الصحافة الإيرانية: هل تقود المذكرة لاتفاق شامل أم ستبقى إطاراً مؤقتاً لإدارة التوتر؟

استدعت مذكرة التفاهم الموقعة بين إيران والولايات المتحدة نقاشاً واسعاً حول طبيعة هذا التفاهم والظروف التي أفضت إلى التوصل إليه.

ميدل ايست نيوز: استدعت مذكرة التفاهم الموقعة بين إيران والولايات المتحدة نقاشاً واسعاً حول طبيعة هذا التفاهم والظروف التي أفضت إلى التوصل إليه، وسط تساؤلات بشأن ما إذا كان سيمهد لاتفاق شامل أم سيبقى إطاراً مؤقتاً لإدارة التوترات بين الجانبين.

يقول كوروش أحمدي، وهو دبلوماسي إيراني سابق، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد، إن التقديرات تشير إلى أن المذكرة جاءت بعد حرب استمرت أربعين يوماً، أظهرت لجميع الأطراف أن الحلول العسكرية غير قادرة على تحقيق حسم نهائي، وأن أياً من الجانبين لم يكن قادراً على توجيه ضربة فاصلة تنهي الصراع.

ولو جرى اتخاذ قرار بمواصلة الحرب، لكان من الممكن أن تستمر المواجهة إلى أجل غير محدد ومن دون أفق واضح، من غير أن يحقق أي طرف مكاسب حقيقية.

كما أن استمرار هذا الوضع كان سيؤدي إلى خسائر جسيمة لجميع الأطراف. فمن جهة، تسبب إغلاق مضيق هرمز بأضرار للاقتصاد العالمي، ومن جهة أخرى ألحقت إجراءات الحصار البحري أضراراً بالاقتصاد الإيراني.

وأمام هذه المعطيات، خلص الطرفان إلى أن الحرب لن تحقق أهدافهما، وأن وقف إطلاق النار بات الخيار الوحيد المتاح. ومن هنا تم التوصل إلى هدنة أعقبها أكثر من شهرين من المفاوضات التي انتهت بصياغة مذكرة التفاهم.

ويُطرح حالياً سؤال أساسي حول ما إذا كانت هذه المذكرة ستقود إلى اتفاق شامل ونهائي، أم أنها مجرد أداة لإدارة التوترات الراهنة، أم أنها ستفضي تدريجياً إلى تفاهمات أوسع.

غير أن التنبؤ بمصير المفاوضات التي انطلقت في سويسرا يبقى أمراً بالغ الصعوبة بسبب اتساع الخلافات بين الطرفين.

فإذا تمسك كل طرف بمواقفه السابقة، قد تتضاءل فرص التوصل إلى اتفاق. وإذا أصرت إيران على مواقفها المتعلقة بالبرنامج النووي وحق التخصيب وحجم المواد المخصبة، واعتُبر أي تراجع في هذه الملفات بمثابة هزيمة، فإن المهمة ستصبح أكثر تعقيداً، خصوصاً في ظل وجود قوى داخلية ترى ضرورة عدم تقديم تنازلات جوهرية في هذه القضايا.

وفي المقابل، إذا واصلت الولايات المتحدة التمسك بمطالبها التقليدية المتعلقة بالتخصيب الصفري وإخراج المواد المخصبة من إيران، فقد لا تفضي المفاوضات إلى نتائج ملموسة.

وقد يتحقق تقدم فقط إذا أبدى الطرفان مرونة أكبر وعدّلا مواقفهما وابتعدا عن المواقف القصوى باتجاه حلول وسط.

وتواجه الإدارة الأمريكية أيضاً معضلة تتمثل في السعي إلى التوصل لاتفاق يمكن للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقديمه بوصفه أفضل من الاتفاق النووي المبرم خلال عهد باراك أوباما.

فعلى مدى ما بين عشرة واثني عشر عاماً، انتقد ترامب بشدة سياسات أوباما تجاه إيران والاتفاق النووي وملف الإفراج عن بعض الأصول الإيرانية، وهو ما قد يدفعه إلى التمسك بمواقف متشددة خلال المفاوضات الحالية.

وفي الوقت نفسه، تشكلت داخل الولايات المتحدة جبهة تضم شخصيات جمهورية ومراكز أبحاث وأطرافاً تتبنى مواقف متشددة تجاه إيران، تتحدث عن فشل ترامب في تحقيق أهدافه خلال الحرب.

ويرى أصحاب هذا الرأي أن الولايات المتحدة، رغم كونها قوة عظمى، لم تتمكن من فرض أهدافها على دولة متوسطة الحجم، وهو ما يعد إخفاقاً من وجهة نظرهم.

كما أن تصاعد الحملات الإعلامية والسياسية في الولايات المتحدة وإسرائيل وعلى المستوى الدولي حول ما يوصف بـ”فشل ترامب” في الحرب وفي مذكرة التفاهم، قد يضع ضغوطاً إضافية على الرئيس الأمريكي الذي يولي أهمية كبيرة لإرثه السياسي وصورته العامة.

ومن بين المخاطر الأخرى المطروحة، الربط بين الملف اللبناني والمفاوضات الإيرانية الأمريكية، وهو ما قد يفتح الباب أمام محاولات للتأثير على مسار التفاوض.

ويُنظر إلى الانتخابات الإسرائيلية المقبلة بوصفها محطة مفصلية بالنسبة لبنيامين نتنياهو، إذ إن نتائجها ستحدد مستقبله السياسي، كما أن خسارته المحتملة قد تؤثر على إرثه السياسي الممتد لأكثر من عقدين، فضلاً عن تداعيات ملفات الفساد التي يواجهها.

وتبعاً لذلك، قد تشهد الأشهر القليلة المقبلة محاولات للتأثير على المفاوضات الإيرانية الأمريكية أو تعطيلها وإعادة توجيه السياسة الأمريكية نحو مزيد من المواجهة مع طهران.

وفي ظل لجوء ترامب إلى المسار الدبلوماسي، يبرز تساؤل حول ما إذا كان الخيار العسكري قد استُبعد نهائياً أم أن احتمالات العودة إلى التصعيد ما زالت قائمة.

وتذهب بعض التحليلات إلى أن قبول مذكرة التفاهم قد يكون خطوة لكسب الوقت، بما يسمح بإعادة ملء الاحتياطيات النفطية العالمية واستعادة تدفقات الصادرات عبر الخليج، قبل العودة إلى ممارسة مزيد من الضغوط أو التصعيد.

إلا أن هذه القراءة لا تحظى بإجماع، إذ تشير معطيات أخرى إلى أن التوقعات الأمريكية بشأن تحقيق نتائج سريعة خلال الحرب، بما في ذلك احتمال انهيار النظام الإيراني خلال أيام قليلة، لم تتحقق، ما دفع واشنطن إلى الابتعاد عن الخيار العسكري.

كما أن إغلاق مضيق هرمز يمثل تحدياً بالغ التعقيد، إذ إن مجرد التهديد بإغلاقه قد يدفع شركات التأمين وأصحاب السفن إلى تجنب المنطقة، ما يؤدي عملياً إلى تعطيل حركة الملاحة حتى من دون مواجهة عسكرية مباشرة.

ولذلك تبدو فرضية اللجوء إلى الدبلوماسية بهدف الخداع أو كسب الوقت فقط أقل ترجيحاً، فيما تشير المعطيات الحالية إلى تراجع أولوية الخيار العسكري، وإن كان احتمال عودته مستقبلاً لا يزال قائماً بحسب تطورات الأوضاع.

ومع ذلك، قد تبقى أدوات الضغط الاقتصادي، بما في ذلك تشديد العقوبات أو العودة إلى أشكال مختلفة من الحصار البحري، ضمن الخيارات المطروحة إذا أخفقت المفاوضات.

وفي المحصلة، فإن تحقيق التنمية الاقتصادية وتحسين مستوى معيشة الإيرانيين يتطلب معالجة جذرية للخلاف المستمر بين إيران والولايات المتحدة منذ 47 عاماً.

وتشير التجارب السابقة إلى أن الحلول الجزئية، مثل الاتفاق النووي، أدت إلى بقاء جزء كبير من المشكلات دون حل، إذ ركزت على الملف النووي مقابل تخفيف محدود للعقوبات المرتبطة به، بينما استمرت عقوبات أخرى قائمة.

وأدى ذلك إلى نشوء منطقة رمادية دفعت العديد من الشركات والبنوك الدولية إلى تجنب التعامل مع إيران بسبب استمرار المخاطر القانونية والسياسية.

كما أن الوصول إلى صيغة مشابهة بعد المفاوضات الحالية، تقوم على رفع بعض العقوبات والإبقاء على أخرى، قد يؤدي إلى تكرار المشكلات ذاتها.

ومن ثم، يبرز خيار التوصل إلى تسوية شاملة تتضمن رفع جميع العقوبات كأحد السيناريوهات المطروحة لإنهاء حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي.

أما في حال تعذر الوصول إلى حل كامل، فقد تستمر حالة الجمود السياسي والتعليق الاقتصادي، مع احتمال عودة التوترات السياسية والعسكرية على نطاق واسع في المستقبل.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 − 15 =

زر الذهاب إلى الأعلى