الجمود في الحرب الإيرانية: أي طرف سيتوقف أولاً؟

دخل الصراع بين واشنطن وطهران مرحلة لا يبدو فيها أن النصر أو الهزيمة ممكنان، ومع ذلك لا يعتقد أي من الجانبين أنه قادر على التراجع بأمان.

ميدل ايست نيوز: دخل الصراع بين واشنطن وطهران مرحلة لا يبدو فيها أن النصر أو الهزيمة ممكنان، ومع ذلك لا يعتقد أي من الجانبين أنه قادر على التراجع بأمان. ويستند الجمود في الحرب الإيرانية إلى معادلة بسيطة لكنها غير متوازنة: تستطيع الولايات المتحدة إضعاف الجيش الإيراني واقتصاده من دون إسقاط حكومته، بينما تستطيع إيران تكبيد القواعد الأمريكية وحلفائها وحركة التجارة تكاليف باهظة، من دون أن تتمكن من طرد القوات الأمريكية من المنطقة. وتمتلك الحكومتان ما يكفي من الموارد لمواصلة القتال، وما يكفي من انعدام الثقة لرفض أي هدنة قد تتيح للطرف الآخر إعادة تنظيم صفوفه.

وحسب مقال بمجلة “فورين أفيرز” أفاد به موقع “ميرو” تتكرر المحادثات بين الجانبين، لكنها تتحول إلى فترات لالتقاط الأنفاس على المستوى التكتيكي، بدلاً من أن تكون مساراً للتوصل إلى تسوية. وتخشى إيران أن يؤدي التخلي عن السيطرة على مضيق هرمز أو قدراتها الصاروخية أو برنامجها النووي إلى تعريضها لضغوط لاحقة. وتخشى واشنطن أن يؤدي تخفيف العقوبات إلى تمويل إعادة بناء قدرات طهران. كما تخشى إسرائيل أن يؤدي ضبط النفس اليوم إلى ظهور خصم أقوى غداً. وبما أن كل طرف يرى أن الوضع الراهن قابل للاستمرار، يستمر الجمود في الحرب الإيرانية من دون تصعيد دراماتيكي أو حل شامل. وهذا الجمود ليس سلاماً، بل صراع مُدار يعيد تشكيل موازين القوى داخل إيران، ويدفع دول الخليج إلى التحوط، ويجعل العالم يتحمل تكاليف طاقة أعلى، فيما ينتظر انفراجة لا يستطيع أي من الطرفين تحمل كلفتها السياسية والعسكرية.

هل يمكن أن ينتهي الجمود في الحرب الإيرانية؟

متى ستنتهي الحرب في إيران؟ يدعي مسؤولون أمريكيون أن الإجابة باتت قريبة. وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في سبتمبر/أيلول: «أعتقد أن الحرب ستنتهي مباشرة بعد الانتخابات في نوفمبر/تشرين الثاني. لا يمكنهم الصمود لفترة أطول». ويتفق القادة الإيرانيون على أن نهاية الحرب قريبة.

وقال أحمد وحيدي، قائد الحرس الثوري الإيراني، في أغسطس/آب: «لقد جعلنا أكثر الجيوش تسليحاً في تاريخ العالم يركع». ويعتقد العديد من المحللين الخارجيين أن الصراع سيستمر لفترة أطول، وأنه سينتهي عبر التفاوض وليس بانتصار واضح لأي من الطرفين. لكن يسود عموماً شعور بأن القتال سيجد طريقه إلى النهاية قريباً، بطريقة أو بأخرى.

وهذا التصور مفهوم. فجميع الحروب تنتهي في نهاية المطاف، وبعد أشهر من ارتفاع أسعار الطاقة، يتطلع العالم بشكل خاص إلى انتهاء هذه الحرب. لكن الحقيقة المقلقة هي أن النزاع لا يزال بعيداً عن نهايته. فلا يستطيع الطرفان الرئيسيان تحقيق أهدافهما، ومع ذلك يشعر كل منهما بأنه يحقق ما يكفي لجعل مواصلة القتال، عبر مزيج من الأدوات العسكرية والاقتصادية، أمراً قابلاً للاستمرار.

لا تستطيع الولايات المتحدة إسقاط النظام الإيراني، أو إجباره على التخلي عن برنامجه الصاروخي، أو دفعه إلى التخلي عن برنامجه النووي، أو حمله على وقف دعم حلفائه الإقليميين. لكن واشنطن تستطيع مواصلة إضعاف الجيش الإيراني وتقييد اقتصاده. وفي المقابل، لا تستطيع إيران طرد القوة العظمى الوحيدة في العالم من الشرق الأوسط، لكنها تستطيع مواصلة استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، ومهاجمة حلفاء واشنطن الإقليميين، وتعطيل حركة التجارة الدولية.

ومن المهم أن كلا البلدين يمتلك الموارد اللازمة لمواصلة القتال إلى أجل غير مسمى، وفي الوقت نفسه يعتقد كل منهما أنه لا يملك خياراً سوى استخدامها. فكل طرف يرى أن تراجعه سيمنح الآخر فرصة لمواصلة الضغط عليه، إلى أن يحقق إما إذلال خصمه أو أهدافه الرئيسية.

ويجري البلدان محادثات دورية، لكن الثقة المتبادلة غائبة. بل إن كلاً منهما يشك في أن عدوه سيستغل أي وقف لإطلاق النار لإعادة تنظيم صفوفه والحصول على مزيد من الموارد، قبل استئناف الهجوم.

وتخشى الحكومة الإيرانية أن يؤدي التخلي عن أوراق نفوذها، سواء السيطرة على مضيق هرمز أو ترسانتها الصاروخية أو برنامجها النووي، إلى جعلها عرضة لضغوط أكبر في المستقبل. وفي المقابل، تخشى واشنطن أن يؤدي تخفيف العقوبات على نطاق واسع إلى منح طهران الموارد والوقت اللازمين لإعادة بناء قدراتها. أما إسرائيل، فتخشى أن يؤدي ضبط النفس اليوم إلى ظهور إيران أقوى غداً. ولذلك تبدو الخطوات المطلوبة للخروج من الحرب خطرة تحديداً لأنها تتطلب من كل طرف أن يجعل نفسه أكثر عرضة للخطر، ولو مؤقتاً.

وهكذا، من المرجح أن تستمر الحرب على النحو الذي سارت عليه حتى الآن. لن يكون هناك حل شامل، ولن يكون هناك اتفاق سلام دائم. لكن بما أن الوضع الراهن قابل للاستمرار بالنسبة إلى كل طرف، وبما أن أياً منهما لا يمتلك القوة اللازمة لفرض سيطرته الكاملة، فلن يكون هناك تصعيد دراماتيكي أيضاً. لن تُهزم طهران وواشنطن، لكن أياً منهما لن يحقق النصر.

لا مخرج

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، لم يكن من المفترض أن تسير الحرب على هذا النحو. فعندما انضمت واشنطن إلى إسرائيل في ضرب الجمهورية الإسلامية في 28 فبراير/شباط، كانت تعتقد أنها ستحقق انتصاراً سريعاً. ففي يونيو/حزيران 2025، كانت الدولتان قد دمرتا أو أخرجتا معظم المنشآت النووية الإيرانية من الخدمة، كما دمرتا العديد من مواقع الصواريخ.

وكانت إسرائيل قد قتلت عشرات العلماء الإيرانيين البارزين وأكثر من اثني عشر قائداً عسكرياً، كما ألحقت أضراراً كبيرة بحزب الله في لبنان. وفقد الرئيس السوري بشار الأسد، حليف إيران منذ فترة طويلة، السلطة، فيما كانت احتجاجات واسعة قد هزت الحكومة الإيرانية نفسها. وكانت القوات الأمريكية والإسرائيلية تتمتع بما بدا أنه وصول غير متنازع عليه إلى المجال الجوي الإيراني. وبعبارة أخرى، بدا أن النظام يقف على حافة الانهيار.

وفي الأيام الأولى من الصراع، قتلت إسرائيل والولايات المتحدة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدداً من كبار القادة العسكريين في البلاد. لكن التوقعات بانهيار الجمهورية الإسلامية ثبت خطؤها. فقد عوّض النظام بسرعة المسؤولين الذين فقدهم، وبدأ في الرد على خصومه، فاستهدف الطائرات الأمريكية ومنصات إطلاق الصواريخ وأنظمة الرادار في القواعد المنتشرة في أنحاء الخليج.

كما فرضت طهران سيطرتها على مضيق هرمز، وضغطت على حركة التجارة عبر هذا الممر المائي. وهاجمت القوات الإيرانية بنى تحتية مدنية في أنحاء منطقة الخليج، ما جعل شركاء واشنطن الإقليميين يدفعون ثمن دعمهم للهجوم الأمريكي الإسرائيلي.

وقلل المسؤولون الأمريكيون من أهمية هذه الانتكاسات، مؤكدين أن النظام الإيراني لا يفصله عن تقديم تنازلات سوى ضربة أخرى أو جولة جديدة من العقوبات. لكن من المستبعد جداً أن تتمكن إسرائيل وواشنطن من إجبار طهران على التوصل إلى تسوية بشأن أي من القضايا الأساسية. فقد حاولتا مراراً استهداف مسؤولي النظام وبرامجه العسكرية بهدف القضاء عليها، لكن طهران أعادت بناء قدراتها بسرعة. ومن الصعب تصور كيف يمكن للضربات الجوية المقبلة أن تحقق ما عجزت الضربات السابقة عن تحقيقه.

وبالطبع، أضافت الولايات المتحدة بُعداً جديداً إلى هجومها، إذ فرضت عقوبات إضافية بالتوازي مع حصارها للساحل الجنوبي لإيران وقصفها المتكرر. وقد نجحت هذه الإجراءات في تقليص وصول إيران إلى الأسواق العالمية، بما في ذلك قدرتها على استيراد مختلف السلع وتصدير منتجات أساسية مثل النفط. لكن من غير المرجح أيضاً أن تقنع هذه الضغوط النظام بتغيير موقفه. فطرق النقل البرية وبحر قزوين تعرقل أي محاولة لإحكام عزل إيران بالكامل، حتى لو لم تكن قدرة هذه المسارات كافية لتعويض إغلاق الطرق البحرية وتراجع الروابط الجوية.

وقدمت الصين وروسيا لإيران مجموعة متنوعة من السلع والمعلومات والمعدات العسكرية ذات القيمة. والتأثير الاقتصادي للحصار الأمريكي حقيقي، لكن الحكومة الإيرانية ستنقل على الأرجح جانباً كبيراً من كلفته إلى شعبها، عبر خفض الدعم بدلاً من تقليص الإنفاق على القطاعات العسكرية والأمنية التي تحتاج إليها للدفاع عن نفسها في مواجهة الخصوم الخارجيين والمعارضة الداخلية.

وعلى المواطنين الإيرانيين أن يواجهوا مباشرة انهيار العملة وارتفاع التضخم، ولذلك قد يبدو وصف الوضع الحالي بأنه قابل للاستمرار شبه مستفز بالنسبة إلى الإيرانيين العاديين. لكن ما قد يكون غير قابل للاستمرار بالنسبة إلى المجتمع الإيراني قد يكون قابلاً للاستمرار تماماً بالنسبة إلى الدولة. فالجمهورية الإسلامية لا تحتاج إلى حماية إيران بأكملها من التدهور الاقتصادي، بل تحتاج فقط إلى حماية المؤسسات والدوائر الضرورية لبقائها.

وقد يأمل المسؤولون الأمريكيون أن يدفع تدهور الوضع الاقتصادي للسكان الإيرانيين طهران إلى تغيير موقفها. لكن القادة الإيرانيين يرون أنهم يواجهون تحدياً وجودياً، وفي مثل هذه الظروف، من غير المرجح أن ينظروا إلى أي مستوى من الصعوبات الاقتصادية باعتباره نقطة انكسار واضحة. وإضافة إلى ذلك، سبق للنظام أن تحمل أوضاعاً أسوأ من ذلك بكثير، ولسنوات أطول.

فبين عامي 1980 و1988، خاضت إيران حرباً مع العراق أسفرت عن مقتل مئات الآلاف من الإيرانيين، وتركت البلاد أمام أضرار قدرت بمئات المليارات من الدولارات. ومع ذلك، لم يكن ذلك كافياً لدفع طهران إلى التخلي عن موقفها. بل حتى بعد أن طردت إيران القوات العراقية من أراضيها، واصلت التقدم داخل العراق وقضت ست سنوات في محاولة إسقاط الرئيس العراقي صدام حسين، رغم استمرار المعاناة في الداخل. ولم يتوقف النزاع إلا بعد أن حققت القوات العراقية تقدماً في ساحة المعركة، وزاد التدخل الأمريكي في الخليج، وأدركت طهران أن ميزان القوى الإقليمي يتحول بصورة حادة ضدها.

إيران تتحمل العقوبة وترد

لم تستخدم الولايات المتحدة، بطبيعة الحال، جميع أوراقها. فهي قادرة على نشر قوات برية، لكن مثل هذه العمليات ستؤدي على الأرجح إلى ارتفاع كبير في عدد الضحايا الأمريكيين وإلى مزيد من الارتفاع في أسعار الطاقة. ولهذه الأسباب، تبدو هذه الخطوة صعبة من الناحية السياسية.

كما تستطيع واشنطن شن غارات جوية على منشآت البنية التحتية الرئيسية، وإلحاق أضرار طويلة الأمد بشبكة الكهرباء الإيرانية وأنظمة النقل والاتصالات وغيرها من المنشآت. لكن طهران سترد على الأرجح باستهداف شركاء الولايات المتحدة في الخليج، ما سيؤدي بدوره إلى زيادة تكاليف الطاقة.

احتفى النظام الإيراني بقدرته على الصمود في مواجهة الهجمات الأمريكية، لكن آفاقه لتحقيق انتصار على الولايات المتحدة تبدو قاتمة بالقدر نفسه. ولا تستطيع إيران بسهولة زيادة مستوى الضغط، لأن أزمتها الاقتصادية تضيق هامش المناورة أمام أي تحركات استراتيجية متهورة. وقد يعتقد القادة الإيرانيون أنهم قادرون على الصمود في وجه الصعوبات طويلة الأمد، لكن خوض مواجهة كبرى أخرى مع الولايات المتحدة سيعرّضهم لخطر التسبب بأضرار أعمق في ظل التوتر الاجتماعي القائم بالفعل.

وبالمثل، لا يملك المسؤولون الإيرانيون سبباً كبيراً للاعتقاد بأن تصعيداً دراماتيكياً سيجبر واشنطن على التراجع؛ إذ قد يؤدي ذلك بسهولة إلى رد أمريكي أكثر تدميراً، خصوصاً في ظل وجود رئيس أمريكي لا يتردد في اتخاذ خطوات تصعيدية. ولذلك، من المرجح أن تفضل طهران في الوقت الحالي فرض كلف محسوبة على الولايات المتحدة، والحفاظ على أوراق نفوذها، واختبار عزيمة الأمريكيين من دون تجاوز العتبة التي قد تستدعي هجمات مكثفة.

وحتى إذا صعّدت طهران بصورة كبيرة، فمن غير المرجح أن تحقق الجمهورية الإسلامية انتصاراً. فقد تستطيع إيران إضعاف الوجود الإقليمي للولايات المتحدة، وقد أجبرتها بالفعل على إنفاق مبالغ ضخمة، تجاوزت 40 مليار دولار وما زالت في ارتفاع، على هذا النزاع. لكن الميزانية الأمريكية الإجمالية تُقدّر بتريليونات الدولارات، كما تمتلك واشنطن مخزوناً كبيراً من القنابل الأقل تطوراً التي يمكن استخدامها في الرد مع تناقص مخزون الأسلحة المتقدمة. وقد خسرت القوات الأمريكية بعض العناصر، لكن الخسائر لا تزال جزءاً صغيراً من تلك التي تكبدتها في أفغانستان والعراق. كما تستطيع إبقاء عدد الضحايا منخفضاً نسبياً لأنها قادرة على خوض القتال من مسافات بعيدة وإطلاق الصواريخ من خارج الأراضي الإيرانية.

مضيق التوازن

في البداية، قد يبدو أن عدم قدرة طهران وواشنطن على تحقيق انتصار كامل قد يكون مؤشراً إيجابياً للسلام. فعندما تدرك الدول أن النصر بات بعيد المنال، فإنها قد تتجه أحياناً إلى تسوية. لكن لدى كل من إيران والولايات المتحدة أهدافاً ثانوية، ويعتقد كل طرف أن مواصلة القتال ستساعده على تحقيقها.

وتعتقد واشنطن، على سبيل المثال، أن توجيه ضربات متفرقة سيضمن عدم تمكن طهران من إعادة بناء قوتها العسكرية بالكامل أو تطوير أسلحة نووية. وهي تريد ضرب إيران كلما تجاوز النظام عتبة معينة، مثل إعادة بناء منظومة أسلحة تثير قلقاً خاصاً أو استئناف تخصيب اليورانيوم. ومن خلال ذلك، تعتقد الولايات المتحدة أنها تستطيع إبقاء إيران ضعيفة من دون تحمل المخاطر السياسية والعسكرية المترتبة على محاولة تغيير نظامها.

أما إيران، فتعتقد أن استمرار القتال سيساعدها على استعادة قوة الردع التي فقدتها. وهي تحشد حلفاءها الإقليميين، مثل الميليشيات العراقية والحوثيين في اليمن، لإبقاء خصومها تحت الضغط من جبهات متعددة.

كما أصبح النظام أكثر استعداداً لتوجيه الضربة الأولى. ففي يوليو/تموز، على سبيل المثال، شنت إيران هجوماً صاروخياً على قاعدة في الأردن تستضيف أفراداً عسكريين أمريكيين، رغم عدم تعرضها لضربة أمريكية مباشرة قبل ذلك. وبالطبع، سعت أيضاً إلى السيطرة على مضيق هرمز.

وكان المسؤولون الإيرانيون يعتبرون في السابق إغلاق الممر المائي إجراءً لا يُلجأ إليه إلا كخيار أخير وفي ظروف قصوى. ولذلك انتظروا حتى اندلاع حرب شاملة. لكن خلال يوم واحد، أثبتت طهران قدرتها على السيطرة على المضيق من خلال استهداف السفن بالطائرات المسيّرة والصواريخ، ما منحها ورقة نفوذ جديدة.

ويبدو أن إيران تعتقد أيضاً أن استمرار القتال سيساعدها على استعادة، وربما توسيع، النفوذ الذي تراجع قبل الحرب، عندما فشلت مراراً في ردع خصومها وفقد حلفاؤها الإقليميون نفوذهم. وهذا يفسر لماذا ردت إيران، عندما ضربتها إسرائيل والولايات المتحدة في فبراير/شباط، بتوسيع ساحة المعركة لتشمل الشرق الأوسط بأسره، بما في ذلك دول الخليج التي أمضت السنوات الأخيرة في إعادة بناء علاقاتها مع طهران.

وبشكل عام، هاجمت إيران أكثر من عشر دول في أنحاء الشرق الأوسط. وهي تريد إقناع هذه الدول بالابتعاد عن واشنطن، عبر إثبات أن الشراكة مع الولايات المتحدة تجعلها عرضة للخطر.

فشل الدبلوماسية واستمرار الحرب

قد تكون تقديرات واشنطن وطهران صحيحة، وقد تكون خاطئة. لكن حتى إذا كان استمرار القتال لا يحقق لأي منهما شيئاً، وحتى إذا أدرك الطرفان ذلك، فسيواجهان صعوبة في الوصول إلى حل. فالمسؤولون الإيرانيون يعتقدون أن نظراءهم الأمريكيين مصممون على تدمير الجمهورية الإسلامية، ولذلك لا يرون أنهم قادرون على وقف القتال حتى لو أرادوا ذلك.

ولا تشعر واشنطن بالقدر نفسه من الخوف، لكنها لا تزال تعتقد أنها لا تستطيع تحمل كلفة الاستسلام. فمن وجهة نظر المسؤولين الأمريكيين، إذا منحت الولايات المتحدة إيران ما تريده أكثر من غيره، أي تخفيفاً شاملاً للعقوبات والاعتراف بنفوذها على مضيق هرمز، فإنها ستعزز خصمها وتكافئ استخدامه القوة العسكرية لتحقيق أهدافه.

ومن الناحية النظرية، تستطيع إيران والولايات المتحدة حل هذه القضايا عبر الدبلوماسية. لكن من الناحية العملية، لا يثق أي منهما بالآخر بما يكفي لتقديم تنازلات دائمة.

ولنأخذ، على سبيل المثال، ما حدث لمذكرة التفاهم التي وقعها الجانبان في يونيو/حزيران، على أمل وقف الحرب. كان من المفترض أن تعالج الاتفاقية أولويات البلدين، من خلال إعادة فتح مضيق هرمز وإجراء مفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني، مقابل تخفيف واسع للعقوبات ووقف الهجمات على إيران وحلفائها.

لكن سرعان ما أصبح واضحاً أن المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين لم يتفقوا على التفاصيل. فقد جادلت واشنطن بأن الاتفاق يعني السماح للسفن بالمرور مجدداً عبر المضيق وفق الشروط التي تريدها، بينما قالت طهران إنها لا تزال قادرة على تحديد طريقة العبور وفرض رسوم عليه.

ولذلك، أطلقت إيران النار على السفن التي تمر عبر الممر المائي بمحاذاة الساحل العُماني بدلاً من الساحل الإيراني، ما أثار غضب المسؤولين الأمريكيين. وفي المقابل، اتهمت إيران واشنطن بانتهاك الاتفاق، لعدم إفراجها فوراً عن الأصول الإيرانية المجمدة وعدم منع إسرائيل من ضرب حزب الله. وخلص كلا الطرفين إلى أن الآخر يتصرف بسوء نية، فعاد النزاع إلى التصعيد.

لكن هذا الفشل لا يعني أن طهران وواشنطن لن تتفاوضا. فمن المرجح أن تحافظا على قنوات للحوار، وقد تتوقفان دورياً عن القتال لإعادة تنظيم صفوفهما. غير أن الدبلوماسية والحرب يمكن أن تتواصلا في الوقت نفسه.

ففي خمسينيات القرن الماضي، على سبيل المثال، انخرطت كوريا الشمالية والولايات المتحدة في مفاوضات لسنوات قبل التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار. وطالما أن طهران وواشنطن قادرتان على إيذاء بعضهما البعض ومصممتان على مواصلة ذلك، فلن تنتهي الحرب مهما طال الحوار بينهما.

مراقبة الجوار

قد يكون الصراع مع إيران استقر في حالة من الجمود، لكن النزاع يغير الجمهورية الإسلامية والمنطقة المحيطة بها. وكانت إيران، تقليدياً، نظاماً معقداً من الحكم السلطوي، يجمع بين السلطة الدينية والمؤسسات المنتخبة والأجهزة الأمنية والعسكرية القوية وشبكات المصالح والرعاية المتنافسة، إلى جانب مجتمع حيوي.

لكن وفاة خامنئي أزالت الشخصية المحورية في النظام وأخلّت بالتوازن القائم، فيما تعمل الحرب بصورة منهجية على تعزيز المؤسسات المسؤولة عن بقاء الدولة على حساب كل ما عداها. ولن يؤدي استمرار الصراع إلا إلى تعزيز نفوذ الإيرانيين الذين يرتدون الزي العسكري على حساب المدنيين الذين يرتدون البدلات، وربما حتى على حساب رجال الدين.

وستواصل المؤسسات التشاركية، التي تآكلت بالفعل داخل الجمهورية الإسلامية، فقدان نفوذها، فيما سيظل نفوذ النخب العسكرية والأمنية محاطاً بعباءة دينية آخذة في الانحسار.

ولا يعني ذلك أن الأجزاء غير المسلحة من الهيكل التقليدي للسلطة في إيران ستكون عاجزة عن ممارسة النفوذ. فقد يستمر السياسيون المدنيون في مناقشة ما إذا كان ينبغي على إيران محاولة التفاوض، وإلى أي حد يمكن للاقتصاد الإيراني تحمل المزيد من الضغوط.

لكن قراراتهم ستكون في نهاية المطاف رهينة النخبة المسلحة، التي تعطي الأولوية لاستعادة قوة الردع والحفاظ على قدرات هجومية كافية لإلحاق الأذى بخصوم إيران. ولن تلغي البلاد مؤسساتها المدنية، لكن المزيد والمزيد من مجالات الحياة سيُنظر إليها باعتبارها قضايا أمنية، من الاتصالات والاستثمار الأجنبي إلى الجامعات والإعلام والسياسة الاقتصادية، وبالتالي ستصبح خاضعة بدرجة أكبر لقيادة المؤسسة الأمنية.

وستستمر الهوية الدينية للنظام، لكن المؤسسة الدينية التي كانت في السابق تستخدم الجيش لتعزيز سلطتها قد تجد نفسها خاضعة له.

وفي الوقت نفسه، تعيد دول الخليج العربية صياغة عقائدها الأمنية. وقد تروق بعض هذه التوجهات لإيران؛ فبعد عقود من محاولة إبقاء واشنطن منخرطة في المنطقة خوفاً من أن يؤدي انسحاب الولايات المتحدة إلى تركها عرضة للخطر، خلصت دول الخليج إلى أن علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة تجعلها أهدافاً محتملة.

لكن من غير المرجح أن تتخلى دول الخليج عن واشنطن. فعلى الرغم من جميع عيوبها، لا تزال الولايات المتحدة القوة الخارجية الوحيدة التي تقدم لها دعماً عسكرياً، كما أن انعدام الثقة بينها وبين إيران ازداد منذ اندلاع الحرب. بل إن بعض دول الخليج ردت بالفعل على هجمات الجمهورية الإسلامية.

وبدلاً من ذلك، من المرجح أن تتبنى هذه الدول سياسة تقوم على التحوط وتنويع الخيارات. وستعمل على إقامة روابط دبلوماسية واقتصادية أقوى مع إيران، أملاً في إقناعها بالتوقف عن استهدافها، لكنها ستحافظ في الوقت نفسه على علاقاتها الأمنية والاقتصادية مع واشنطن.

كما ستبدأ في محاولة تطوير دفاعات صاروخية محلية أكثر قوة، وتعزيز بنيتها التحتية، وإنشاء طرق بديلة لتصدير الطاقة، وبناء احتياطيات استراتيجية أكبر من النفط والغاز والأسلحة. وقد تحاول دول المنطقة أيضاً استخدام علاقاتها مع كل من إيران والولايات المتحدة للوساطة في النزاع.

الجمود في الحرب الإيرانية يتحول إلى حالة مستدامة

الحروب فوضوية بطبيعتها، ومن الممكن أن يؤدي هجوم أو حدث مستقبلي إلى الإخلال بالتوازن الحالي. ومع ازدياد شعور البلدين بالارتياح تجاه الوضع الراهن، قد يبالغان في تقدير قوة دفاعاتهما ويقرران التصعيد.

فعلى سبيل المثال، قد تميل واشنطن إلى زيادة الضغط على النظام عبر هجوم عسكري أكثر شدة، ما قد يدفع إيران إلى إحداث مزيد من الاضطرابات في أسواق الطاقة وإلحاق أضرار أكبر بدول الخليج.

وإذا أدى صاروخ إيراني إلى مقتل أعداد كبيرة من الأمريكيين، أو تسبب هجوم إيراني في تعطيل بنية تحتية حيوية في الخليج، فقد تقرر الولايات المتحدة أخيراً استخدام قوات برية أو تدمير شبكة الكهرباء الإيرانية، ما قد يعرض النظام للخطر.

وقد تكون طهران مخطئة أيضاً في اعتقادها أنها تستطيع الاستمرار في تحميل شعبها تكاليف باهظة. فقد يؤدي النقص المتزايد في السلع إلى تجدد الاحتجاجات الشعبية وظهور انشقاقات داخل النخبة، ما يجعل من الصعب على النظام مواصلة الحرب ضد الولايات المتحدة مع الحفاظ في الوقت نفسه على سلطته.

وقد يتحول التدهور الذي يبدو قابلاً للإدارة إلى شيء أكثر خطورة: تراجع قدرة الدولة على الحكم، وليس مجرد تراجع قدرتها على مواصلة القتال.

لكن الحرب تبدو في الوقت الراهن قابلة للاستمرار. فلم تحقق واشنطن أياً من أهدافها المعلنة، كما استنفدت جزءاً من ذخائرها باهظة الثمن. ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة قادرة على مواصلة القتال، وتعتقد أن كلفة الاستسلام أكبر من كلفة الاستمرار.

ويواجه المجتمع الإيراني سنوات من الفقر وانعدام الأمن، لكن الجمهورية الإسلامية نفسها لا تزال مستقرة، ولا تعتقد أنها قادرة على تحمل تقديم تنازلات ذات مغزى.

وهذه هي مفارقة هذا النزاع: خرج الطرفان منه أضعف مما كانا عليه. ولا يستطيع أي منهما تحقيق النصر، لكنهما يواصلان القتال على أي حال، لأن البدائل تبدو لهما غير مقبولة على الإطلاق.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
MERO

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 + 15 =

زر الذهاب إلى الأعلى