تنازل أميركي تاريخي لإيران.. هل يمهد ترامب لثراء طهران؟

بالنسبة لإيران، يمثل قرار تعليق العقوبات مكسباً مهماً، إذ يساعد الإعفاء الجديد على تسريع تعافي الصادرات، وتحرير قدرات التخزين التي أوشكت على الامتلاء، وإتاحة استئناف الإنتاج الذي كان قد جرى تقليصه.

ميدل ايست نيوز: حققت المفاوضات الإيرانية الأميركية في سويسرا مكسباً مهماً لطهران. فقد أصدرت وزارة الخزانة الأميركية، في 22 يونيو الجاري، إعفاءً غير مسبوق نسبياً مقارنة بسياسة واشنطن الممتدة على مدى أربعة عقود، يتيح بيع النفط الإيراني وتصدريه لمدة 60 يوماً. يختلف هذا القرار عن كثير من الإعفاءات السابقة، إذ لا يقتصر على النفط الذي جرى تحميله مسبقاً، كما أنه لا يُلزم المشترين بخفض مشترياتهم تدريجياً.

وكانت الولايات المتحدة قد حظرت منذ عام 1980 شراء النفط الإيراني من قبل الشركات الأميركية، وذلك رداً على أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية بطهران. وفي مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، أضيفت العقوبات الثانوية التي تستهدف المشترين الأجانب للنفط الإيراني. وقد جرى تعليق هذه العقوبات بموجب الاتفاق النووي المبرم عام 2015، لكنها عادت بصورة أشد بعد انسحاب دونالد ترامب من الاتفاق.

يذهب الإعفاء الجديد إلى أبعد من جميع النماذج السابقة، إذ بات بإمكان المصافي الأميركية شراء النفط الإيراني بصورة مباشرة، وتسديد قيمته بالدولار، وحتى استلامه من ناقلات نفط خاضعة للعقوبات. ولذلك يُنظر إلى القرار باعتباره تراجعاً مؤقتاً عن الحظر الذي استقر في السياسة الأميركية منذ الثورة الإيرانية.

الحفاظ على المفاوضات والسيطرة على سوق النفط ومنع إغلاق هرمز

يتمثل السؤال الرئيسي الذي نطرحه في أسباب تقديم الولايات المتحدة مثل هذا الامتياز الكبير في وقت لم تسفر فيه المفاوضات حتى الآن عن تنازلات واضحة من الجانب الإيراني. ويتمثل أحد الدوافع الواضحة في إبقاء مسار التفاوض قائماً ومنع إغلاق مضيق هرمز، ولا سيما في ظل استمرار التوترات الإقليمية الناتجة عن الهجمات الإسرائيلية في لبنان.

كما تأمل الإدارة الأميركية أن يسهم هذا الإجراء في خفض أسعار النفط، والحد من وصول الصين إلى النفط الإيراني منخفض التكلفة، ومنع إيران من إغلاق مضيق هرمز. غير أن تقييم مجلة الإيكونوميست يشير إلى أن التأثير الفعلي لهذا القرار قد يبقى محدوداً.

ويعود أحد أسباب ذلك إلى أن صادرات النفط الإيرانية كانت قد بدأت بالارتفاع حتى قبل صدور الإعفاء، نتيجة رفع القيود عن الموانئ الإيرانية منذ أواخر يونيو. وبعد أن كانت صادرات النفط الإيرانية قد اقتربت من الصفر خلال مايو، ارتفعت إلى نحو 1.5 مليون برميل يومياً. كما زادت عمليات التحميل من جزيرة خرج، التي تعد المحطة الرئيسية لصادرات النفط الإيرانية. ومع ذلك، لا تزال إيران بعيدة عن استعادة متوسط صادراتها الشهري البالغ مليوني برميل يومياً قبل الحرب.

كما تُظهر تحركات أسعار خام برنت أن الأسواق كانت قد استوعبت جزئياً زيادة صادرات النفط الإيرانية قبل الإعلان عن الإعفاء، وهو ما يفسر عدم حدوث تغيرات كبيرة في الأسعار عقب القرار الأميركي.

المشترون الجدد لن يعودوا بسهولة

ولكي ترتفع صادرات النفط الإيرانية فوق مستوياتها الحالية وتؤثر بصورة أكبر في الأسعار، يتعين على طهران العثور على مشترين جدد. خلال السنوات الأخيرة، اتجهت معظم صادرات النفط الإيرانية إلى المصافي المستقلة الصغيرة في شمال شرقي الصين. ورغم استفادة هذه المصافي من انخفاض تكاليف إخفاء عمليات النقل والتجارة، فإن قدرتها على زيادة المشتريات بصورة كبيرة تبقى محدودة.

من جهة أخرى، يُعرض النفط الإيراني حالياً بأسعار تقارب أسعار النفط العماني والإماراتي، الأمر الذي يقلل من دوافع زيادة المشتريات بشكل كبير. كما يواجه المشترون الآخرون عقبات جدية للعودة إلى السوق الإيرانية، إذ يتعين على البنوك وشركات التأمين ووحدات الامتثال التأكد من استمرار إمكانية التجارة مع إيران لأكثر من ستين يوماً، ومن عدم إلغاء ترامب للإعفاء بشكل مفاجئ.

إضافة إلى ذلك، لا تزال العقوبات الأوروبية والبريطانية قائمة، كما أن المخاطر الائتمانية والسمعة المرتبطة بالتعامل المباشر مع الحكومة الإيرانية تمثل عائقاً مهماً أمام العديد من الشركات. بناءً على ذلك، قد تستأنف الهند جزءاً من وارداتها من النفط الإيراني، فيما قد تبدأ اليابان وكوريا الجنوبية بدراسة استئناف الشراء إذا استمر الوضع الحالي لعدة أسابيع، إلا أن عودة المشترين الغربيين تبدو مستبعدة قبل التوصل إلى اتفاق دائم.

هرمز لا يزال نقطة الغموض الرئيسية

كان أحد الأهداف الأساسية للولايات المتحدة من إصدار الإعفاء هو إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، إلا أن هذه السياسة لم توفر حتى الآن مستوى الوضوح الذي كانت واشنطن تأمله. فبعد أيام من توقيع الاتفاق الأولي بين ترامب والطرف الإيراني، أعلن مقر خاتم الأنبياء منذ أيام إغلاق مضيق هرمز.

وأدى ذلك إلى توقف حركة السفن غير الإيرانية التي كانت قد شهدت زيادة بعد توقيع الاتفاق، رغم استمرار ارتفاع صادرات النفط الإيرانية.

ويبدو حالياً أن حركة الملاحة في هرمز عادت إلى الارتفاع مجدداً، بالتزامن مع استمرار التوتر بين إيران والولايات المتحدة. وعلى المدى الطويل، يتمثل القلق الأكبر في احتمال سعي إيران إلى فرض رسوم أو تكاليف عبور عبر المضيق، وهي خطوة قد تحد من حركة التجارة البحرية. وكانت إيران قد أعلنت في 22 يونيو عزمها إدارة هذا الممر المائي وإنشاء خط هاتفي لتنسيق حركة السفن العابرة.

مكسب كبير لطهران ومردود محدود لواشنطن

وبحسب تقارير عالمية، فإن الإعفاء من العقوبات لم يحقق حتى الآن أهدافه الأساسية من وجهة النظر الأميركية. فلم تنخفض أسعار النفط بصورة ملموسة، ولم تتضح أوضاع مضيق هرمز بشكل كامل، كما أن كبار المشترين العالميين لم يعودوا سريعاً إلى سوق النفط الإيرانية.

أما بالنسبة لإيران، فيمثل القرار مكسباً مهماً، إذ يساعد الإعفاء الجديد على تسريع تعافي الصادرات، وتحرير قدرات التخزين التي أوشكت على الامتلاء، وإتاحة استئناف الإنتاج الذي كان قد جرى تقليصه. كما أن تراجع العقبات المرتبطة بالمدفوعات والنقل والخدمات اللوجستية يسمح لشركات النفط الإيرانية، وفي نهاية المطاف للحكومة، بتحقيق إيرادات أكبر من كل برميل نفط.

وإذا جرى تمديد هذا الإعفاء لفترة غير محددة، فقد تتمكن إيران من جذب شريحة أكبر وأكثر تنوعاً من المشترين. وإلى جانب العائدات المحتملة من رسوم العبور، والإفراج عن الأصول المجمدة، وصندوق التعويضات البالغة قيمته 300 مليار دولار الذي وعد به ترامب، قد تتحول إيران خلال عقد من الزمن إلى واحدة من أغنى الدول المطلة على الخليج، من دون تقديم تنازلات كبيرة بشأن برنامجها النووي أو دعمها للفصائل العسكرية في المنطقة.

ومع ذلك، فإن مثل هذا المسار قد يواجه معارضة قوية داخل الولايات المتحدة، إذ يرى منتقدون أن هذه السياسة تمثل شكلاً من أشكال التنازل شبه الكامل أمام إيران. ورغم ذلك، تؤكد تقارير أن احتمالات تحقق هذا السيناريو تتزايد تدريجياً.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى