هل يدفع التصعيد في باب المندب، باكستان إلى مواجهة إيران؟

لا يزال احتمال دخول القوات الباكستانية بشكل مباشر وواسع في الحرب اليمنية منخفضاً، لكن إمكانية تقديم دعم عسكري محدود أو دفاعي أو لوجستي للسعودية لا يمكن استبعادها.

ميدل ايست نيوز: عاد مضيق باب المندب مجدداً ليصبح أحد أبرز بؤر التوتر في المنطقة، في ظل أزمة قد تتجاوز، نظراً للموقع الاستراتيجي لهذا الممر البحري، حدود الصراع بين اليمن والسعودية، لتُدخل لاعبين جدد في معادلات أمن البحر الأحمر.

وفي هذا السياق، كتبت صحيفة “توسعه إيراني” أن المواقف الصريحة لباكستان تجاه تهديدات جماعة أنصار الله اليمنية ضد السعودية تكتسب أهمية خاصة، لا سيما أن إسلام آباد والرياض وقعتا في سبتمبر/أيلول 2025 اتفاقية دفاعية استراتيجية متبادلة.

وبموجب هذا الاتفاق، يُعد أي اعتداء على أحد البلدين اعتداءً على البلدين معاً، وهي صياغة تشبه منطق المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي “الناتو”، وتعكس مستوى جديداً من التعاون الأمني بين إسلام آباد والرياض.

ويطرح ذلك تساؤلات حول احتمال دخول باكستان عسكرياً لدعم السعودية إذا تصاعد التوتر في باب المندب والبحر الأحمر، والأهم من ذلك، ما إذا كان هذا الوضع قد يدفع إيران وباكستان إلى مواجهة مباشرة أو غير مباشرة.

لماذا أدانت باكستان تهديدات أنصار الله ضد السعودية؟

أدانت وزارة الخارجية الباكستانية، في ردها على إعلان أنصار الله بشأن معادلة “الحصار مقابل الحصار”، تهديدات الجماعة ضد السعودية والملاحة في البحر الأحمر، وأعربت عن قلقها من خطوات قد تدفع الرياض إلى الانخراط في مواجهة أوسع في الشرق الأوسط. كما جددت إسلام آباد تأكيد دعمها لأمن السعودية وسيادتها ووحدة أراضيها.

ويجب تحليل هذا الموقف في إطار الاتفاقية الدفاعية الجديدة بين البلدين. فالعلاقات الباكستانية السعودية لم تعد تقتصر على التعاون العسكري التقليدي، بل أصبحت، وفق اتفاق الدفاع المتبادل، تربط أمن كل دولة بأمن الأخرى. لذلك يمكن اعتبار الموقف السياسي الباكستاني أول مؤشر على جدية إسلام آباد في التعامل مع التزاماتها تجاه الرياض.

لكن دوافع باكستان لا تقتصر على بنود الاتفاقية الدفاعية فقط. فالسعودية تعد من أهم الشركاء الاقتصاديين والسياسيين لباكستان، وقد بُنيت العلاقات بين البلدين خلال العقود الماضية على التعاون في مجالات الأمن والطاقة والاستثمار والدعم المالي. وفي ظل الأزمات الاقتصادية الحادة التي تواجهها إسلام آباد، لا يمكنها تجاهل علاقاتها مع الرياض.

من جهة أخرى، تخشى باكستان من أن يؤدي تصاعد أزمة البحر الأحمر إلى تهديد الأمن الاقتصادي وأمن الطاقة في المنطقة. فمضيق باب المندب يعد أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية، وأي اضطراب واسع في حركة الملاحة قد يترك آثاراً مباشرة وغير مباشرة على اقتصادات دول المنطقة.

وبالتالي، فإن إدانة باكستان لتهديدات أنصار الله تحمل رسالتين متزامنتين: الأولى طمأنة السعودية بشأن الالتزام بالتعهدات الأمنية، والثانية محاولة للردع ومنع وصول الأزمة إلى مرحلة تضطر فيها إسلام آباد لاتخاذ قرار بشأن التدخل العسكري.

هل ستدخل باكستان الحرب؟

في الظروف الحالية، لا يزال احتمال دخول القوات الباكستانية بشكل مباشر وواسع في الحرب اليمنية منخفضاً، لكن إمكانية تقديم دعم عسكري محدود أو دفاعي أو لوجستي للسعودية لا يمكن استبعادها.

فالاتفاقية الدفاعية بين باكستان والسعودية، رغم الصياغات التي قد توحي بذلك، لا تعني بالضرورة إنشاء آلية تلقائية تلزم باكستان بالدخول في أي حرب تخوضها السعودية. إذ ستكون طبيعة التهديد، ومكان وقوع الهجوم، وكيفية تفسير التزامات البلدين، عوامل حاسمة في تحديد الموقف.

إذا بقيت تهديدات أنصار الله ضمن نطاق التصريحات السياسية أو الهجمات البحرية المحدودة، فمن المرجح أن تكتفي باكستان بالدعم السياسي والدبلوماسي للسعودية. أما إذا تطورت المواجهة إلى هجمات واسعة ضد الأراضي السعودية أو منشآت النفط أو البنى التحتية الحيوية أو المواقع العسكرية، فقد يتغير الوضع.

وفي مثل هذا السيناريو، قد تبدأ باكستان أولاً بتعزيز أنظمة الدفاع، وتوسيع التعاون الاستخباراتي، وحماية المنشآت الحساسة، وزيادة وجودها العسكري في السعودية. ويُعد هذا النوع من الدعم أقل تكلفة بالنسبة لإسلام آباد مقارنة بالدخول المباشر في الحرب، كما أنه قد يمثل إشارة إلى تنفيذ التزاماتها الدفاعية تجاه الرياض.

أما مشاركة القوات الباكستانية في عمليات قتالية مباشرة ضد أنصار الله، فهي تبقى سيناريو أكثر تعقيداً. فباكستان من جهة لا تريد إضعاف مصداقية اتفاقها الدفاعي مع السعودية، ومن جهة أخرى لا ترغب في الانجرار إلى حرب استنزاف طويلة في اليمن.

إضافة إلى ذلك، فإن مثل هذا التدخل قد يضع إسلام آباد عملياً في مواجهة مع إيران. لذلك فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً في حال تصاعد الأزمة يتمثل في دعم باكستان التدريجي للسعودية، بدءاً بالدعم السياسي والدبلوماسي، ثم تعزيز التعاون الاستخباراتي والدفاعي، وصولاً إلى بحث خيارات عسكرية أكثر جدية فقط في حال تعرض الأراضي السعودية لهجوم مباشر وواسع.

هل ستجد إيران وباكستان نفسيهما في مواجهة؟

لا يزال احتمال اندلاع مواجهة مباشرة بين إيران وباكستان منخفضاً، لكن إمكانية وجود البلدين على طرفي أزمة إقليمية واحدة تبقى قائمة.

ترتبط إيران بعلاقات وثيقة مع أنصار الله، وفي حال تصاعد المواجهة بين الجماعة والسعودية، فمن المرجح أن تقدم طهران دعماً سياسياً لليمن. في المقابل، ستجد باكستان نفسها مطالبة، وفق اتفاقها الدفاعي مع الرياض، بدعم السعودية.

وقد يؤدي هذا الوضع إلى شكل من أشكال المواجهة غير المباشية بين طهران وإسلام آباد، لكنه لا يعني بالضرورة اندلاع حرب مباشرة بين البلدين.

ولا تزال باكستان تسعى للحفاظ على علاقاتها مع إيران. فقد لعبت إسلام آباد في مراحل مختلفة دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة، كما أن لديها مصالح اقتصادية وأمنية مهمة في استمرار علاقاتها مع طهران. لذلك من المستبعد أن ترغب باكستان في تحويل اتفاقها الدفاعي مع السعودية إلى مواجهة مباشرة مع إيران.

لكن إذا وصلت الأزمة إلى مرحلة تدفع باكستان لإرسال قوات قتالية لتنفيذ عمليات مباشرة ضد أنصار الله في اليمن، فإن المعادلة ستتغير. وفي هذه الحالة قد تجد إيران وباكستان نفسيهما فعلياً على طرفي مواجهة إقليمية، حتى من دون الدخول في حرب مباشرة بينهما.

في النهاية، فإن التصعيد الباكستاني تجاه تهديدات أنصار الله لا يعكس بالضرورة قراراً نهائياً من إسلام آباد بدخول الحرب، بقدر ما يمثل محاولة لرسم خطوط حمراء جديدة وتعزيز الردع. فباكستان تريد إيصال رسالة إلى السعودية بأن الاتفاق الدفاعي بينهما جاد، لكنها في الوقت نفسه تحاول تجنب الانجرار إلى الحرب اليمنية.

وبات مضيق باب المندب نقطة تقاطع لعدة أزمات، بدءاً من التنافس الإيراني السعودي والحرب اليمنية، مروراً بتراجع ثقة بعض الدول العربية بالضمانات الأمنية الأمريكية، وصولاً إلى تشكل تحالفات دفاعية جديدة.

وفي خضم ذلك، تسعى باكستان إلى تثبيت موقعها كلاعب أمني مهم في الشرق الأوسط، لكن هذا الدور يحمل تكاليف وتحديات كبيرة.

فإذا بقي التوتر في باب المندب محدوداً، فمن المرجح أن تكتفي إسلام آباد بدعم سياسي ودفاعي للرياض. أما في حال تعرض السعودية لهجوم مباشر وواسع، فستزداد الضغوط لتنفيذ التزامات الاتفاق الدفاعي.

وفي مثل هذه الظروف، ستجد باكستان نفسها أمام ضرورة تحقيق توازن دقيق بين ثلاثة أهداف: الحفاظ على تحالفها الاستراتيجي مع السعودية، ومنع تدهور علاقاتها مع إيران، وتجنب الدخول في حرب قد تتجاوز تداعياتها باب المندب لتؤثر في مجمل المعادلات الأمنية في المنطقة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرة + 7 =

زر الذهاب إلى الأعلى