الصحافة الإيرانية: الآثار الاستراتيجية لتقليص مخزونات الأسلحة الأمريكية

إن التحدي الرئيسي لواشنطن يتمثل في تحقيق التوازن بين إعادة بناء المخزونات العسكرية والحفاظ على القدرة على الردع في مواجهة الصين وروسيا، مع الاستمرار في دعم أوكرانيا وإسرائيل والحلفاء العرب في الخليج.

ميدل ايست نيوز: يكشف استمرار الحرب الأمريكية ضد إيران، إلى جانب ارتفاع التكاليف التشغيلية، عن القدرات الحقيقية للترسانة الأمريكية في الوفاء بالتزاماتها الأمنية المتزامنة على عدة جبهات، وهو ما يثير تساؤلات بشأن قدرة الردع والإنتاج الدفاعي وآليات ترتيب أولويات الموارد في واشنطن.

حرب إيران وكشف القدرات الحقيقية للترسانة الأمريكية

يقول بهمن براتي، وهو خبير في الشؤون الدفاعية، في مقال لموقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، إن حجم الضغوط التي تتعرض لها مخزونات الذخائر والأنظمة العسكرية الأمريكية المتقدمة يعد أحد أبرز الملفات المطروحة داخل الأوساط الاستراتيجية في واشنطن بعد اتساع نطاق الحرب ضد إيران. وعلى عكس الروايات التي تتحدث عن “نفاد المخزونات” أو “أزمة وشيكة”، تقدم المصادر الموثوقة صورة أكثر تعقيدًا. فقد أشارت تصريحات مسؤولين أمريكيين وتقارير منشورة إلى انخفاض ملحوظ في بعض مخزونات الذخائر المتطورة، إلا أن الآراء لا تزال متباينة بشأن التداعيات الاستراتيجية لهذه التطورات.

وحذر مركز الأبحاث الأمريكي – الإسرائيلي “جينسا”، استنادًا إلى تقييمات عدد من المسؤولين العسكريين والخبراء الدفاعيين، من أن الاستخدام المكثف للصواريخ الدقيقة بعيدة المدى والصواريخ الاعتراضية الدفاعية في الحرب ضد إيران قد يؤثر في قدرة الولايات المتحدة على الردع في مناطق أخرى. وركز التقرير على أنظمة مثل صواريخ باتريوت وثاد الاعتراضية وصواريخ توماهوك المجنحة والذخائر الدقيقة بعيدة المدى، معتبرًا أن هذه المعدات، بخلاف الذخائر التقليدية، لا يمكن تعويضها بسرعة.

في المقابل، لا يرى موقع “ريسبانسيبل ستيت كرافت” التابع لمعهد كوينسي الأمريكي أن تراجع المخزونات العسكرية يعود إلى الحرب مع إيران وحدها، بل يعتبره نتيجة لتزامن عدة التزامات عسكرية أمريكية، من بينها دعم أوكرانيا والدفاع عن إسرائيل وتعزيز الوجود العسكري في الخليج. ووفقًا لهذا الطرح، فإن المشكلة لا ترتبط بعملية عسكرية محددة، بل بتراكم الضغوط الناجمة عن عدة أزمات متزامنة.

ومن الناحية العسكرية، فإن تراجع مخزونات بعض الصواريخ الاعتراضية أو الصواريخ بعيدة المدى لا يعني بالضرورة انخفاض القدرة القتالية الشاملة للولايات المتحدة، لكنه قد يحد من هامش تحرك القادة العسكريين ويفرض إعادة ترتيب الأولويات بين الجبهات المختلفة. ولذلك، لا تقتصر المشكلة على نقص الذخائر، بل تشمل أيضًا تراجع القدرة على التعامل مع عدة أزمات كبرى في الوقت نفسه.

كما أفادت تقارير نشرتها وكالة رويترز بأن الحرب التي استمرت عدة أشهر ضد إيران استهلكت كميات كبيرة من الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى وصواريخ باتريوت وثاد الاعتراضية وجزءًا من مخزون صواريخ توماهوك، وهو ما أثار مخاوف بشأن مدى جاهزية الولايات المتحدة للتعامل مع أزمات مستقبلية. وأثارت هذه التقارير والتحليلات ردود فعل دفاعية من جانب الإدارة الأمريكية، التي حاولت التقليل من أهمية هذه التقديرات.

الضغوط الناجمة عن التزامات واشنطن المتزامنة

تتضح أهمية هذه القضية بصورة أكبر إذا ما أُخذ في الاعتبار أن الولايات المتحدة سعت على مدى سنوات إلى تحويل الأمن إلى سلعة قابلة للبيع، من خلال إبرام التزامات تعاقدية مع عدد من الدول.

فواشنطن تقدم دعمًا عسكريًا لأوكرانيا، وتواصل دعم إسرائيل، وتحافظ على استراتيجيتها الرادعة في مواجهة الصين بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، كما أنها أمضت سنوات طويلة في تقديم وعود أمنية لدول الخليج عبر حزم دفاعية مرتفعة التكلفة.

ويتطلب كل واحد من هذه الالتزامات أنظمة دفاعية يستغرق إنتاجها وقتًا طويلًا، فضلًا عن ارتفاع تكلفتها واعتمادها على سلاسل إمداد معقدة.

وبناءً على ذلك، فإن انخفاض مخزونات الذخائر المتطورة قد يدفع صناع القرار في الولايات المتحدة إلى إعادة الموازنة بين الأولويات المختلفة. كما أن هذا الواقع يرفع تكلفة الحفاظ على وجود عسكري متزامن في عدة جبهات، وهي النقطة التي شدد عليها كل من “جينسا” و”ريسبانسيبل ستيت كرافت” رغم اختلاف توجهاتهما الفكرية.

التشكيك في قدرة الردع الأمريكية

يتمثل أحد أبرز الأسئلة المطروحة في ما إذا كانت التحذيرات المتعلقة بانخفاض المخزونات العسكرية الأمريكية تعكس أزمة حقيقية، أم أنها جزء من جهود المؤسسات الدفاعية والصناعات العسكرية الأمريكية للحصول على موازنات إضافية.

ويرى مركز “جينسا” أن تراجع المخزونات يمثل تهديدًا مباشرًا لمصداقية الردع الأمريكي، مشيرًا إلى أن الصين أو روسيا أو حتى القوى الإقليمية قد تعيد تقييم حساباتها بشأن تكلفة المواجهة مع الولايات المتحدة إذا توصلت إلى قناعة بأن واشنطن باتت تواجه قيودًا في استخدام ذخائرها الاستراتيجية.

وهنا، لا تقتصر أهمية الردع على عدد الصواريخ المتاحة، بل تشمل أيضًا الصورة الذهنية التي تمتلكها الأطراف الأخرى عن القدرات الأمريكية، باعتبار أن الردع يحمل أبعادًا نفسية وسياسية إلى جانب أبعاده العسكرية.

في المقابل، يعتبر موقع “ريسبانسيبل ستيت كرافت” أن هذه التطورات تعكس سياسة أمريكية قائمة على تقديم التزامات تتجاوز الإمكانات والقدرات المتاحة، أكثر من كونها مؤشرًا على ضعف عسكري.

بالتالي، فإن الحل لا يقتصر على زيادة القدرات العسكرية، بل يشمل أيضًا إعادة النظر في الأولويات الاستراتيجية وتقليص الالتزامات العسكرية الخارجية، وهو ما يختلف مع رؤية “جينسا” التي تدعو إلى توسيع القدرات العسكرية وزيادة الإنفاق الدفاعي.

قدرات الصناعة الدفاعية والتداعيات الاستراتيجية

ولا تزال الولايات المتحدة تمتلك أكبر صناعة دفاعية في العالم، في وقت تعمل فيه شركات مثل “لوكهيد مارتن” و”آر تي إكس – رايثيون” على زيادة الطاقة الإنتاجية لبعض أنواع الصواريخ والمنظومات الاعتراضية.

ومع ذلك، فإن التعقيد التكنولوجي، ومحدودية بعض المكونات، والاعتماد على سلاسل الإمداد، وطول مدة التصنيع، تجعل من زيادة الإنتاج عملية قد تستغرق عدة أشهر أو حتى سنوات.

كما طلبت وزارة الحرب الأمريكية من الشركات العسكرية تقديم خطط عاجلة لزيادة الإنتاج، وهو ما يعكس الحاجة الملحة إلى إعادة بناء المخزونات العسكرية بسرعة.

وفي هذا السياق، أكد مركز “ليكسينغتون” للدراسات الاقتصادية أن سرعة استهلاك الذخائر في الحروب عالية الكثافة كشفت عن حاجة الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في تخطيطها الدفاعي وزيادة قدراتها الإنتاجية.

في المجمل، تشير المعطيات المتوافرة إلى أن حرب إيران فرضت ضغوطًا كبيرة على جزء من مخزون الذخائر الأمريكية المتطورة. وتتمثل المشكلة الأساسية في ارتفاع تكلفة الحفاظ على التزامات عسكرية متزامنة في عدة جبهات، إلى جانب انكشاف محدودية القدرة الإنتاجية في مواجهة الاستهلاك السريع للذخائر المتقدمة.

بالنسبة لواشنطن، فإن التحدي الرئيسي يتمثل في تحقيق التوازن بين إعادة بناء المخزونات العسكرية والحفاظ على القدرة على الردع في مواجهة الصين وروسيا، مع الاستمرار في دعم أوكرانيا وإسرائيل والحلفاء العرب في الخليج.

أما إذا استمر استهلاك الذخائر بالمعدلات الحالية، ولم تتواكب معه زيادة مماثلة في الإنتاج، فقد يتحول هذا الضغط من مشكلة تشغيلية إلى قيد استراتيجي يؤثر في السياسة الخارجية الأمريكية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة + 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى