ثلاثة تحديات جديدة في العلاقات الإيرانية السعودية بعد الحرب

أعادت الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وتصاعد التوتر في منطقة الخليج، طرح سؤال ملحّ حول مستقبل العلاقات بين طهران والرياض، وكيفية تشكّل توازن القوى في المنطقة.

ميدل ايست نيوز: أعادت الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وتصاعد التوتر في منطقة الخليج، طرح سؤال ملحّ حول مستقبل العلاقات بين طهران والرياض، وكيفية تشكّل توازن القوى في المنطقة.

وحسب مقال تحليلي للكاتب والمحلل السياسي الإيراني حسن بهشتي بور، نشر في موقع “اقتصاد نيوز” الإيراني، إلى جانب الولايات المتحدة، التي ظلت لعقود القوة الخارجية الرئيسية المؤثرة في المنطقة، تؤدي الصين اليوم دورا اقتصاديا وجيوسياسيا مؤثرا في الخليج، وقد تجلّى ذلك عمليا في نجاح بكين في الوساطة لاستئناف العلاقات الإيرانية السعودية عام 2023.

والواقع أن أي نموذج مستدام للتعاون الإقليمي لا يمكن تصميمه وتطبيقه من دون مراعاة مصالح هاتين القوتين العالميتين. لذلك، ينبغي لأي مقاربة تُطرح في هذا السياق أن تأخذ منذ البداية في الحسبان موقع الولايات المتحدة والصين في المعادلات الإقليمية، وألا تقوم على التعارض مع مصالحهما.

وتتجاوز أهمية هذه المسألة حدود العلاقات الثنائية بين إيران والسعودية. فإقامة إطار شامل ومستدام للتعاون في الخليج يمكن أن تهيئ أرضية ملائمة لمعالجة العديد من الأزمات الأخرى في الشرق الأوسط. وانطلاقا من ذلك، تسعى هذه القراءة إلى استعراض موجز لخلفية العلاقات بين البلدين وأسسها النظرية، ثم تحليل ثلاثة محاور جديدة للتوتر برزت بعد الحرب الأخيرة، واقتراح مسارات واقعية لإدارتها والحد من تداعياتها.

خلفية العلاقات الإيرانية السعودية

تُعد إيران والسعودية من أبرز القوى الإقليمية المؤثرة في الخليج وغرب آسيا. وعلى الرغم من اشتراكهما في جوانب تاريخية وثقافية ودينية، فإنهما تختلفان اختلافا جوهريا في عدد من القضايا، وفي مقدمتها التباين بين الرؤية الوهابية للإسلام ومفهوم «الإسلام المحمدي الأصيل» الذي طرحه الإمام الخميني. وعلى الرغم من التباين الواضح بين المنظورين، لا يستطيع أي من البلدين تجاهل الآخر، ما يجعل التعايش السلمي القائم على مبادئ حسن الجوار ضرورة لا غنى عنها.

ومن الناحية البنيوية، تستند السلطة في السعودية إلى تركيبة مزدوجة؛ إذ تتولى أسرة آل سعود المسؤوليات السياسية والأمنية والدفاعية، وتُوصَف في المقال بأنها ذات توجه علماني ومؤيد للغرب، فيما تضطلع أسرة آل الشيخ، التي تمثل إرث التيار الفكري الوهابي، بالمسؤوليات الثقافية والأيديولوجية. وقد أسهمت الإصلاحات الداخلية التي شهدتها السعودية في عهد الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان في إضعاف موقع آل الشيخ تدريجيا وتعزيز التيار العلماني، وهو تطور انعكس بدوره على طبيعة التفاعلات المحتملة بين الرياض وطهران.

الإطار النظري للتحليل

من الناحية النظرية، لا ينبغي دراسة العلاقات بين البلدين على مستوى التحليل الوطني أو الدولي فحسب، بل أيضا ضمن إطار «المركّب الأمني الإقليمي»، وفق مفهوم باري بوزان في مدرسة كوبنهاغن. ويركز هذا الإطار على الترابط المتبادل بين أمن دول المنطقة، ويتيح، خلافا لنظرية «موازنة التهديد» التي طرحها ستيفن والت، تصور إمكانية بناء تعاون مستدام يستند إلى المصالح المشتركة، بدلا من الاقتصار على التحالفات التي تتشكل لمواجهة تهديد معين.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية خفض التوتر مع الرياض من أجل الحد من فاعلية السياسات الإسرائيلية، عبر توسيع التعاون الاقتصادي. وتتعدد مجالات التعاون المحتملة بين البلدين، ومنها السياحة الدينية والثقافية، من خلال مشروعات مثل مسار مشترك للزيارة يمتد من مشهد إلى النجف وكربلاء ومكة والمدينة؛ والتعاون في سوق الطاقة ضمن إطار منظمة «أوبك»، بحيث تؤدي إيران دورا مكملا في ضبط سقف الإنتاج، فيما تسهم السعودية في إدارة الأسعار؛ إلى جانب التعاون الأمني للحد من الأزمات الإقليمية في اليمن والعراق وسوريا ولبنان وأفغانستان.

وخلال العقود الأربعة الماضية، تأثرت العلاقات الإيرانية السعودية بشدة بسياسات القوى الخارجية، ولا سيما الولايات المتحدة، فضلا عن سياسة «التخويف من إيران» التي اتبعها النظام الإسرائيلي لتشجيع الدول العربية على تطبيع علاقاتها معه. ويمكن لخفض التوتر أن يحقق أثرا مزدوجا، من خلال تقليص مبررات صفقات الأسلحة الواسعة التي تُسوَّق بذريعة التهديد الإيراني، والتأثير إيجابا في توازن القوى الإقليمي.

وفي السنوات الأخيرة، طُرح إطار أوسع لترسيخ التعاون يضم ثماني دول في منطقة الخليج، هي إيران والعراق والدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي. ويقوم هذا التصور على البدء بالتعاون الاقتصادي والثقافي تمهيدا لتوسيعه لاحقا ليشمل المجالات السياسية والأمنية.

تحديات أمام تطبيع العلاقات الإيرانية السعودية بعد الحرب

أدخلت الحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران ثلاثة محاور جديدة من التوتر إلى معادلة العلاقات بين طهران والرياض. ويمكن لكل محور منها أن يعرقل مسار تطبيع العلاقات بصورة جدية، بمعزل عن الخلافات الأيديولوجية القائمة بين البلدين.

أولا: استخدام الأراضي السعودية ومنطق الرد بالمثل

يتمثل المحور الأول في الاختلاف الجوهري حول تفسير مفهوم «السيادة على الأراضي». فمن وجهة النظر الإيرانية، وبالاستناد إلى القانون الدولي ومبدأ الدفاع عن الأراضي، فإن أي أرض توفر قاعدة أو بنية تحتية لشن هجمات على إيران يمكن أن تصبح هدفا لرد دفاعي مشروع، بصرف النظر عن الدولة التي تتبع لها تلك الأرض.

أما السعودية، فترى أن السماح بتمركز القوات الأميركية على أراضيها قرار سيادي مستقل اتُّخذ منذ سنوات طويلة، ولا ينبغي أن يجعل المملكة طرفا في الصراع بين إيران والولايات المتحدة. ومن هذا المنطلق، تعتبر الرياض أن استهداف القواعد الأميركية، مهما كانت دوافع إيران، يشكل اعتداء على الأراضي السعودية.

وليست هذه المعضلة جديدة تماما. فقد واجهت الكويت والبحرين وضعا مشابها في تسعينيات القرن الماضي، عقب حرب الخليج، وكان من بين الحلول المطروحة اعتماد تعهدات ثنائية بعدم استخدام أراضي الدول في العمليات العسكرية، ضمن اتفاقات أمنية إقليمية.

وفي العلاقات الإيرانية السعودية، يمكن أن يشكل إنشاء آلية مماثلة خطوة عملية أولى لإدارة التوتر، من خلال إقامة خط اتصال مباشر لتبادل التحذيرات المسبقة، والتعهد المتبادل بعدم استهداف البنى التحتية المدنية لدى الطرف الآخر، وعدم شن هجمات انطلاقا من قواعد تخضع لسيطرة دول ثالثة. ويمكن تطبيق هذه الترتيبات من دون اشتراط تسوية الخلاف السياسي بين إيران والولايات المتحدة بالكامل.

ثانيا: أزمة الحوثيين ومسألة «الوكلاء»

يتعلق المحور الثاني بهجمات أنصار الله في اليمن على منشآت النفط السعودية، ومنها ينبع وأرامكو، وبالمخاوف من تعريض الملاحة في مضيق باب المندب للخطر. وتربط السعودية هذه العمليات مباشرة بتوجيهات إيرانية، في حين تعتبر إيران أن الحوثيين حلفاء استراتيجيون لها، لا قوة تابعة تنفذ أوامرها، وأنهم يتخذون قراراتهم العملياتية بصورة مستقلة. ويؤكد الحوثيون بدورهم ضرورة إنهاء الحصار الذي تفرضه السعودية على بلادهم.

ومن اللافت أن نمطا مشابها يمكن ملاحظته في الجانب الآخر أيضا؛ فالمساعدة اللوجستية التي قدمتها السعودية للولايات المتحدة، وإتاحتها الوصول إلى أراضيها خلال الحرب على إيران، لا تعني بالضرورة أن الرياض كانت تتحكم مباشرة في العمليات العسكرية الأميركية.

وبعبارة أخرى، يمتلك البلدان حلفاء يتقاطعون معهما في التوجهات الاستراتيجية، لكنهم يحتفظون في الوقت نفسه بمصالحهم الخاصة وبقدر من الاستقلال في اتخاذ القرارات العملياتية. وهذا ما يستدعي تجاوز التفسير المبسط للعلاقة بين «المتحكم» و«الخاضع للتحكم».

ويتمثل أحد الحلول العملية المحتملة في إجراء مفاوضات مباشرة بين الرياض وصنعاء، بدلا من الاكتفاء بالوساطة عبر طهران، للتوصل إلى وقف محدد لإطلاق النار في المجال البحري بمضيق باب المندب، وضمان أمن المنشآت النفطية، على أن تؤدي إيران دورا تيسيريا في هذه العملية. ويشمل هذا المسار أيضا إنهاء الحصار البحري السعودي على اليمن.

ويتوافق هذا المقترح مع المسار الفعلي للمفاوضات بين الرياض وصنعاء منذ عام 2023، ويمكن أن يتيح إدارة هذا الملف بصورة مستقلة عن مجمل الخلافات بين طهران والرياض.

ثالثا: إغلاق مضيق هرمز ومنطق الردع

يتمثل المحور الثالث في قرار إيران تقييد عبور السفن عبر مضيق هرمز من دون تنسيق مسبق. وتستند المقاربة الإيرانية إلى أن رفع الكلفة الاقتصادية للحرب على الولايات المتحدة وأوروبا، من خلال زيادة أسعار النفط والغاز وسلع أخرى مثل الفوسفات والهيليوم، يشكل إحدى أدوات الردع الفاعلة لمنع تكرار ما تعتبره طهران نمطا من اللامبالاة إزاء الاعتداء على دولة مستقلة، على غرار ما شهدته غزة.

وهنا يتعارض منطق الأمن والبقاء الإيراني مع مبدأ حرية الملاحة في مضيق هرمز وضمان أمن السفن الداخلة إليه والخارجة منه.

في المقابل، تعتبر السعودية أن مضيق هرمز ممر مائي دولي، وترى أنه لا ينبغي أن تتحمل كلفة تعاونها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. فبحسب الموقف السعودي، نشأ هذا التعاون قبل اندلاع الصراع بين إيران والولايات المتحدة، وكان هدفه ضمان أمن المملكة والمنطقة. لكن قرار واشنطن، بدعم من إسرائيل، شن الحرب على إيران جعل هذا التعاون عاملا قد يعرض البنى التحتية لدول الخليج العربية للخطر، في ظل احتمال تعرض القواعد الأميركية والمنشآت الاقتصادية لهجمات إيرانية مضادة.

ومن منظور التحليل النظري، يجسد هذا الوضع مقولة باري بوزان بشأن استحالة ضمان أمن أي دولة في المنطقة بمعزل عن الدول الأخرى، وضرورة تحقيقه من خلال التعاون الإقليمي. فقد تحول مضيقا هرمز وباب المندب إلى مصدر «هشاشة مشتركة»، بدلا من أن يشكلا ورقة قوة حصرية بيد طرف واحد.

وبدلا من تصعيد التهديدات المتبادلة بإغلاق الممرات المائية، يمكن الاستفادة من هذه الحقيقة لتصميم آلية مشتركة للأمن البحري تشمل الخليج وباب المندب. ويمكن الاسترشاد، في هذا الصدد، بنموذج التحالفات التي تشكلت لمكافحة القرصنة في خليج عدن، بحيث تعمل إيران والسعودية معا على ضمان أمن الملاحة، بدلا من الاكتفاء بالتهديدات الأحادية.

من إدارة الأزمات إلى بناء منظومة أمن إقليمي

من الضروري الإقرار بأن طرح معاهدة أمنية دفاعية شاملة، في ظل استمرار تداعيات الحرب الأخيرة، لا يزال بعيدا عن الواقع الراهن. لذلك، فإن المسار الأكثر واقعية للوصول إلى نموذج تعاون إقليمي يضم الدول الثماني، وفق صيغة «2+6» التي تشمل إيران والعراق والدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، ينبغي أن يمر بثلاث خطوات تمهيدية.

أولا، إنشاء آليات لإدارة الأزمات وتبادل التحذيرات المسبقة، بما يمنع التصعيد غير المقصود في المحاور الثلاثة المذكورة، ويسهم في إرساء سلام مستدام وشامل.

ثانيا، التوصل إلى اتفاقات محدودة ومحددة في مجالات عملية، مثل إنهاء العقوبات الاقتصادية والحصار البحري، وتوفير حماية متبادلة للبنى التحتية للطاقة من الهجمات، بصرف النظر عن تسوية الخلافات السياسية الأوسع. ويشمل ذلك أيضا ضمان أمن الممرات المائية الإقليمية من قبل الدول الساحلية، بمساهمة مالية من الدول التي تعتمد عليها في صادراتها ووارداتها.

ثالثا، وبعد تراكم الثقة من خلال الخطوتين السابقتين، يمكن البدء في مناقشة إطار أمني إقليمي أوسع. ومن شأن هذا التسلسل أن يتيح إحلال المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة محل الشعور بوجود تهديد مشترك، وهو المسار الذي تتوقعه نظرية باري بوزان لتشكيل «مركّب أمني إقليمي» مستدام.

الخلاصة

تتضمن أدبيات العلاقات الدولية نماذج لخفض التوتر الإقليمي من دون الحاجة إلى تطبيع كامل للعلاقات الدبلوماسية، مثل اتفاقات الهدنة في رودس عام 1949 بين إسرائيل وجيرانها العرب، أو النموذج الهندي الباكستاني الذي يستند، رغم غياب العلاقات الودية، إلى خطوط حمراء وقنوات لإدارة الأزمات.

وتتيح هذه النماذج التمييز بين «الالتزام المتبادل بعدم الاعتداء» و«تطبيع العلاقات الدبلوماسية»، بما يجعلها مسارات محتملة لخفض التوتر بصورة مستدامة في منطقة غرب آسيا، بمعزل عن التعقيدات السياسية الخاصة بكل ملف.

كذلك، لا يمكن إقامة أي تعاون إقليمي من دون مراعاة مصالح القوى المؤثرة في الخليج، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين. ولذلك، ينبغي أن يستند أي اتفاق إلى صيغة لا تتعارض بصورة مباشرة مع مصالح هاتين القوتين، وأن يسعى، متى أمكن، إلى إشراكهما في إطار متعدد الأطراف يدعم الاستقرار في منطقة الخليج.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى