من بیت روحاني إلى مطار مهرآباد.. المتشددون يصعّدون ضد الحكومة الإيرانية

يمكن اعتبار تصعيد الخطاب السياسي وزيادة الضغوط على المسؤولين جزءاً من الصراع حول تحديد المسار الذي ستتبعه إيران في المرحلة المقبلة.

ميدل ايست نيوز: في إيران، تشتد حدة التحركات والتصريحات المتشددة خلال الأيام الأخيرة، بدءاً من الاحتجاج أمام منزل الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني وترديد شعارات ضد مسؤولين في مطار مهرآباد في العاصمة طهران، وصولاً إلى الضغوط الرامية إلى استجواب وزير الخارجية عباس عراقجي وإطلاق مواقف حادة ضد الحكومة. وتأتي هذه التطورات في وقت تتواصل فيه الجهود للحفاظ على الوحدة الوطنية وخفض التوتر مع الولايات المتحدة، لتسلط الضوء مجدداً على الخلاف بين التيار المتشدد وبعض مؤسسات الحكم الرئيسية في إيران.

تقول وكالة خبر أونلاين، إن خطاب التشدد لا يزال حاضراً بقوة في الساحة الإيرانية، وفي خضم هذه الأجواء، لا يدخر المتشددون جهداً في الدفع بأجندتهم. ولا يبدون اهتماماً كبيراً بكون إيران تمر بظروف حرب عسكرية واقتصادية مع الولايات المتحدة. ففي يوم يطالبون بمحاكمة مسؤولين سابقين، ويتوجهون إلى أمام منازلهم لترديد شعاراتهم، وفي يوم آخر يسجلون طلباً لاستجواب وزير الخارجية عباس عراقجي، بسبب لقائه مع المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف ونقله الشروط الإيرانية إلى واشنطن.

كما يُعد حضورهم في مطار مهرآباد واتهامهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، بأنه «متسلل» من أحدث تحركاتهم، وذلك في وقت أعلن فيه سياسيون وشخصيات من مختلف الاتجاهات دعمهم للرئيس. وتأتي هذه التحركات رغم أن المرشد الإيراني حذر خلال الأسابيع الماضية من مثل هذه الممارسات، وشدد على ضرورة الحفاظ على الوحدة والانسجام الوطني، إلا أن المتشددين، على ما يبدو، واصلوا نهجهم التصعيدي دون اكتراث بهذه الدعوات.

وفي ظل تزايد التساؤلات حول إمكانية عودة إيران والولايات المتحدة إلى «تفاهم إسلام آباد»، وكذلك فرص إنهاء الحرب، تصاعدت تحركات التيار المتشدد أيضاً. فقد شكك بعض أفراده في تصريحات الرئيس الإيراني بشأن التوصل إلى تفاهم مع واشنطن، بينما طالب نواب آخرون باستجواب وزير الخارجية، مستفيدين من صلاحياتهم البرلمانية، حتى أثناء وجوده في مهمة رسمية خارج البلاد. في حين ذهب آخرون إلى الحديث عن محاكمة وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف والرئيس السابق حسن روحاني.

ورغم أن قضية محاكمة روحاني تحولت إلى ما يشبه الحلم البعيد لدى المتشددين من التيار المحافظ، فإنهم يستغلون كل منعطف أو فرصة لإعادة طرحها. ويبدو أن أنصار ما يعرف في إيران بـ«تيار خالص‌ سازان»، إلى جانب المحافظين المتشددين، قد وزعوا الأدوار في ما بينهم، وراحوا يوجهون انتقاداتهم وضغوطهم إلى مسؤولين حاليين وسابقين من جبهات عدة.

من التجمع أمام منزل حسن روحاني إلى الشعارات في مطار مهرآباد

كان الحفاظ على الوحدة والانسجام الوطني من أبرز العبارات التي شدد عليها المسؤولون والسياسيون الإيرانيون مراراً منذ اندلاع «حرب رمضان» في 28 فبراير/شباط 2026. وقد أكد المرشد الإيراني هذه المسألة أيضاً في رسائله، إلا أن سلوك التيار السياسي المتشدد يشير إلى ممارسات من شأنها تقويض هذه الوحدة.

ومن أبرز الشواهد على ذلك انتشار مقطعي فيديو لتجمع أنصار التيار المتشدد أمام منزل حسن روحاني للمطالبة بمحاكمته، إلى جانب هتافاتهم الحادة ضد الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي في مطار مهرآباد. وأثارت هذه التحركات ردود فعل واسعة، فيما يرى منتقدون لها أن إيران لا تمر بظروف تسمح لها بتحمل تبعات مثل هذه الممارسات التصعيدية.

وبعيداً عن تجمعات المتشددين في الشوارع، ينشط بعض أبرز شخصيات هذا التيار عبر منصات التواصل الاجتماعي في توجيه الانتقادات إلى مسؤولي الدولة. ومن بين هؤلاء مهري طالبي دارستاني، التي كتبت على منصة «إكس»: «السيد إيجئي! لقد أديت اليوم ما يمليه عليّ الواجب، فإما أن تأخذ بالنصيحة أو تضيق بها. نحن بانتظار محاكمة ظريف وروحاني، أو استقالتك من المنصب الذي لا تملك القدرة أو الإمكانية على أداء مهامه. لا تحرقوا آخر فرصة منحكم إياها إمامنا».

كما تستخدم طالبي دارستاني وسم «عزل بزشكيان» على منصة «إكس». وفي تعليق على تصريحات روحاني الأخيرة، كتبت: «أحسنتم يا أمة المبعوث المدافعة عن الولاية. الأمر بيد الشعب، أي إنهم سيصلون إلى الندم بهذه الطريقة إذا أردتم وأردنا. #عزل_بزشكيان».

من جانبه، كتب ميثم نيلي، شقيق صهر الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي ورئيس تحرير موقع «رجا نيوز» المتشدد، على منصة «إكس»، رداً على تصريحات بزشكيان بشأن التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة: «السيد بزشكيان! تيقن أن الشعب الإيراني الغيور لن يسمح لك ولا لأي شخص آخر أبداً بعقد صفقة مع الأعداء بشأن الطاقة والمواد النووية ومضيق هرمز وساحات المقاومة وغيرها من المقدرات الاستراتيجية. إن الشعب الإيراني سيسعى بالتأكيد إلى الانتقام وقتل ذلك الخنزير الأصفر وإراقة دماء جميع قتلة الإمام الشهيد وأبناء إيران، وهدفه ومثله هو محو الصهيونية وإسرائيل، وأي شخص يحيد عن طريق الإمام والأمة المبعوثة سيجري تأديبه. تحذير!».

وكان نيلي قد كتب في وقت سابق، في إشارة إلى الأحاديث المتداولة بشأن لقاء بزشكيان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب: «إذا التقى الرئيس وتحدث مع ذلك الخنزير القذر خلال زيارته غير الضرورية إلى نيويورك، فسيعلن الشعب المبعوث عدم أهليته، ولن يحتاج الأمر حتى إلى تصويت البرلمان. تحذير».

ما الذي يغضب المتشددين؟

بصرف النظر عما يقوله المتشددون وأسباب تحركهم مراراً في اتجاه يخالف توجهات مؤسسات الحكم، فإن تجاهلهم للظروف الاقتصادية واحتمال تعرض إيران لهجوم أمريكي جديد يثير التساؤلات. فهم يوجهون هجماتهم إلى المسؤولين الحاليين والسابقين في وقت حذرت فيه شخصيات محسوبة على النظام، وحتى أطراف من التيار المحافظ، من مثل هذه التصرفات.

في المقابل، تؤكد الحكومة الإيرانية ومسؤولو الدولة على المضي في المسار الدبلوماسي وخفض احتمالات اندلاع حرب جديدة، بينما يعتبر التيار المتشدد أي تفاوض مع الولايات المتحدة تجاوزاً للخطوط الحمراء التي وضعتها طهران.

وفي هذا السياق، أوضح الرئيس بزشكيان مؤخراً، في حديثه عن دور المرشد الإيراني في السياسة الخارجية، أن «فريقاً مؤلفاً من ستة أشخاص من مؤسسات مختلفة، بينهم عناصر أمنية ونواب في البرلمان ومسؤولون حكوميون، يتباحثون ويتشاورون بشأن آليات صنع القرار، ويتم اتخاذ القرارات من خلال التنسيق بين هؤلاء الأشخاص».

وبعبارة أخرى، أدى اختلاف الرؤى بين التيار المتشدد و«عقلاء النظام» إلى أن كل مؤشر على احتمال إجراء حوار أو التوصل إلى تفاهم مع واشنطن لم يعد مجرد مسألة مرتبطة بالسياسة الخارجية، بل تحول إلى إحدى نقاط الخلاف الرئيسية بين الحكومة وجزء من التيارات السياسية.

فمن جهة، تسعى الحكومة، بدعم من المسؤولين العسكريين والقضائيين ومؤسسات الحكم الرئيسية، إلى الاستفادة من الدبلوماسية لإدارة الظروف الراهنة، ومن جهة أخرى، يرى منتقدو هذا النهج أن التفاوض لا ينبغي أن يتم على حساب ما يعتبرونه «تقديم تنازلات للعدو».

وفي ظل هذه الأجواء، يمكن اعتبار تصعيد الخطاب السياسي وزيادة الضغوط على المسؤولين جزءاً من الصراع حول تحديد المسار الذي ستتبعه إيران في المرحلة المقبلة؛ وهو صراع تجاوز منذ فترة طويلة الفضاء الإعلامي والإلكتروني، ليظهر في صورة تجمعات واحتجاجات ضد المسؤولين، بل وطرح مسألة عدم الأهلية السياسية للرئيس.

ومع ذلك، فإن التأكيد المتكرر على ضرورة الحفاظ على الوحدة والانسجام الوطني يشير إلى أن هذه الخلافات، على الأقل من منظور مؤسسات الحكم، تحتاج في الظروف الراهنة إلى إدارة تحول دون اتساعها وتحولها إلى انقسامات سياسية واجتماعية أعمق. ولعل هذا هو السبب في أن المحافظين أنفسهم أدانوا هذه الممارسات المتشددة، وطالبوا الأجهزة الأمنية بالتعامل معها.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى