الصحافة الإيرانية: قراءة في خطاب وزير الخارجية العماني بشأن مضيق هرمز

لا تتمثل القضية الأساسية في مضيق هرمز، ولا حتى في الخلافات الراهنة بين إيران والدول الأخرى، وإنما في الاختبار الذي تفرضه أزمات اليوم على مصداقية النظام الدولي.

ميدل ايست نيوز: تكشف التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية العُماني خلال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، أكثر من مجرد موقف بشأن أمن مضيق هرمز، عن سؤال مهم يتعلق بمصداقية النظام القانوني الدولي؛ وهو سؤال ربما ينبغي طرحه أمام المجتمع الدولي اليوم أكثر من أي وقت مضى: إذا كان أمن الممرات الدولية وحرية العبور وسيادة الدول مبادئ معترفاً بها في القانون الدولي، فلماذا لا تُطبَّق هذه المبادئ بالمعايير نفسها على جميع الدول وفي مختلف الأزمات؟

تقول نيروانا مهرآيين، الخبيرة في الحقوق الدولية، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني، إن وزير الخارجية العُماني أعلن أن بلاده ستواصل جهودها لحماية الملاحة في مضيق هرمز، مؤكداً أن هذه الجهود تستند إلى مبادئ القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. كما دعت مسقط جميع الأطراف إلى التعاون من أجل حماية مصالح الدول التي تعتمد على المرور عبر مضيق هرمز، وشددت على ضرورة حل الخلافات من خلال ضبط النفس والحوار والوسائل السياسية.

ومن هذه الزاوية، يبدو الموقف واضحاً: مضيق هرمز ليس مجرد نقطة جغرافية في الخليج، بل أحد الممرات الحيوية للاتصال والتجارة على مستوى العالم، وأي اضطراب في حركة الملاحة عبره يمكن أن تكون له تداعيات اقتصادية وأمنية تتجاوز حدود المنطقة.

لكن أهمية الموقف العُماني لا تتوقف عند هذه النقطة. فعندما تتحدث دولة عن حق العبور وأمن الملاحة، وتستند في ذلك إلى القانون الدولي، يبرز سؤال منطقي: هل ينبغي تطبيق المنطق نفسه على سائر ممرات الاتصال والحركة التي تعتمد عليها الشعوب؟

وتضع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار إطاراً واضحاً للمضائق المستخدمة في الملاحة الدولية. وتنص المادة 44 على عدم جواز أن تعرقل الدول المشاطئة حق المرور العابر، كما لا تجيز تعليق هذا الحق. وبالتالي، فإن جوهر المسألة لا يتعلق بالدفاع عن ممر بحري في مواجهة ممر آخر، وإنما بمبدأ أوسع: لا تكون للقانون الدولي قيمة حقيقية إلا إذا كانت الحقوق والالتزامات الناشئة عنه غير خاضعة للقوة السياسية للدول.

فإذا أصبحت حرية الملاحة «حقاً» عندما تخدم مصالح القوى الكبرى والاقتصاد العالمي، بينما تُقاس حقوق واحتياجات شعوب أخرى بمعيار مختلف، فإن ما يتعرض للتقويض ليس وضع دولة بعينها فحسب، بل مصداقية النظام القانوني الدولي نفسه.

عندما يتجاوز الضغط الحكومات ويصل إلى الناس

هنا تبرز أهمية مسألة إيران. فقد تركت الضغوط السياسية والاقتصادية المفروضة على إيران خلال السنوات الماضية آثارها على حياة المواطنين في مجالات مختلفة، وفي أوقات الأزمات، يمكن للقيود المفروضة على وسائل النقل والاتصالات الجوية أن تخلّف تداعيات تتجاوز الحسابات السياسية للحكومات.

وبالطبع، لا يمكن من الناحية القانونية اعتبار أي قيود على الرحلات الجوية أو تعليقها انتهاكاً للقانون الإنساني من دون دراسة الظروف والأساس القانوني والجهة التي فرضت هذه القيود. فهناك فروق قانونية مهمة بين قرارات سلامة الطيران، والإغلاق المؤقت للمجال الجوي، والعقوبات، والعمل العسكري، والقيود الناجمة عن حالة طوارئ.

لكن هذا التفريق القانوني لا ينبغي أن يصرف الانتباه عن حقيقة إنسانية أساسية: عندما يؤثر إجراء سياسي أو أمني بصورة مباشرة في حركة الناس، أو وصولهم إلى الخدمات الأساسية، أو قدرتهم على العودة إلى بلدانهم، يجب أن تؤخذ آثاره الإنسانية في حسابات صانعي القرار. وهنا تحديداً يتجاوز مفهوم «الضغط» مستوى الحكومات ليصل إلى حياة المواطنين.

وعليه، لا يمكن الاكتفاء بالقول إن الإجراء المتخذ جزء من نزاع سياسي أو أمني، ثم تجاهل تداعياته على الناس العاديين. فإذا كان المجتمع الدولي حساساً تجاه أمن الملاحة في مضيق هرمز، فينبغي أن تمتد هذه الحساسية أيضاً إلى الآثار الإنسانية للقيود المفروضة على النقل والاتصالات.

وإذا كان أمن الطاقة والتجارة العالمية مهماً، فيجب أن يكون أمن الناس وقدرتهم على الوصول إلى احتياجاتهم حاضرين أيضاً في الحسابات السياسية. وإذا كانت سيادة الدول مبدأً راسخاً، فلا يمكن الاستناد إلى هذا المبدأ فقط عندما يتوافق مع مصالح أحد الأطراف.

ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن دولة في مواجهة أخرى، بل بالدفاع عن معيار واحد. فلا يمكن المطالبة، من جهة، باحترام قواعد القانون الدولي في الممرات المائية الدولية، ثم تجاهل الآثار الإنسانية للإجراءات التقييدية في مجالات أخرى من جهة ثانية.

ويستطيع القانون الدولي أداء دوره في منع الأزمات عندما يشعر المواطنون أيضاً بأن هذه القواعد لم تُكتب فقط لتنظيم العلاقات بين الحكومات والقوى، وإنما لحماية أمن الإنسان وكرامته أيضاً.

اختبار مصداقية النظام العالمي

في نهاية المطاف، لا تتمثل القضية الأساسية في مضيق هرمز، ولا حتى في الخلافات الراهنة بين إيران والدول الأخرى، وإنما في الاختبار الذي تفرضه أزمات اليوم على مصداقية النظام الدولي.

فقد تأسست الأمم المتحدة ووُضعت الوثائق الدولية بعد الحرب العالمية الثانية بهدف إبعاد العلاقات بين الدول عن منطق القوة، وإحلال القواعد المشتركة محل منطق الإكراه والفوضى.

وإذا كانت هذه القواعد تُطبَّق اليوم فقط عندما تتوافق مع مصالح القوى الكبرى، فمن الطبيعي أن تتراجع ثقة الدول في المؤسسات والهياكل الدولية.

وأكدت عُمان في موقفها الأخير ضرورة تجنب استخدام القوة، واحترام سيادة الدول، واللجوء إلى الحوار، والاحتكام إلى ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. كما شدد وزير الخارجية العُماني خلال لقائه الأخير نظيره الإيراني على أهمية سلامة الملاحة في مضيق هرمز وضمان حرية العبور دعماً للتجارة الدولية وإمدادات الطاقة.

ويمكن النظر إلى هذا الموقف باعتباره نقطة انطلاق لطرح سؤال يتجاوز مضيق هرمز: هل العالم مستعد للاعتراف بالمعيار نفسه الذي يطالب بتطبيقه في هرمز، في سائر المجالات المرتبطة بحركة الناس والاتصال بينهم؟

إذا كانت حرية العبور مبدأً، فيجب أن تكون مبدأً للجميع. وإذا كانت سلامة المدنيين مهمة، فلا ينبغي أن تكون جنسيتهم معياراً لتقييم قيمة حياتهم وحقوقهم. وإذا كانت سيادة الدول محترمة، فلا ينبغي أن تتوقف درجة احترامها على قوتها العسكرية والاقتصادية.

لا يمكن المطالبة بـ«القانون الدولي» في يوم من أجل إبقاء ممر بحري مفتوحاً، ثم الصمت في اليوم التالي أمام الضغوط التي تعطل طرق التواصل والحركة أمام شعب ما. كما ينبغي أن يكون الفرق بين حماية الأمن وتحويل الأمن إلى أداة للضغط واضحاً. ويحتاج المجتمع الدولي، للحفاظ على مصداقيته، إلى وضع حد فاصل واضح بين الأمرين.

ولا يمكن لأي دولة أن تدّعي أنها محصنة من القواعد الدولية، لكن في المقابل لا ينبغي لأي قوة أن تتصور أن امتلاكها نفوذاً سياسياً أو اقتصادياً أو عسكرياً يمنحها الحق في تفسير القواعد وتطبيقها بما يتناسب مع مصالحها.

ويحتاج العالم اليوم، قبل أي شيء، إلى معيار مشترك؛ معيار لا يكون فيه علم السفينة هو الذي يحدد قيمة حرية العبور، ولا تكون جنسية المسافر أو المواطن هي التي تحدد مدى أهمية حقوقه.

وقد تقود تصريحات عُمان بشأن مضيق هرمز، إذا أُخذت على محمل الجد، إلى هذا السؤال الجوهري: هل القانون الدولي قاعدة مشتركة لجميع الشعوب، أم أداة تطالب كل قوة بتطبيقها حيث تتوافق مع مصالحها؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بإيران أو بأي دولة أخرى بقدر ما تتعلق بمستقبل مصداقية النظام الدولي. فإذا كان المطلوب أن يحل القانون محل القوة، فيجب أن يكون القانون واحداً للجميع؛ لأن القانون الذي يعتمد تطبيقه على قوة أصحابه، لن ينتج النظام قبل أن ينتج انعدام الثقة.

وفي نهاية المطاف، لا تعني المسألة «كل شيء أو لا شيء» رفض القواعد والاستثناءات القانونية، وإنما تعني ألا يُستبعد أي شعب من دائرة الحماية التي توفرها المبادئ الأساسية للقانون الدولي.

ويحتاج العالم، لتجاوز أزمات اليوم، إلى هذا المبدأ البسيط: أمن بلا تمييز، وحقوق بلا انتقائية، وقانون بلا معايير مزدوجة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى