الصحافة الإيرانية: لماذا لن تدوم اتفاقية الدفاع السعودية التركية الباكستانية؟

يرى بعض المحللين أن اتفاقية مكة تمثل استجابة لفراغ في موازين القوى، لكن هذا الفراغ نفسه قد يتحول إلى ساحة جديدة للتنافس. فكل دولة من الدول الثلاث تسعى إلى تعزيز نفوذها الخاص بدلًا من العمل على بناء تكامل مشترك.

ميدل ايست نيوز: بدا توقيع اتفاق دفاعي ثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان في الرياض للوهلة الأولى خطوة تهدف إلى إنشاء منظومة ردع جماعية، لكن التدقيق في المصالح المتباينة للدول الثلاث يظهر أن هذا الاتفاق أقرب إلى استعراض لطموحات متقاطعة وغير متجانسة منه إلى تحالف عسكري حقيقي.

تقول الخبيرة في الشؤون الدولية، فاطمة خادم شيرازي، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني، إن هشاشة هذا الاتفاق لا تكمن في غياب آلية واضحة للتحرك العسكري فحسب، بل في التناقضات الجوهرية المتعلقة بتعريف مصادر التهديد وحدود النفوذ والأولويات السياسية لكل دولة.

تواصل السعودية تنفيذ مشروعها للتحول الاقتصادي والاجتماعي في إطار رؤية 2030، وهي تحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة لتحقيق أهدافها. غير أن هذه الاستراتيجية تقوم على ترسيخ دور الرياض بوصفها مركزًا رئيسيًا في المعادلات الإقليمية، وهو ما يتعارض مع السياسة التركية القائمة على توسيع نفوذها في سوريا والعراق ومنطقة القوقاز.

كما تسعى أنقرة إلى تعزيز حضورها في العالم العربي وتوسيع دائرة نفوذها الإقليمي.

في المقابل، تضع باكستان قضية كشمير والتنافس مع الهند في صدارة أولويات سياستها الخارجية، ما يمنحها تصورًا مختلفًا للتهديدات الأمنية. ويعكس تأكيد رئيس الوزراء الباكستاني ضرورة الاضطلاع بدور واضح في مواجهة إسرائيل تباينًا ملحوظًا مع الموقف السعودي، الذي يتسم بمزيد من الحذر تجاه مسألة تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

ولا يمكن لهذا المثلث غير المتجانس أن يتماسك بالاعتماد على وجود خصم افتراضي مشترك، لأن كل طرف يمتلك تصورًا مختلفًا للحلفاء والخصوم. وحتى في المجالات التي يمكن أن تشكل أرضية للتعاون، مثل نقل التكنولوجيا الدفاعية أو الاستثمارات المشتركة، تبرز مؤشرات على وجود تنافس غير معلن.

كما أن التنافس على أسواق السلاح واستقطاب الاستثمارات النفطية يفرض تحديات إضافية أمام التعاون بين الدول الثلاث.

ويأتي هذا الاتفاق في وقت تتجه فيه الولايات المتحدة، التي شكلت لعقود الضامن التقليدي لأمن المنطقة، نحو تقليص وجودها ودورها بصورة نسبية.

يرى بعض المحللين أن هذا الاتفاق يمثل استجابة لفراغ في موازين القوى، لكن هذا الفراغ نفسه قد يتحول إلى ساحة جديدة للتنافس. فكل دولة من الدول الثلاث تسعى إلى تعزيز نفوذها الخاص بدلًا من العمل على بناء تكامل مشترك.

وفي ظل هذه المعطيات، قد لا تبدو الولايات المتحدة متحمسة ظاهريًا لظهور تحالفات إقليمية مستقلة عنها، لكنها قد تنظر عمليًا إلى هذا الاتفاق باعتباره فرصة لتقاسم الأعباء الأمنية في المنطقة.

غير أن هذا التقدير الأمريكي يبقى مشروطًا بعدم تحول الاتفاق إلى أداة لتعزيز النفوذ التركي أو لتوسيع استقلالية باكستان عن الغرب. وفي حال حدوث ذلك، فإن اللجوء إلى ضغوط دبلوماسية أو اقتصادية غير مباشرة لإضعاف هذا التحالف لن يكون أمرًا مستبعدًا.

ومع ذلك، ينبغي عدم إغفال أن مثل هذه التحالفات في الشرق الأوسط غالبًا ما تكون قصيرة العمر، ما لم تتمكن من إعادة تعريف وظائفها والانتقال إلى مجالات أخرى، مثل التعاون الاستخباراتي، وتبادل الخبرات في مكافحة الإرهاب، وتنفيذ مشروعات مشتركة في مجالات البنية التحتية والطاقة.

لكن تصريحات المسؤولين في الدول الثلاث لا تعكس حتى الآن وجود إرادة حقيقية للسير في هذا الاتجاه.

ويستند الحديث عن احتمال انهيار هذا الاتفاق إلى تجارب سابقة في المنطقة، أظهرت أن التحالفات التي تقوم على مصالح آنية وتفتقر إلى وجود عدو مشترك وواضح سرعان ما تفقد زخمها وتتراجع.

ومع ذلك، فإن مجرد التوصل إلى هذا الاتفاق في المرحلة الحالية يمثل مؤشرًا على التحولات التي يشهدها النظام الإقليمي. فالقوى الإقليمية المتوسطة تحاول إعادة تعريف أدوارها خارج الأطر الثنائية التقليدية، لكن هذه المحاولات لا تزال تصطدم بالتنافسات المرتبطة بالهوية والمصالح الاقتصادية والاعتبارات الجيوسياسية.

ولذلك، يبدو من غير المرجح أن يتمكن هذا الاتفاق من تحقيق درجة عالية من التماسك والاستقرار في المستقبل القريب.

اقرأ ايضا

ما بعد هرمز: كيف تعيد التحالفات العسكرية والممرات البديلة رسم خريطة الشرق الأوسط؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى