هل رحّب الإيرانيون فعلاً بالضربات الأمريكية؟

بالنسبة لإيران، فالمظاهرات والاحتجاجات لا تعني بالضرورة وجود دعم لتدخل عسكري خارجي، بل قد تعكس فقط رفضاً لسياسات داخلية دون أي رغبة في تدخل خارجي.

ميدل ايست نيوز: خلال العقود الماضية، غالباً ما برّرت الولايات المتحدة تدخلاتها العسكرية في الخارج بدوافع أمنية وجيوسياسية، لكن الخطاب السياسي الأمريكي لم يقتصر على ذلك، إذ كرر عدد من الرؤساء أن هذه العمليات تتم أيضاً “بناءً على رغبة شعوب الدول المستهدفة”. هذا الاعتقاد يفتح المجال للرأي العام لطرح سؤال أساسي: هل توجد فعلاً علاقة بين مبررات التدخل العسكري وبين رضا السكان المحليين في تلك الدول؟

الدراسات الحديثة تشير إلى أن هذا العامل لم يعد مجرد تفصيل أخلاقي، بل أصبح جزءاً من حسابات الرأي العام داخل الولايات المتحدة نفسها. فالمواطن الأمريكي، بحسب هذه الأبحاث، لا ينظر فقط إلى كلفة الحرب أو احتمالات نجاحها، بل يهتم أيضاً بمعرفة ما إذا كان السكان المحليون في الدولة المستهدفة “يرحبون” بالتدخل العسكري أم لا، وهو ما يمكن أن يؤثر بشكل مباشر على مستوى الدعم الداخلي لأي عملية عسكرية.

مطلع العام الجاري 2026، ومع تصاعد الاحتجاجات داخل إيران، صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن “المساعدة في الطريق”، قبل أن تبدأ عملية عسكرية ضد إيران بعد أسابيع. في خطابه الموجه للإيرانيين، قدّم ترامب العملية بوصفها “لحظة تحرير”، داعياً المواطنين إلى استعادة السيطرة على بلدهم بعد انتهاء العمليات العسكرية. خلف هذا الخطاب كانت هناك فرضية واضحة: أن جزءاً كبيراً من الإيرانيين يرغب في تدخل أمريكي يساهم في تغيير النظام القائم.

لكن هذه الفرضية لم تكن مدعومة بمعطيات دقيقة. صحيح أن بعض الشخصيات المعارضة في الخارج، مثل رضا بهلوي، قدّمت قراءات قريبة من هذا الطرح، إلا أن الصورة داخل المجتمع الإيراني كانت أكثر تعقيداً، ولا يمكن اختزالها في موقف واحد. فالمعارضة السياسية للحكومة لا تعني تلقائياً تأييد تدخل عسكري خارجي أو ضربات جوية على البلاد.

يقول خبراء إن هذا النمط من الخطاب ليس جديداً على السياسة الأمريكية. فقد سبق لإدارات أمريكية متعددة أن ربطت بين أهدافها العسكرية وبين “تحرير الشعوب”، سواء في العراق أو غيره من الدول. المثال الأبرز كان قبيل حرب العراق عام 2003، حين تحدث مسؤولون أمريكيون، من بينهم ديك تشيني، عن أن القوات الأمريكية ستُستقبل باعتبارها “قوة تحرير” من قبل العراقيين، وهو ما لم يتحقق على أرض الواقع بالشكل المتوقع.

في هذا السياق، تتعلق نقطة مهمة بالرأي العام داخل الولايات المتحدة نفسها: فكرة “رضا السكان المحليين” تؤثر بشكل مباشر على دعم الأمريكيين للحروب. ففي دراسة أجريت عام 2023 بمشاركة أكثر من 3300 شخص، طُلب من المشاركين تقييم سيناريوهات افتراضية لتدخل عسكري أمريكي في دولة أجنبية.

النتائج كانت لافتة. عندما أُبلغ المشاركون أن “جميع أفراد المجموعة المضطهدة تقريباً يرحبون بالتدخل”، ارتفع الدعم الأمريكي للعملية العسكرية بنحو 19 نقطة مئوية مقارنة بحالة لا يوجد فيها أي دعم محلي تقريباً. هذا الفارق كان قريباً من تأثير عامل آخر شديد الأهمية: احتمال نجاح العملية العسكرية نفسه.

كما أظهرت الدراسة أن عدد الضحايا المدنيين يلعب دوراً كبيراً في تشكيل الموقف العام. فعندما يكون السيناريو خالياً من الضحايا المدنيين، يرتفع الدعم للعملية بأكثر من 20 نقطة مئوية مقارنة بعمليات يُتوقع أن تسفر عن آلاف القتلى. لكن المثير في النتائج أن “رضا السكان المحليين” ظل عاملاً مستقلاً في التأثير، حتى عندما كانت عناصر النجاح والخسائر معروفة مسبقاً، ما يشير إلى أنه يُنظر إليه أيضاً كقيمة أخلاقية لدى شريحة واسعة من الأمريكيين.

ثمة تجارب تاريخية ايضاً لدعم هذه الفرضية. ففي تدخل الناتو في كوسوفو عام 1999، كان هناك تعاطف واسع داخل كوسوفو مع التدخل الغربي، وهو ما انعكس على الدعم الشعبي داخل الولايات المتحدة، حيث أيد نحو 60% من الأمريكيين العملية العسكرية، معتبرين أنها تهدف إلى حماية المدنيين.

في المقابل، جاءت حرب العراق عام 2003 في سياق مختلف تماماً. حينها لم تكن المعلومات الدقيقة حول موقف العراقيين من التدخل متوفرة، إلا أن الخطاب الرسمي الأمريكي كان واثقاً من أن القوات الأمريكية ستُستقبل بالترحيب. ومع انتشار مزاعم امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، وجد هذا الخطاب أرضية لدى جزء كبير من الرأي العام الأمريكي، رغم أن التطورات اللاحقة أثبتت تعقيد المشهد على الأرض.

أحد الإشكالات الرئيسية التي يناقشها التقرير هو صعوبة قياس “رضا الشعوب” بشكل دقيق. ففي بعض الحالات، تكون الصورة واضحة نسبياً، كما هو الحال في دول تمتلك استطلاعات رأي موثوقة. لكن في حالات أخرى، مثل إيران، تصبح المسألة أكثر تعقيداً. فالمظاهرات والاحتجاجات لا تعني بالضرورة وجود دعم لتدخل عسكري خارجي، بل قد تعكس فقط رفضاً لسياسات داخلية دون أي رغبة في تدخل خارجي.

كما أن الاعتماد على الجاليات في الخارج لا يعطي صورة دقيقة عن الداخل، لأن هذه الفئات تعيش ظروفاً سياسية واجتماعية مختلفة. حتى داخل الجاليات الإيرانية في الولايات المتحدة، أظهرت استطلاعات خلال الأسبوع الأول من التصعيد العسكري انقساماً شبه متساوٍ بين مؤيد ومعارض للتدخل.

في المحصلة، يمكن القول أن “رضا السكان المحليين” ليس مجرد تفصيل ثانوي، بل عنصر له وزن أخلاقي وسياسي في آن واحد. فبالنسبة للسياسة الأمريكية، يمكن أن يكون غياب هذا الرضا سبباً في تآكل الدعم الداخلي لأي عملية عسكرية، حتى لو كانت مبررة استراتيجياً.

لكن في الوقت نفسه، لا بد من التحذير من خطورة الادعاء بوجود هذا الرضا دون أدلة واضحة. فالمبالغة في تفسير المزاج الشعبي في الدول المستهدفة قد تؤدي إلى قرارات سياسية خاطئة، وتضعف مصداقية الخطاب الرسمي عندما تتكشف الحقائق على الأرض.

وفي حالات معينة فقط، مثل الإبادة الجماعية أو الجرائم الواسعة ضد الإنسانية، قد ترى بعض الأطراف أن التدخل العسكري يمكن أن يُناقش بمعزل عن شرط “الرضا الشعبي”. أما خارج هذه الحالات الاستثنائية، فإن التحقق من موقف السكان المحليين يظل جزءاً أساسياً من أي قرار عسكري.

يتوقف تأثير هذا العامل عند حدود  السياسة الخارجية فقط، بل يمتد إلى الداخل الأمريكي نفسه. فالمواطنون هناك لا ينظرون إلى الحروب بوصفها قرارات بعيدة بل كقضايا أخلاقية أيضاً، ما يجعل أي خطاب يتجاهل موقف الشعوب المحلية عرضة لفقدان الثقة والدعم مع مرور الوقت.

وهكذا، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن فعلاً الحديث عن “ترحيب شعبي” في دول تشهد صراعات معقدة مثل إيران؟ أم أن هذا النوع من الخطاب يعكس في النهاية قراءة سياسية أكثر مما يعكس واقعاً اجتماعياً قابلاً للتحقق؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى