدولية عبر تركيا، ولا سيما إلى ميناء العقبة الأردني.

كما وقعت الدول الثلاث خلال الاجتماع مسودة مذكرة تفاهم شاملة للتعاون في مجالات النقل بالسكك الحديدية والطرق وتطوير الممرات، وكان من أبرز نتائجها استئناف النقل البري بين تركيا والأردن عبر الأراضي السورية بعد انقطاع دام 13 عاماً.

وتعمل لجنة فنية مستقلة أيضاً على دراسة سبل تعزيز ارتباط تركيا بالبحر الأحمر عبر ميناء العقبة، في خطوة قد توسع وصول أنقرة إلى الأسواق الإفريقية، وفي المقابل تتيح للأردن وسوريا الارتباط بالممرات الأوروبية والآسيوية عبر تركيا.

ويمثل مشروع سكة حديد الحجاز بالنسبة لتركيا أكثر من مجرد مشروع للبنية التحتية، إذ يعد رمزاً لمفاهيم “العثمانية الجديدة” و”الوحدة الإسلامية”، ويهدف إلى ترسيخ مكانة تركيا قوةً إقليميةً رئيسية. كما أن حرب إيران دفعت تركيا والدول العربية إلى تسريع البحث عن مسارات بديلة للنقل والتجارة.

وأدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران إلى إغلاق مضيق هرمز وتعطيل جزء كبير من صادرات النفط للدول العربية، ما تسبب في ارتفاع أسعار النفط من نحو 60 دولاراً إلى 117 دولاراً للبرميل. ودفع ذلك دول الخليج إلى الإسراع في البحث عن بدائل للمضيق.

وفي المقابل، أعلن مسؤولون أتراك صراحة أن سكة حديد الحجاز يمكن أن تصبح بديلاً لمضيق هرمز. ونقلت شبكة “تي آر تي” عن وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو قوله إن أنقرة تعتزم تحديث خط سكة حديد الحجاز التاريخي ومده حتى سلطنة عُمان، بهدف إنشاء مسار تجاري بديل لمضيق هرمز.

وأوضح أن المرحلة الأولى من المشروع تتضمن ربط تركيا بمدينة حلب، مع الاستفادة من شبكة السكك الحالية الممتدة بين حلب ودمشق والأردن، مشيراً إلى استمرار المفاوضات مع المسؤولين السعوديين.

وأضاف أن الهدف النهائي يتمثل في تمديد الخط إلى سلطنة عُمان والوصول إلى المحيط، معتبراً أن هذا المسار يمكن أن يشكل بديلاً استراتيجياً لمضيق هرمز.

غير أن أكبر عقبة تواجه المشروع تتمثل في الوضع داخل سوريا، حيث دمرت الحرب الأهلية البنية التحتية للسكك الحديدية، وأصبحت الجسور والمحطات بحاجة إلى إعادة إعمار كاملة. إلا أن التحدي الأبرز يبقى سياسياً، إذ إن تحول سوريا إلى دولة اتحادية قد يضعف وحدتها الجغرافية، بينما قد ترفض المجموعات الدرزية في الجنوب والقوات الكردية في الشمال الشرقي العودة إلى نموذج الحكم المركزي في دمشق، في حين أن فرض نموذج موحد بالقوة قد يقود إلى اندلاع صراع جديد. وسيحدد مستقبل نظام الحكم في سوريا، سواء كان اتحادياً أو مركزياً، ما إذا كانت القطارات ستتمكن من العبور بحرية عبر أراضيها.

وليست هذه المرة الأولى التي تسعى فيها تركيا لإحياء سكة حديد الحجاز، إذ اتفقت تركيا والسعودية عام 2009 على إعادة تأهيل الخط، وأعلن وزير النقل التركي آنذاك بن علي يلدريم أن المشروع سيكتمل عندما تتعاون تركيا والأردن وسوريا والسعودية، إلا أن التطورات السياسية في المنطقة حالت دون تنفيذه.

كما تقدمت السعودية عام 2015 بطلب لإدراج هذا المسار على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، لكن الظروف السياسية أدت مجدداً إلى تجميد المشروع.

وتشهد منطقة غرب آسيا اليوم موجة من مشاريع النقل العملاقة، من بينها مشروع سكة حديد الخليج الذي يهدف إلى ربط الدول الست بحلول عام 2028، إضافة إلى مشروع “نيوم” السعودي ومشروع “طريق التنمية” العراقي الذي يسعى إلى تحويل العراق إلى محور للنقل بين آسيا وأوروبا.

وبالتوازي مع مشروع سكة حديد الحجاز، تمضي تركيا في تنفيذ مشروع نقل آخر داخل العراق يحمل اسم “طريق التنمية”، والذي قد يشكل بديلاً للممر الإيراني الشمال-الجنوب.

وقال وزير النقل التركي إن المشروع يمتد لمسافة 1200 كيلومتر من خليج البصرة إلى الحدود التركية، وقد استكملت مرحلة التصميم، مضيفاً أن هذا الممر، الذي يشمل طرقاً سريعة وخطوط سكك حديدية وشبكات للطاقة والاتصالات، سينفذ بتمويل دولي وبمشاركة الإمارات وقطر والعراق وتركيا.

إسرائيل في منافسة مباشرة مع تركيا

تسعى إسرائيل إلى ربط الدول العربية بموانئها لفتح مسار لنقل الطاقة من الدول العربية وغرب آسيا إلى أوروبا.

وتركز إسرائيل اهتمامها على مشروع سكة حديد الخليج، الذي بدأ العمل عليه بهدوء منذ عام 2009، وأصبح اليوم أحد أبرز ملفات النقاش بين قادة دول الخليج.

ويبلغ طول هذا الخط 2177 كيلومتراً، ويمر عبر دول الخليج، ليرتبط من جهة بالهند، ومن جهة أخرى بميناء حيفا في إسرائيل.

وفي هذا الإطار، أجرت الهند والسعودية والإمارات وإسرائيل خلال السنوات الأخيرة سلسلة من المباحثات حول المشروع المعروف باسم “الممر الغذائي الهندي – الشرق الأوسط”، ولا سيما بعد إطلاق مسار “اتفاقيات أبراهام” بين إسرائيل وعدد من الدول العربية.

وتسعى الهند، بوصفها إحدى أكبر القوى الزراعية والاقتصادية في العالم، من خلال المشروع إلى تحسين إدارة مواردها المائية وتحديث قطاعها الزراعي، فيما تقدم إسرائيل، التي تعد من أكثر الدول تقدماً في مجال الزراعة الصناعية، الدعم الفني في هذا المجال، إضافة إلى سعيها لإنشاء محطات للطاقة الشمسية في الهند لتحسين كفاءة استهلاك الطاقة. كما وقعت إسرائيل اتفاقيات مشتركة مع الإمارات والسعودية في قطاع الطاقة.

وبلغ التنافس بين تركيا وإسرائيل على طرق التجارة الإقليمية مستوى دفع إسرائيل إلى إعلان معارضتها الصريحة للمشاريع التركية، واتخاذ قرار بالاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن في خطوة وصفت بأنها انتقام سياسي، بينما أكدت تركيا رفضها لهذا القرار، مشددة على أنها ستواصل تنفيذ مشاريعها الطموحة في مجال النقل.

ويبدو هذا التنافس، من الناحية الظاهرية، في صالح تركيا بحكم قربها الأيديولوجي من الدول العربية الخليجية، إلا أن المسار الذي اختارته إسرائيل للربط مع الدول العربية يبدو أكثر أمناً، وهو ما منحها فرصة أكبر لتعزيز علاقاتها مع دول الخليج.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 − 6 =

زر الذهاب إلى الأعلى