ماذا يعني دمج هيئة الأركان العامة ومقر خاتم الأنبياء الإيراني في هيكل عسكري موحد؟
يمكن اعتبار استكمال عملية دمج هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة ومقر خاتم الأنبياء الإيراني واحدًا من أهم التحولات التي شهدها هيكل قيادة القوات المسلحة منذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية وحتى الآن.

ميدل ايست نيوز: أكد القائد العام للقوات المسلحة الإيرانية، في مرسوم أصدره بالتزامن مع تعيين اللواء الطيار علي عبداللهي رئيسًا لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، ضرورة استكمال عملية دمج هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة ومقر خاتم الأنبياء المركزي، وهي عملية بدأت العام الماضي بناءً على توجيهات المرشد الأعلى الراحل.
وقالت وكالة إيسنا للأنباء في تقرير، إن مقر خاتم الأنبياء المركزي وهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة يعدان من أهم أركان هيكل القيادة والإدارة الدفاعية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ وهما مؤسستان تشكل كل منهما في مرحلة مختلفة من التاريخ استجابة لحاجة محددة. فقد تأسس مقر خاتم الأنبياء المركزي في خضم الحرب مع العراق، بهدف توفير قيادة وتنسيق عملياتي بين الجيش والحرس الثوري، بينما تشكلت هيئة قيادة القوات المسلحة، التي تغير اسمها لاحقًا إلى هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، بهدف تحقيق التنسيق والانسجام على مستوى القوات المسلحة بأكملها.
وخلال أكثر من أربعة عقود مضت، ظلت المؤسستان، رغم ارتباطهما الوثيق، هيكلين منفصلين بمهمات مختلفة، إلا أن التطورات الأمنية والعسكرية خلال السنوات الأخيرة وتجارب الحروب الحديثة أدت في نهاية المطاف إلى تحول هيكلي وتشكيل مؤسسة موحدة تضم «هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة» و«مقر خاتم الأنبياء المركزي»؛ وهي المؤسسة التي أصبح اللواء الطيار علي عبداللهي رئيسًا لها، فيما تولى العميد كيومرث حيدري منصب نائب الرئيس.
كيف تأسس مقر خاتم الأنبياء؟
وفقًا للوثائق والمذكرات المنشورة لآية الله هاشمي رفسنجاني، تأسس مقر خاتم الأنبياء المركزي في 19 فبراير/شباط 1984، عشية عملية خيبر. ويجب النظر إلى تشكيل هذا المقر باعتباره نتيجة لتجربة السنوات الثلاث الأولى من الحرب العراقية الإيرانية، وانكشاف الحاجة إلى إنشاء مركز قيادة مشترك بين الجيش والحرس الثوري. ففي السنوات الأولى للحرب، كان لكل من الجيش والحرس الثوري هيكله وقيادته وأسلوبه العملياتي الخاص، ورغم تعاونهما في الجبهات، ظل تنسيق قدرات القوتين خلال العمليات الكبرى إحدى القضايا المهمة أمام قيادة الحرب. وقد أُنشئت مقرات مشتركة، مثل مقر كربلاء، لمعالجة هذه المشكلة، لكن مع ازدياد تعقيد العمليات، ظهرت الحاجة إلى مستوى أعلى من القيادة المشتركة.
وفي هذه الظروف، أوكل الإمام الخميني، الذي كان قائد الثورة الإسلامية آنذاك، مسؤولية قيادة الحرب إلى أكبر هاشمي رفسنجاني، وشُكل مقر خاتم الأنبياء المركزي بوصفه مركز القيادة العليا للعمليات المشتركة. وكان هاشمي رفسنجاني في تلك المرحلة رئيسًا لمجلس الشورى الإسلامي وممثلًا للخميني في المجلس الأعلى للدفاع، وتولى عمليًا دور حلقة الوصل بين القيادة السياسية للحرب والقادة العسكريين.
من «هيئة قيادة القوات المسلحة» إلى «هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة»
بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، دخل هيكل قيادة القوات المسلحة مرحلة جديدة. وفي إطار الإصلاحات الهيكلية، وبموجب مرسوم من آية الله السيد علي خامنئي، المرشد والقائد العام للقوات المسلحة آنذاك، تغير اسم «هيئة قيادة القوات المسلحة» في 15 يناير/كانون الثاني 1992 إلى «هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة»، وأصبحت هذه الهيئة أهم مؤسسة أركانية وتنسيقية للقوات المسلحة. وكانت للهيئة، في هيكلها الجديد، مهام مختلفة عن مهام مقر خاتم الأنبياء المركزي. وشملت مسؤولياتها التخطيط الدفاعي العام، والتنسيق بين القوات المسلحة، والتنظيم، ووضع السياسات، والإشراف، وتحقيق الانسجام بين الجيش والحرس الثوري وسائر القوات المسلحة.
دمج هيئة الأركان العامة ومقر خاتم الأنبياء.. بداية هيكل عسكري جديد في البلاد
في أعقاب التطورات العسكرية والأمنية خلال عامي 2025 و2026، وكذلك تجربة الحربين الثانية والثالثة، دخل هيكل قيادة القوات المسلحة مرحلة جديدة. وأبرزت الحربان اللتان استمرتا 12 يومًا، وحرب الـ40 يومًا، واغتيال عدد كبير من كبار قادة القوات المسلحة، من بينهم رئيس هيئة الأركان العامة وقائد مقر خاتم الأنبياء المركزي، بصورة أكبر ضرورة إعادة النظر في آلية القيادة وتسريع عملية اتخاذ القرار، فضلًا عن دمج هاتين المؤسستين العسكريتين العليتين.
من الفصل بين «الأركان» و«الميدان» إلى القيادة الموحدة
تتضح أهمية هذا الدمج بصورة أكبر عند وضع المهمة التاريخية للمؤسستين جنبًا إلى جنب. فقد أُنشئ مقر خاتم الأنبياء المركزي عام 1984 لحل مشكلة القيادة المشتركة للعمليات، فيما تشكلت هيئة قيادة القوات المسلحة عام 1989 لحل مشكلة التنسيق والإدارة الشاملة للقوات المسلحة، قبل أن تتحول لاحقًا إلى هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة؛ وبالتالي، فقد أُنشئ الهيكلان منذ البداية لمعالجة مشكلتين مختلفتين لكنهما متكاملتان: الأولى «قيادة العمليات»، والثانية «الإدارة والتنسيق الشامل».
أما الآن، ومع دمجهما، فستجتمع هاتان الوظيفتان في مؤسسة واحدة؛ أي إن الهيكل الجديد سيجمع بين القدرات الأركانية والاستراتيجية لهيئة الأركان العامة والقدرات العملياتية لمقر خاتم الأنبياء المركزي. ويمكن النظر إلى هذا التغيير باعتباره محاولة لتقليص الفجوة بين «الأركان» و«الميدان»، بما يعني تقصير مسار نقل القرارات الاستراتيجية إلى المستوى العملياتي، وتسريع عودة المعلومات والتقييمات الميدانية إلى مستوى صنع القرار.
وفي الحروب الحديثة التي تنخرط فيها في الوقت نفسه المجالات الجوية والصاروخية والطائرات المسيّرة والسيبرانية والاستخباراتية وغيرها من المجالات، اكتسبت سرعة اتخاذ القرار والتنسيق بين مختلف قطاعات القوات المسلحة أهمية أكبر. وفي مثل هذه الظروف، يمكن أن يهدف توحيد الهيكلين الأركاني والعملياتي إلى الحد من الازدواجية، وتعزيز التنسيق، وتقليص سلسلة القيادة.
ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار استكمال عملية دمج هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة ومقر خاتم الأنبياء المركزي واحدًا من أهم التحولات التي شهدها هيكل قيادة القوات المسلحة منذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات وحتى الآن.



