من المجرى إلى النبع: هل انتقلت بغداد إلى تفكيك مصانع المسيّرات وورش السلاح المنفلت؟

تحولت الطائرات المسيرة في العراق إلى أحد أبرز التحديات الأمنية التي تواجه السلطات، بعد الكشف عن ورش لتصنيعها داخل العاصمة بغداد.

ميدل ايست نيوز: تحولت الطائرات المسيرة في العراق إلى أحد أبرز التحديات الأمنية التي تواجه السلطات، بعد الكشف عن ورش لتصنيعها داخل العاصمة بغداد، في تطور يؤشر انتقال التهديد من مرحلة الاستخدام إلى مرحلة الإنتاج المحلي، وبينما كثفت الحكومة إجراءاتها لملاحقة هذا النوع من الأنشطة، يؤكد خبراء أمنيون أن العملية تمثل جزءاً من مسار أوسع لحصر السلاح بيد الدولة، ورسالة واضحة بأن الدولة انتقلت إلى استهداف مصادر تصنيع السلاح قبل وصوله إلى ساحات الاستخدام.

وأعلن جهاز الأمن الوطني العراقي، الثلاثاء (21 تموز يوليو)، إحباط محاولة لتصنيع طائرات مسيّرة داخل العاصمة بغداد، بعد تنفيذ مذكرات قبض وتفتيش بحق ثلاثة متهمين بإشراف قاضي محكمة التحقيق الثالثة المختصة بقضايا الجهاز. وأسفرت العملية عن ضبط 25 هيكل طائرة مسيرة، إلى جانب معدات وأدوات تستخدم في عمليات التجميع والإنتاج، فضلاً عن ورشة تضم ألواحاً وقطعاً مصنّعة من مادة الكاربون ومستلزمات فنية تدخل في مراحل التصنيع.

إنتاج منظم

ويقول الخبير الأمني مجاهد الصميدعي إن “إحباط محاولة تصنيع طائرات مسيرة داخل العاصمة بغداد يمثل إنجازاً استخبارياً وأمنياً بالغ الأهمية، لأن خطورة القضية لا تكمن في عدد الطائرات المضبوطة، وإنما في امتلاك القدرة على تصنيعها وتجميعها داخل العراق”.

ويضيف، أن “الحديث عن ورشة تضم 25 هيكل طائرة مسيّرة لا يعكس جهداً فردياً أو استخداماً محدوداً، بل يشير إلى مشروع يحمل مؤشرات على وجود إنتاج منظم، قد يكون قادراً على تزويد أكثر من جهة بهذه التقنيات، وهو ما يستدعي التعامل معه بأقصى درجات الجدية”.

مشروع متكامل

ويرى الصميدعي، أن “الأخطر في هذه القضية هو أن تصنيع الطائرات المسيّرة داخل بغداد يكشف عن وجود سلسلة دعم متكاملة، تشمل توفير المواد الأولية والمكونات الإلكترونية والتمويل والخبرات الفنية، وربما جهات تقف خلف المشروع وتسعى إلى بناء قدرات تصنيع محلية بعيداً عن الرقابة التقليدية على تهريب السلاح، الأمر الذي يجعل استهداف هذه الشبكات ضرورة لحماية الأمن الوطني ومنع تطور هذا النشاط مستقبلاً”.

ويأتي ضبط ورشة تصنيع الطائرات المسيّرة في وقت تواصل فيه حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي تضييق الخناق على الفصائل المسلحة ضمن مسار حصر السلاح بيد الدولة، ولا سيما أن الطائرات المسيّرة باتت تمثل أحد أبرز الأسلحة التي تعتمد عليها بعض التشكيلات في تنفيذ عملياتها.

ويعتقد مختصون، أن استهداف مواقع التصنيع والتجميع لا يقل أهمية عن ملاحقة مخازن السلاح، لأنه يستهدف البنية التي تتيح إنتاج هذا النوع من الأسلحة وتطويره داخل البلاد، في إطار مساع حكومية لاحتكار استخدام القوة المسلحة بيد المؤسسات الرسمية.

تطور أمني لافت

بدوره، يقول الخبير في الشؤون الاستراتيجية عماد علو، إن “ضبط ورشة لتصنيع الطائرات المسيّرة يمثل تطوراً أمنياً لافتاً في سياق الجهود الحكومية الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة، ويؤكد أن الأجهزة الأمنية والاستخبارية كانت تمتلك معلومات دقيقة عن توسع محاولات إنتاج هذا النوع من الأسلحة داخل العراق”.

ويضيف، أن “قرار مجلس القضاء الأعلى بتقييد استخدام الطائرات المسيّرة وفرض الحصول على الموافقات الأمنية اللازمة، ثم توجيه المحاكم بتطبيق أحكام قانون مكافحة الإرهاب بحق من يصنعها أو يستخدمها أو يحوزها لأغراض مخالفة للقانون، يعكس إدراك الدولة لخطورة هذا السلاح، وحرصها على وضعه تحت رقابة صارمة”.

تهديد الأمن الداخلي

وينبه علو إلى أن “الطائرات المسيّرة لم تعد سلاحاً تقليدياً، بل أصبحت أحد أبرز أدوات الحروب الحديثة، كما أثبتت النزاعات في أوكرانيا والشرق الأوسط، الأمر الذي يجعل أي محاولة لتصنيعها محلياً تمثل تهديداً للأمن الداخلي وللبيئة الأمنية في المنطقة”.

ويؤكد، أن “إحباط هذه المحاولة يبعث برسالة واضحة مفادها أن الدولة لن تسمح بامتلاك أو إنتاج وسائل قتالية متطورة خارج الأطر الرسمية، وأن احتكار القوة المسلحة يجب أن يبقى بيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، بما يعزز هيبة الدولة ويحافظ على الأمن والاستقرار”.

وكان مجلس القضاء الأعلى قد وجّه، في وقت سابق، المحاكم المختصة بتطبيق أحكام قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة 2005 بحق كل من يصنع أو يستخدم أو يحوز الطائرات المسيّرة لأغراض مخالفة للقانون، في خطوة عدها مختصون تعزيزاً للإطار القانوني الذي تستند إليه الأجهزة الأمنية في ملاحقة هذا النوع من الجرائم، وتشديداً للإجراءات الرامية إلى منع انتشار الأسلحة المتطورة خارج سلطة الدولة.

ويأتي ضبط الورشة على وقع تصعيد متجدد بين الولايات المتحدة وإيران، أعاد الطائرات المسيّرة إلى واجهة التهديدات الأمنية في العراق، ولا سيما بعد تعرض أربيل مؤخراً لأكثر من هجوم استهدف مواقع مختلفة داخل المدينة ومحيطها.

ويمنح هذا التطور العملية الأمنية بعداً إضافياً، إذ تتزامن مع مخاوف من اتساع دائرة المواجهة الإقليمية وانتقال أدواتها إلى الساحة العراقية، ما يضاعف أهمية ملاحقة مصادر تصنيع المسيّرات وتجميعها ومنع استخدامها خارج سلطة الدولة.

استهداف مصادر التصنيع

إلى ذلك،، يقول الباحث في الشؤون الأمنية بسّام القزويني، إن “ضبط ورشة لتصنيع الطائرات المسيّرة لا يمثل نجاحاً أمنياً فحسب، بل يعكس انتقال الحكومة إلى مرحلة أكثر تقدماً في التعامل مع التهديدات، عبر استهداف مصادر إنتاج السلاح وتجفيف بيئته، بدلاً من الاكتفاء بملاحقة مستخدميه بعد وقوع الهجمات”.

ويضيف أن “العملية تكتسب أهمية مضاعفة في ظل التصعيد الإقليمي المتواصل، لأن الطائرات المسيّرة أصبحت من أبرز أدوات الصراعات الحديثة، وأي قدرة على تصنيعها داخل العراق تفتح الباب أمام تهديدات قد تستغلها جهات خارجة عن القانون لزج البلاد في مواجهات لا تخدم مصالحها”.

ضربة للبنى اللوجستية

ويردف القزويني، أن “الحكومة تمضي بخطوات متدرجة في تنفيذ مشروع حصر السلاح بيد الدولة، واستهداف ورش التصنيع يمثل أحد أهم مفاصل هذا المسار، لأنه يوجه ضربة للبنية اللوجستية التي تغذي السلاح غير النظامي، ويحد من قدرات الجماعات المسلحة على تطوير ترساناتها محلياً”.

ويؤكد، أن “استمرار هذه العمليات، بالتوازي مع الإجراءات القضائية والتشريعات النافذة، سيعزز قدرة الدولة على فرض القانون، ويوجه رسالة واضحة بأن إنتاج أو حيازة أو استخدام الأسلحة المتطورة خارج المؤسسات الرسمية لن يكون مقبولاً، وأن العراق يتجه نحو تشديد قبضته على هذا الملف بما يحافظ على الأمن والاستقرار”.

ولا تزال الأجهزة الأمنية تفرض طوقاً من السرية على تفاصيل القضية، إذ تمتنع عن الإفصاح عن نوعية الطائرات المسيّرة المضبوطة، وخطوط إنتاجها، والجهات التي كانت تمول أو تدير الورشة، وسط استمرار التحقيقات لتحديد حجم الشبكة وارتباطاتها، وما إذا كانت تعمل ضمن مشروع منظم لإنتاج المسيرات داخل العراق.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى