الصحافة الإيرانية: الردع وحده لا يكفي.. لماذا تحتاج الدول إلى تحديث اقتصاداتها لحماية أمنها؟
إن الاستراتيجية التي يمكن أن تحقق أكبر قدر من المنفعة لإيران لا تتمثل في التخلي عن المصالح الوطنية، ولا في الإصرار على استمرار الوضع القائم، بل في تبني نوع من الواقعية الذكية، تكون فيها قوة الردع سندًا للدبلوماسية وليس بديلًا عنها.

ميدل ايست نيوز: “أكبر اختبار للقوة ليس الانتصار في الحرب؛ بل الاستغناء عن الحرب.” ربما لا توجد عبارة قادرة على شرح منطق السياسة الدولية بهذا القدر من الدقة. ففي عالم لا تزال فيه القوة عاملًا حاسمًا، فإن أكثر الدول نجاحًا ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر الجيوش، بل تلك التي تستطيع تحقيق مصالحها وإرادتها دون اللجوء المستمر إلى استخدام القوة. فالقوة تبلغ ذروتها عندما لا تعود بحاجة إلى إظهارها بشكل دائم.
يقول فرشاد رومي، أستاذ مشارك بجامعة شمران بالأهواز، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد، إن هذا هو التناقض الكامن في السياسة الخارجية. فكلما اضطرت دولة ما إلى استعراض قوتها بشكل متكرر، زادت احتمالية استنزاف جزء من رصيدها الاستراتيجي. وتتحول القوة إلى رأس مال مستدام عندما تنتج الأمن والازدهار الاقتصادي والمصداقية الدولية. وحتى في الفكر الواقعي، فإن القوة ليست هدفًا نهائيًا، بل أداة لتأمين المصالح الوطنية. ومن هنا، فإن قيمة أي أداة استراتيجية لا تُقاس بالتكلفة التي أُنفقت لإنشائها، بل بقدرتها على تحقيق النتائج.
وقد أكد التاريخ هذا المنطق مرارًا. فبعد أن حول بسمارك ألمانيا إلى القوة الأولى في أوروبا عبر ثلاث حروب، رفض تقريبًا جميع المقترحات التوسعية، ووصف ألمانيا بأنها “دولة مكتفية”. ومنذ ذلك الحين، لم يكن هدفه الرئيسي توسيع الأراضي، بل منع تشكل تحالف بين القوى الكبرى ضد ألمانيا. وطالما استمرت هذه الاستراتيجية، تمتعت أوروبا بدرجة نسبية من الاستقرار، لكن بعد رحيل بسمارك، أدت السياسات المغامرة لخلفائه إلى تشكيل التحالف نفسه الذي قاد ألمانيا في النهاية إلى حرب مدمرة. وتُظهر هذه التجربة أن أكبر نجاح استراتيجي لا يتمثل فقط في زيادة القوة، بل في منع خصوم الدولة من تشكيل إجماع وتحالف ضدها.
كما تقدم تجربة الصين الشيوعية الدرس نفسه بلغة مختلفة. فقد استفادت بكين، دون تغيير نظامها السياسي، من الانقسامات بين القوى الكبرى للخروج من العزلة وبدء مسار التنمية الاقتصادية. وكان دنغ شياو بينغ يرى أن القوة المستدامة تبدأ من المصانع والجامعات والتكنولوجيا، لأن الاقتصاد القوي يشكل أساس مختلف أبعاد القوة الوطنية. ولم تتخلَّ الصين عن مبادئها الأساسية، لكنها عدّلت أساليب تحقيق مصالحها بما يتوافق مع واقع النظام الدولي.
وتجد إيران نفسها اليوم في نقطة أصبحت فيها هذه التجارب أكثر أهمية من أي وقت مضى. فقرابة خمسة عقود من المواجهة مع الولايات المتحدة لم تؤدِّ إلى تغيير جوهري في سلوك الجمهورية الإسلامية، كما لم تحقق الأهداف الاستراتيجية لواشنطن. وكانت نتيجة هذا الوضع نوعًا من “التوازن المكلف”، حيث لم ينتصر أي من الطرفين، لكنه في الوقت نفسه دفع الطرفان تكاليف كبيرة. واستمرار هذا الوضع لا يعكس نجاحًا بقدر ما يدل على استنزاف منافسة استراتيجية طويلة الأمد.
وخلال هذه الفترة، تمكنت إيران من بناء قدرات مهمة في مجال الردع. فقد عززت القدرات الدفاعية، والموقع الجيوسياسي المتميز، والنفوذ الإقليمي، والدور الحاسم في أمن الطاقة في الخليج، مكانتها في المعادلات الإقليمية. ومع ذلك، فإن أي أداة استراتيجية لا تمتلك قيمة دائمة بحد ذاتها. فعندما تتجاوز تكلفة الحفاظ على أداة معينة أو استخدامها المنافع الناتجة عنها، أو عندما تؤدي إلى تشكيل تحالف واسع ضد صاحبها، فإنها تفقد جزءًا من فعاليتها.
وهنا، ربما لا يتمثل التحدي الأهم أمام إيران في المجال العسكري بقدر ما يكمن في المجال الاقتصادي. فالنمو المنخفض، وتراجع الاستثمارات، وصعوبة الوصول إلى التقنيات المتقدمة، وهجرة الكفاءات البشرية، والقيود المفروضة على التفاعل مع الاقتصاد العالمي، كلها مسارات يمكن أن تضعف أسس القوة الوطنية على المدى الطويل. وقد أظهرت تجارب العديد من الدول أن الاقتصاد ليس مجرد أحد مجالات السياسة العامة، بل هو جزء من البنية التحتية للأمن القومي. فالدولة التي لا تعمل على تحديث اقتصادها ستواجه عاجلًا أم آجلًا قيودًا في مختلف أبعاد قوتها الأخرى.
وبناءً على ذلك، فإن الاستراتيجية التي يمكن أن تحقق أكبر قدر من المنفعة لإيران لا تتمثل في التخلي عن المصالح الوطنية، ولا في الإصرار على استمرار الوضع القائم، بل في تبني نوع من الواقعية الذكية، تكون فيها قوة الردع سندًا للدبلوماسية وليس بديلًا عنها. يتطلب هذا النهج تجنب الإجراءات التي تؤدي إلى تشكيل إجماع دولي واسع ضد إيران، وفي الوقت نفسه السعي إلى فتح آفاق جديدة في مجالات الاستثمار والتجارة ونقل التكنولوجيا وتقليل المخاطر الاقتصادية.
ولا يمكن أن يتشكل اتفاق مستدام إلا عندما يعزز الأمن والتنمية في آن واحد، لأنهما ليسا مسارين منفصلين، بل ركيزتان لاستراتيجية وطنية واحدة. وبشكل عام، يجب تقييم أي سياسة خارجية من خلال سؤال أساسي: هل تمكنت من زيادة القوة الوطنية؟
ولا يمكن الإجابة عن هذا السؤال من خلال عدد الصواريخ أو حجم النفوذ الإقليمي فقط. فرفاه المواطنين، والقدرة الإنتاجية، وثقة المستثمرين، وجودة الحكم، وحرية حركة الدولة في الساحة الدولية، كلها معايير لا تقل أهمية لقياس القوة الوطنية.
وتحتاج إيران اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الانتقال من “إدارة الأزمات” إلى “إدارة المستقبل”. فقد أظهر التاريخ أن الدول الأكثر استدامة ليست تلك التي بقيت دائمًا في ميدان المواجهة، بل تلك التي ميزت في الوقت المناسب بين الحفاظ على المبادئ وتغيير الأساليب.
في النهاية، فإن السياسة الخارجية هي فن إنهاء الأزمات مع الحفاظ على المصالح الوطنية، وأكبر تجسيد للقوة هو قدرة الدولة على تمهيد الطريق نحو التنمية والاستقرار والتفاعل البناء دون التخلي عن أمنها وكرامتها. فالقوة التي لا تؤدي إلى مستقبل أكثر أمنًا، واقتصاد أكثر قدرة، ومجتمع أكثر رفاهًا، مهما بدت مؤثرة، لم تصل بعد إلى هدفها النهائي.



