منافس جديد لإيران.. هل تعيد سوريا رسم خريطة الطاقة بعيداً عن هرمز؟
في ظل التوترات المستمرة في الخليج، والبحث العالمي عن مسارات بديلة للطاقة، تبدو سوريا وكأنها تحاول استعادة موقع فقدته منذ سنوات.
ميدل ايست نيوز: منذ سنوات طويلة، ارتبطت خرائط الطاقة في الشرق الأوسط بمضيق هرمز باعتباره الشريان الأهم لتجارة النفط العالمية، إلا أن التطورات الإقليمية الأخيرة، وما رافقها من اضطرابات في الملاحة البحرية وتزايد المخاوف من إغلاق المضيق أو تقييد حركة العبور فيه، دفعت عدداً من الدول والشركات إلى البحث عن بدائل جديدة تقلل الاعتماد على هذا الممر الحيوي.
وفي هذا السياق، تبدو سوريا اليوم وكأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها ساحة جديدة للاستثمار في قطاع الطاقة، وممراً محتملاً لمشروعات الغاز والنفط، بعد سنوات طويلة من الحرب والعقوبات وتراجع الإنتاج.
فعودة الشركات الغربية والأميركية إلى قطاع الطاقة السوري لم تعد مجرد تكهنات، بل بدأت تتحول إلى اتفاقيات ومذكرات تفاهم ومشروعات ميدانية، الأمر الذي يثير تساؤلات حول ما إذا كانت دمشق تسعى بالفعل إلى منافسة إيران واستعادة موقعها التاريخي في معادلة الطاقة الإقليمية، وربما منافسة بعض الممرات التقليدية في المستقبل.
وشهدت الأسابيع الأخيرة توقيع اتفاق بين الشركة السورية للنفط وشركتي «كونوكو فيليبس» الأميركية و«نوفاتيرا إنيرجي»، لتطوير حقول غاز قائمة والبحث عن مكامن جديدة، في أول دخول واسع لشركة أميركية كبرى إلى قطاع الطاقة السوري منذ سنوات طويلة.
ويأتي الاتفاق بعد أشهر من التفاهمات التي شملت شركات دولية أخرى، من بينها «قطر للطاقة» و«توتال» وشركات غربية تعمل في مجالات الاستكشاف والخدمات النفطية، في مؤشر واضح على بدء مرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي في قطاع الطاقة.
وبحسب المعلومات المتوافرة، فإن الاتفاق الجديد يركز على تطوير عدد من الحقول البرية، وإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة، وزيادة الإنتاج المحلي من الغاز، إلى جانب إدخال تقنيات حديثة وتدريب الكوادر السورية.
وتشير التقديرات إلى أن سوريا تحتاج يومياً إلى نحو 18 مليون متر مكعب من الغاز لتلبية احتياجات قطاع الكهرباء والقطاعات الصناعية، في حين لا يزال الإنتاج الحالي بعيداً عن هذه المستويات.
وكان إنتاج الغاز السوري قبل اندلاع الحرب في عام 2011 يقترب من 30 مليون متر مكعب يومياً، إلا أن سنوات النزاع والعقوبات والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية أدت إلى تراجع الإنتاج بصورة كبيرة، ما جعل البلاد تعتمد على الواردات لتغطية جزء من احتياجاتها.
وتقدر بعض المصادر أن الإنتاج الحالي يدور حول 4 إلى 5 ملايين متر مكعب يومياً، مع إمكانية ارتفاعه تدريجياً خلال السنوات المقبلة إذا نجحت خطط التطوير والاستثمار.
وتشير المعطيات إلى أن الاتفاقات الجديدة قد ترفع الإنتاج إلى ما بين 13 و15 مليون متر مكعب يومياً على مراحل، وهو ما قد يساهم في تقليص فجوة الطاقة وتخفيف الاعتماد على الاستيراد.
إلا أن أهمية هذه الاتفاقيات لا ترتبط فقط بكميات الغاز المتوقعة، بل أيضاً برسائلها السياسية والاقتصادية.
فشركة «كونوكو فيليبس» تعد واحدة من أكبر شركات النفط والغاز في العالم، وتبلغ قيمتها السوقية أكثر من 130 مليار دولار، وقرارها دخول السوق السورية يعكس تغيراً في تقييم المخاطر المرتبطة بالاستثمار داخل البلاد.
كما أن دخول شركة أميركية بهذا الحجم يحمل دلالات تتجاوز قطاع الطاقة نفسه، إذ يشير إلى وجود بيئة سياسية واقتصادية جديدة تسمح بعودة المستثمرين الدوليين إلى سوريا بصورة تدريجية.
وفي الوقت نفسه، يبدو أن القيادة السورية الجديدة تضع ملف الطاقة في قلب استراتيجيتها الاقتصادية والخارجية.
فالرئيس أحمد الشرع يسعى إلى جذب الشركات الأجنبية والاستثمارات الغربية، مع التركيز على تحويل قطاع الطاقة إلى أحد أهم مصادر الدخل وإعادة الإعمار.
وتسعى دمشق أيضاً إلى استثمار التحولات الإقليمية التي أعقبت الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران وما رافقها من اضطرابات في مضيق هرمز، إذ برزت خلال الأشهر الأخيرة أفكار تتعلق بإحياء دور سوريا كممر بري للطاقة.
وقبل سنوات الحرب، كانت الأراضي السورية تشكل جزءاً مهماً من شبكات نقل النفط والغاز في المنطقة، كما لعبت دوراً في نقل النفط العراقي إلى البحر المتوسط.
واليوم، ومع تزايد المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة في الخليج، تعود هذه الأفكار إلى الواجهة من جديد.
ومع ذلك، فإن الحديث عن منافسة سوريا لمضيق هرمز لا يزال سابقاً لأوانه.
فهرمز يبقى أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ويعبر من خلاله جزء كبير من صادرات النفط العالمية، في حين أن سوريا لا تزال في بداية مرحلة إعادة بناء قطاعها الطاقوي.
لكن ما يمكن ملاحظته هو أن دمشق تحاول استغلال اللحظة الإقليمية الحالية لتقديم نفسها بوصفها جزءاً من الحلول المستقبلية المتعلقة بالطاقة والنقل.
كما أن الشركات الكبرى تبدو مهتمة بالحضور المبكر داخل السوق السورية قبل استقرار المشهد الاستثماري وتوزيع الأصول والمشروعات الكبرى.
ومن الناحية الاقتصادية، يمكن أن يساهم تطوير قطاع الغاز في تحسين توليد الكهرباء، وخفض الواردات، وتقليل الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي، إضافة إلى توفير فرص عمل جديدة في مناطق الإنتاج.
كما أن زيادة الإمدادات المحلية قد تنعكس على القطاع الصناعي، ولا سيما الصناعات الثقيلة والإسمنت والأسمدة والمخابز، التي تعتمد بصورة كبيرة على الطاقة.
إلا أن الطريق لا يزال طويلاً.
فالبنية التحتية تعرضت لأضرار واسعة خلال سنوات الحرب، كما تحتاج الحقول وخطوط الأنابيب ومحطات المعالجة إلى استثمارات بمليارات الدولارات.
كذلك، فإن عودة الشركات الأجنبية لا تعتمد فقط على العقود الموقعة، بل ترتبط أيضاً بالاستقرار السياسي والأمني، ووضوح التشريعات، وضمانات الاستثمار، وإمكانية تحويل الأرباح.
وتبقى هناك تحديات أخرى تتعلق بقدرة الاقتصاد السوري على الاستفادة من عائدات الطاقة بصورة مستدامة، وتجنب الاعتماد المفرط على الموارد الطبيعية.
فالتجارب الدولية تشير إلى أن تدفق الإيرادات النفطية قد يتحول في بعض الأحيان إلى عبء اقتصادي إذا لم يقترن بإصلاحات مؤسساتية وتنمية القطاعات الإنتاجية الأخرى.
في المقابل، قد تشكل عودة شركات الطاقة العالمية فرصة نادرة لإعادة بناء قطاع حيوي، ونقل التكنولوجيا، وتأهيل الكوادر المحلية، وخلق بيئة استثمارية جديدة.
وفي ظل التوترات المستمرة في الخليج، والبحث العالمي عن مسارات بديلة للطاقة، تبدو سوريا وكأنها تحاول استعادة موقع فقدته منذ سنوات.
وربما لا تصبح دمشق منافساً مباشراً لمضيق هرمز في المستقبل القريب، لكن المؤكد أن ملف الطاقة عاد ليحتل موقعاً مركزياً في السياسة السورية، وأن الشركات الدولية بدأت تنظر إلى البلاد باعتبارها سوقاً وفرصة استثمارية جديدة.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع سوريا تحويل هذه العودة النفطية إلى مشروع اقتصادي مستدام يعيدها إلى خريطة الطاقة الإقليمية، أم أن التحديات السياسية والاقتصادية ستبقي هذه الطموحات ضمن حدود الاتفاقيات الأولية فقط؟



