الصحافة الإيرانية: أنصار الله تفرض واقعًا جديدًا في اليمن.. ماذا بقي أمام السعودية؟
يرى بعض المحللين أنه حتى في ظل ثبوت عجز الولايات المتحدة عن ضمان أمن السعودية ودول الخليج، فإن مصير هذه الدول مرتبط بالولايات المتحدة إلى درجة تجعل فكرة الانفصال عنها أقرب إلى كابوس بالنسبة إليها من كونها واقعًا مثبتًا.
ميدل ايست نيوز: لا تزال الانتصارات اللافتة التي حققتها حركة أنصار الله اليمنية في السيطرة على الطريق الساحلي والاستيلاء على مدينتي المخا وتعز المهمتين، والتمركز في الجزر الواقعة عند مدخل باب المندب، وتداعيات هذا الانتصار والهزيمة الكبيرة التي مُنيت بها السعودية، موضع نقاش ودراسة في مختلف الأوساط الإقليمية والدولية.
يقول محمد علي مهتدي، الخبير في شؤون الشرق الأوسط، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني: إلى جانب ذلك، تسعى أنصار الله من جهة، عبر تشجيع قبائل محافظة مأرب الغنية بالنفط، إلى بسط نفوذها على هذه المنطقة أيضًا، ومن جهة أخرى إلى التقدم نحو عدن عبر مواصلة عملياتها في محافظة لحج والسيطرة على سلسلة جبال الأغبرة الاستراتيجية. وتظهر هذه التطورات أن أنصار الله تمتلك للمرة الأولى إمكانية تحقيق الوحدة بين شمال اليمن وجنوبه واستعادة وحدة البلاد، ولا سيما في ظل عدم وجود قوة معادية قادرة على عرقلة هذا التقدم.
في المقابل، تتحرك السعودية في اتجاهين، أولهما مواصلة القصف الجوي للطريق الساحلي الغربي وتدمير الجسور والمنشآت المدنية، وثانيهما اللجوء إلى الولايات المتحدة، ومؤخرًا إلى مصر، للحصول على مساعدات عسكرية واتخاذ مواقف سياسية في إطار تحالف إقليمي ودولي ضد اليمن.
ومن الواضح أن الهجمات الجوية وحدها، من دون قوة برية، لن تحقق أي نتيجة ولن تؤدي إلى الانتصار. كما أن أي دولة ليست مستعدة لإرسال جنودها إلى حتفهم في مغامرة غير عقلانية ولا طائل منها. وقد انهارت القوات التابعة للسعودية والإمارات، التي كانت تعمل كقوات مرتزقة، ولم يعد لها وجود فعلي. وقد تكشفت حقيقة بشأن أسباب هزيمة هذه القوات على الطريق الساحلي، مفادها أن 80% منها لم تكن موجودة أصلًا في ساحة المعركة، بل كانت جالسة في منازلها لسنوات وتتلقى رواتبها من السعودية. أما الـ20% المتبقية من هذه القوات فقد كانت موجودة على الطريق الساحلي، لكنها لم تتمكن، بسبب الإرهاق وانعدام الدافع، من الصمود، فهرب جزء منها، فيما وقع جزء آخر في الأسر أو استسلم لقوات صنعاء.
لا تستطيع الولايات المتحدة تقديم أي مساعدة للسعودية، لأن هذا البلد، المنخرط في حرب مع إيران في مضيق هرمز، لا يمتلك في الوقت نفسه القدرات العملياتية واللوجستية اللازمة في مضيق باب المندب، ولا سيما أن الولايات المتحدة استخلصت من عمليات القصف التي نفذتها في عام 2024 أن القصف من دون وجود قوات برية عديم الجدوى، وأن إدخال قوات برية، سواء في مضيق هرمز أو باب المندب، ينطوي على مخاطر كبيرة. ومنذ ذلك العام، أبرمت الولايات المتحدة تفاهمًا غير مكتوب مع أنصار الله يقضي بعدم قصف اليمن مقابل عدم مهاجمة القوات اليمنية للسفن الأميركية في البحر الأحمر.
كما أظهر أعضاء اتفاقية مكة أنهم، باستثناء إدانة العمليات اليمنية، غير مستعدين للتدخل عسكريًا. أما مصر، التي استقبلت محمد بن سلمان في القاهرة بحفاوة كبيرة طمعًا في الأموال السعودية، فلا تمتلك تجربة ناجحة في التدخل العسكري في اليمن، وربما لا تستطيع سوى البدء بجهود وساطة لإنقاذ بن سلمان من هذا المأزق الاستراتيجي. غير أن ذلك يتطلب أيضًا إقرار السعودية بهزيمتها العسكرية في المواجهة مع اليمن، والتخلي عن المكاسب التي لم تحقق منها شيئًا بعد 11 عامًا من التدخل العسكري في هذا البلد.
فهل يستطيع بن سلمان اتخاذ مثل هذا القرار والتخلي عن اليمن؟ الواقع أن القرار السعودي يتأثر بالمنظومة التي حددت المملكة موقعها في إطارها، وهي منظومة تتألف من الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل وبعض حلفاء واشنطن في المنطقة.
ويرى بعض المحللين أنه حتى في ظل ثبوت عجز الولايات المتحدة عن ضمان أمن السعودية ودول الخليج، فإن مصير هذه الدول مرتبط بالولايات المتحدة إلى درجة تجعل فكرة الانفصال عنها أقرب إلى كابوس بالنسبة إليها من كونها واقعًا مثبتًا. وفي حال قبلت السعودية إنهاء حصار اليمن ودفع الخسائر الناجمة عن 11 عامًا من التدخل غير المبرر في هذا البلد، فقد توقف اليمن بدوره هجماته الصاروخية وبالطائرات المسيّرة على السعودية، لكن ذلك لا يعني التراجع عن المكاسب العسكرية والوجود في باب المندب، إذ إن قرارات اليمن تتأثر بدورها بمنظومة المقاومة الإقليمية التي يتحدد موقعه الجيوسياسي في إطارها.
وزاد من تدهور الأوضاع بالنسبة إلى السعودية الهجوم الذي استهدف خط أنابيب النفط الممتد من شرق البلاد إلى غربها وصولًا إلى ميناء ينبع، ما أدى إلى توقف صادرات النفط السعودية بالكامل. ومن الواضح أن لهذا الحدث تأثيرًا عميقًا في الاقتصاد العالمي. وقد اتهمت السعودية الحشد الشعبي العراقي بتنفيذ هذا الهجوم. وحتى إذا صح هذا الاتهام، ينبغي التذكير بأن السعودية قصفت قبل نحو ثلاثة أشهر، في خطوة لا مبرر لها ولا علاقة لها بالمصالح الوطنية للبلاد، مراكز الحشد الشعبي في العراق، ما أدى إلى مقتل نحو 50 شخصًا.
وفي ذلك الوقت، أعلن الحشد الشعبي أنه سيرد على هذا العدوان، لكنه أرجأ الرد بسبب اقتراب مسيرة الأربعين. وهذا الرد حق للعراقيين ولا يمكن لأحد أن يلومهم عليه. وكما قال الشاعر الإيراني ناصر خسرو: «لا تُتعب إصبعك بطرق باب أحدٍ حتى لا يتعب أحدٌ إصبعه بطرق قبضته على بابك!»
والنتيجة أن السعودية تواجه مأزقًا استراتيجيًا شديدًا، ولا يمكن الخروج منه بالأساليب القديمة نفسها، بل يتطلب ذلك قدرًا من الواقعية واتخاذ قرارات عاقلة وشجاعة.



