الصحافة الإيرانية: العراق وسوريا ولبنان في قلب الاستراتيجية الأمريكية الجديدة
تكشف التطورات في قطاع الطاقة أن الاستراتيجية الأمريكية تجاه العراق وسوريا لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تستند أيضًا إلى أبعاد اقتصادية وجيوسياسية.

ميدل ايست نيوز: دخل ملف لبنان وطبيعة المواجهة بين إسرائيل وحزب الله في جنوب البلاد مرحلة معقدة وحساسة، فبالرغم من أن الاتفاق الإطاري والانخفاض النسبي في مستوى المواجهات ساهما في تخفيف حدة الأزمة، فإن التطورات الميدانية والسياسية تشير إلى أن الهدوء القائم لا يزال هشًا ومؤقتًا.
وقال الکاتب والصحافي الإيراني رامين برتو، في مقال لموقع توسعه إيراني، إن استمرار العمليات العسكرية المتفرقة والموجهة في جنوب لبنان إلى جانب التقارير عن خروقات وقف إطلاق النار وغياب أفق واضح للمرحلة التالية من المفاوضات، سيؤدي إلى تصاعد المخاوف من أن يواجه الاتفاق الحالي خطر الانهيار إذا استمرت الأوضاع على حالها.
وفي هذا السياق، أعادت التقارير التي تحدثت عن احتمال استقالة سيمون كرم، رئيس الوفد اللبناني المفاوض، تسليط الضوء على صعوبة المسار الدبلوماسي بين الأطراف المعنية.
وتشير المعطيات إلى أن كرم أبدى منذ بداية المفاوضات تحفظات على مسارها، لكنه واصل عمله إلى جانب الرئيس اللبناني جوزيف عون. إلا أن تقديرات عدد من المسؤولين اللبنانيين باتت تميل إلى أن الظروف السياسية والميدانية الحالية تفرض قيودًا كبيرة على إمكانية تنفيذ الاتفاقات التي تم التوصل إليها.
محاولة ترامب إدخال سوريا إلى ملف حزب الله
ويعد طرح احتمال إشراك سوريا في مواجهة حزب الله أحد أبرز التطورات الجديدة في هذا الملف.
وادعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز”، أن أحمد الشرع، مستعد للتحرك ضد حزب الله، مشيرًا إلى احتمال منح دمشق “الضوء الأخضر” لتنفيذ مثل هذه الخطوة، معتبرًا أن الشرع قادر على التعامل مع حزب الله بطريقة مختلفة، وأكثر دقة من إسرائيل.
ولا يمكن النظر إلى هذه التصريحات على أنها مجرد موقف سياسي عابر، إذ تتحدث واشنطن عن احتمال توظيف سوريا ضد حزب الله في وقت تسعى فيه دمشق إلى تثبيت نظامها السياسي الجديد والخروج من عزلتها الإقليمية، بينما تواجه في الوقت نفسه تحديات أمنية واقتصادية وسياسية متعددة.
ومن ثم، فإن انخراط سوريا المباشر في الملف اللبناني ومواجهة حزب الله قد يفرض على حكومة الشرع كلفة باهظة.
وفي هذا الإطار، تكتسب النصائح العراقية الموجهة إلى دمشق أهمية خاصة، إذ طالبت بغداد سوريا بعدم الانخراط في الملف اللبناني، محذرة من أن أي تحرك ضد حزب الله أو الشيعة في لبنان انطلاقًا من الأراضي السورية قد يواجه برد من فصائل المقاومة العراقية.
ويعكس هذا الموقف أن محاولة تحويل سوريا إلى طرف عسكري في مواجهة حزب الله قد توسع نطاق الأزمة إلى ما يتجاوز لبنان وسوريا، لتشمل العراق أيضًا.
ويطرح ذلك سؤالًا رئيسيًا حول أسباب سعي ترامب إلى استخدام سوريا والقوات التابعة للشرع في مواجهة حزب الله.
ويبدو أن الإجابة تكمن في محاولة واشنطن إعادة توزيع أعباء الأمن وكلفته في المنطقة.
فخلال السنوات الأخيرة، سعت الولايات المتحدة إلى تجنب الانخراط العسكري المباشر والمكلف في حروب الشرق الأوسط، مفضلة الاعتماد على أطراف محلية لإدارة التهديدات الأمنية.
ومن هذا المنطلق، تمثل سوريا بالنسبة لواشنطن أداة محتملة، إذ يمنحها موقعها الجغرافي المحاذي للبنان قدرة على التأثير في خطوط الإمداد والاتصالات الخاصة بحزب الله.
غير أن التحدي الرئيسي يتمثل في إقناع دمشق بأن فوائد التعاون مع الولايات المتحدة تفوق كلفة المواجهة مع حزب الله وحلفائه الإقليميين.
الطاقة ومضيق هرمز… العراق وسوريا شريكان جديدان لواشنطن
وفي موازاة الملف اللبناني، تكشف التطورات في قطاع الطاقة أن الاستراتيجية الأمريكية تجاه العراق وسوريا لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تستند أيضًا إلى أبعاد اقتصادية وجيوسياسية.
ففي ظل هشاشة صادرات الطاقة الإقليمية بسبب الأوضاع في مضيق هرمز، اتجهت واشنطن إلى دعم مسارات بديلة لنقل النفط والغاز، بما يقلل اعتماد العراق وغيرها من الدول المنتجة على هذا الممر الاستراتيجي.
ويحتل العراق موقعًا محوريًا في هذه الاستراتيجية، باعتباره أحد أكبر منتجي النفط في العالم وعضوًا في منظمة أوبك، رغم أن جزءًا كبيرًا من صادراته لا يزال يعتمد على المسارات البحرية.
وفي ظل تحول مضيق هرمز إلى إحدى أكثر نقاط تجارة الطاقة حساسية، فإن إنشاء مسارات بديلة يحمل أهمية استراتيجية لكل من بغداد وواشنطن وشركات الطاقة الغربية.
وفي هذا الإطار، تندرج الاتفاقيات الواسعة الموقعة بين العراق والشركات الأمريكية والغربية في مجالات النفط والغاز والبنية التحتية للطاقة ضمن مشروع أشمل.
وخلال المنتدى التجاري العراقي الأمريكي، طُرحت اتفاقيات ومذكرات تفاهم تتجاوز قيمتها 60 مليار دولار، مع توسع دور شركات مثل “شيفرون” و”كونوكو فيليبس” في مشاريع الطاقة العراقية.
وتزداد أهمية هذه التطورات مع طرح مشروع إعادة إحياء خط أنابيب النفط العراقي – السوري، إذ يمكن لهذا الخط، بعد إعادة تأهيله، نقل النفط العراقي إلى سواحل البحر المتوسط، بما يقلل اعتماد بغداد على مسارات التصدير عبر مضيق هرمز.
وتشير التقديرات إلى أن الطاقة الأولية لهذا الخط بعد إعادة تشغيله قد تصل إلى نحو مليوني برميل يوميًا.
وتحقق هذه الاستراتيجية للولايات المتحدة عدة أهداف في آن واحد؛ فهي تعزز ارتباط العراق بالاقتصاد والاستثمارات الغربية، وتحول سوريا من دولة غارقة في الأزمات إلى جزء من ممر محتمل لنقل الطاقة، كما قد تحد، على المدى البعيد، من الأهمية الجيوسياسية لإيران في معادلات الطاقة الإقليمية، ولا سيما إذا نجحت المسارات البديلة في تقليص الاعتماد على مضيق هرمز.
نظرة إسرائيل والمنطقة إلى المشروع الأمريكي
وقد تنظر إسرائيل إلى البعد الاقتصادي والطاقة في هذا المشروع من زاوية مختلفة، إذ إن تحويل سوريا إلى ممر لنقل الطاقة وإعادتها تدريجيًا إلى الشبكة الاقتصادية الإقليمية قد يسهم في تعزيز موقع دمشق.
ومن المرجح أن تؤيد تل أبيب التعاون الاقتصادي بين سوريا والغرب، لكنها ستسعى في الوقت ذاته إلى منع هذا التعاون من أن يؤدي إلى تعزيز قدرات الدولة السورية أو استعادة نفوذها الإقليمي بصورة كبيرة.
أما دول الخليج العربية، فترحب بتطوير مسارات بديلة للطاقة، لأن تقليل الاعتماد على مضيق هرمز يمثل بالنسبة إليها أولوية استراتيجية تتعلق بأمن الطاقة والتجارة العالمية.
لكنها تدرك أيضًا أن محاولة تقليص دور إيران من دون إنشاء منظومة أمنية مستقرة قد تؤدي إلى زيادة التوترات الإقليمية.
وفي المقابل، يرجح أن يكون موقف تركيا الأكثر تعقيدًا، إذ تسعى أنقرة من جهة إلى ترسيخ نفوذها في سوريا والمشاركة في ترتيباتها الجديدة، لكنها من جهة أخرى لا ترغب في أن تتحول سوريا إلى ساحة لتنفيذ السياسات الأمريكية والإسرائيلية.
كما ترحب تركيا بإنشاء ممرات جديدة للطاقة، لكنها قد تنظر بحذر إلى أي مسارات تُقام من دون مشاركتها، وتربط سوريا مباشرة بالبحر المتوسط والأسواق الغربية، لأن ذلك قد يقلل من أهمية موقعها كمركز إقليمي لعبور الطاقة.
وفي المحصلة، فإن المشروع الذي يتبلور حاليًا لا يقتصر على استهداف حزب الله، ولا يقتصر أيضًا على الجوانب الاقتصادية، بل يعكس استراتيجية أمريكية جديدة تقوم على دمج ملفات الطاقة والأمن والسياسة الإقليمية ضمن إطار واحد.
اقرأ ايضا
منافس جديد لإيران.. هل تعيد سوريا رسم خريطة الطاقة بعيداً عن هرمز؟



