ما بعد هرمز: كيف تعيد التحالفات العسكرية والممرات البديلة رسم خريطة الشرق الأوسط؟
لا يقتصر الأمر على مجرد خطة على الورق. إذ تشير صور الأقمار الصناعية والتقارير الميدانية إلى أن دول الخليج، بما فيها السعودية والإمارات والكويت وحتى العراق، تنقل جزءًا من نفطها عبر عُمان.

ميدل ايست نيوز: تشير التطورات الأخيرة في المجال البحري للشرق الأوسط، من سواحل جدة إلى مياه خليج عُمان المضطربة، إلى بداية مرحلة جديدة في المعادلات الأمنية والاقتصادية للمنطقة. ففي الوقت الذي ظل فيه مضيق هرمز لعقود يُنظر إليه باعتباره «الشريان الحيوي للعالم» وأداة الضغط الرئيسية في المعادلات الجيوسياسية، تشير المعطيات الميدانية اليوم إلى أن منافسي إيران الإقليميين يعملون بوتيرة غير مسبوقة على رسم خريطة جديدة يجري فيها تقليص الاعتماد على هذا الممر الحيوي إلى أدنى حد. ويدق الإعلان الرسمي عن بدء عمل ائتلاف بحري يضم 13 دولة بقيادة السعودية، بالتزامن مع التشغيل الفعلي للممرات البرية لتجاوز مضيق هرمز، ناقوس خطر جاد بشأن النفوذ التقليدي لإيران في المياه الدولية.
عقيدة جديدة للرياض في البحر الأحمر
يقول طهمورث كيلاني، الخبير في الشؤون السياسية، في مقال لصحیفة توسعه إيراني، إن وزارة الدفاع السعودية أعلنت رسميًا بدء نشاط «الائتلاف متعدد الجنسيات للدفاع البحري» (MMDC). وأُعلن عن تأسيس هذا الائتلاف في مقر قيادة الأسطول الغربي بمدينة جدة، ليشكل طبقة جديدة من الحماية العسكرية للبحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن. ووفقًا لبيان رسمي نشر على منصة «إكس»، تتولى السعودية قيادة الائتلاف، بينما تتولى القوات البحرية الباكستانية منصب نائب القائد.
وأكدت وزارة الدفاع السعودية في البيان أن «13 دولة استكملت إجراءاتها الوطنية، ووقعت ميثاق الائتلاف، وأعلنت رسميًا انضمامها إليه». وعلى الرغم من عدم نشر أسماء الدول الـ13 كافة بشكل منفصل، فإن مشاركة ممثلين عن 39 دولة في الاجتماعات التحضيرية تشير إلى وجود قدر من التوافق بين الدول العربية والإسلامية بشأن هذه الآلية الجديدة. وقد تشكل الائتلاف في البداية بمشاركة دول مثل الكويت والبحرين وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن والحكومة اليمنية وبنغلاديش ونيجيريا والسودان وجيبوتي والصومال.
وبحسب مسؤولين سعوديين، يهدف هذا الائتلاف إلى تعزيز الأمن البحري وحماية حرية الملاحة، وإنشاء إطار دفاعي مؤسسي لمواجهة التهديدات البحرية المتزايدة. وتأتي هذه التطورات في وقت أعلنت فيه جماعة أنصار الله، التي تقود شمال اليمن، فرض حصار بحري على السعودية، وهددت بمهاجمة أي سفينة مرتبطة بها في باب المندب. وتسعى الرياض، من خلال تشكيل هذا الائتلاف، إلى تقاسم تكلفة الأمن وإنشاء مظلة دفاعية جماعية في مواجهة الهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ، التي سبق أن استهدفت منشآت مثل مصافي أرامكو في جازان.
ممر عُمان-السعودية؛ نهاية عصر احتكار هرمز؟
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو التوترات العسكرية، تشهد البنية التحتية الاقتصادية للمنطقة، بعيدًا عن الأضواء، تحولات متسارعة. ووفقًا لتحليلات منشورة في مدونات متخصصة في قطاع الطاقة، أطلقت عُمان والسعودية «ممرًا بريًا أخضر وآمنًا» يتجاوز مضيق هرمز بصورة مباشرة.
ويوضح عبد الله باباخاني، الصحفي والباحث في مجال الطاقة، هذا المسار قائلًا: «ينطلق هذا الممر من ميناء صحار على ساحل بحر عُمان. وتقع صحار خارج مضيق هرمز، ولذلك فإن السفن التي تصل إلى هذا الميناء من المحيط الهندي لا تحتاج إلى دخول الخليج والعبور عبر مضيق هرمز لتفريغ حمولاتها. وبعد تفريغ البضائع في صحار، يمكن نقلها عبر شبكة الطرق العُمانية، ومعبر الربع الخالي الحدودي، ثم الطريق السريع السعودي إلى شرق المملكة».
ولا يقتصر الأمر على مجرد خطة على الورق. إذ تشير صور الأقمار الصناعية والتقارير الميدانية إلى أن دول الخليج، بما فيها السعودية والإمارات والكويت وحتى العراق، تنقل جزءًا من نفطها عبر عُمان، قبل أن تقوم الأخيرة بتصديره من خارج مضيق هرمز. ويجري ذلك في إطار عمليات مقايضة، وقد عُدّ أحد الأسباب الرئيسية وراء الاستقرار النسبي لأسعار النفط رغم التوترات في هرمز. وأكدت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير لها أن عمالقة النفط في المنطقة ينفقون مليارات الدولارات على إنشاء هذه المسارات البديلة، باعتبارها «تغطية تأمينية ضرورية» في منطقة تزداد اضطرابًا.
روايات متناقضة بشأن الإغلاق والانفتاح
تُوصف الأوضاع في مضيق هرمز بأنها شديدة التعقيد. فمن جهة، يؤكد المسؤولون الإيرانيون إغلاق هذا الممر المائي وضرورة دفع الولايات المتحدة تعويضات، بينما تتزايد من جهة أخرى الضغوط الدولية لإعادة فتحه. وأعلنت وزارة الخارجية القطرية بلهجة حادة: «تجدد دولة قطر رفضها القاطع لاستخدام مضيق هرمز أداةً للضغط، وتطالب بإعادة فتحه من دون أي شروط».
وفي الداخل الإيراني، أوضح بهنام سعيدي، عضو هي ئة رئاسة لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإسلامي، خلال مقابلة تلفزيونية، أبعاد المفاوضات مع عُمان. وقال: «ستكون هذه المفاوضات مؤقتة، وفي إطارها سيجري الحوار والتوصل إلى اتفاق بشأن مسار مؤقت. وتحديد هذا المسار المؤقت لا يعني بأي حال من الأحوال إعادة فتح مضيق هرمز». وتعكس هذه التصريحات مساعي إيران للحفاظ على ورقة الضغط المرتبطة بمضيق هرمز، وفي الوقت نفسه إدارة التوترات بوساطة مسقط.
ومع ذلك، كانت تكاليف إغلاق المضيق على المنطقة باهظة للغاية. فقبل بدء المواجهات العسكرية في 28 فبراير، كان يمر عبر هذا المضيق نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا، إلا أن هذا الرقم انخفض بشدة الآن.
تكتلات عسكرية جديدة
كان من أبرز التطورات الأخيرة توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين محمد بن سلمان ورجب طيب أردوغان وشهباز شريف. ويشبه هذا الاتفاق من الناحية الفنية إلى حد كبير المادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إذ ينص على أن الهجوم على أي من الدول الثلاث سيُعد هجومًا على الدول الثلاث جميعًا. ويشير تزامن هذا الاتفاق مع تشكيل الائتلاف البحري إلى نشوء محور عسكري قوي يضم جيشي تركيا وباكستان، وهما من أكبر الجيوش في المنطقة، إلى جانب الثروة النفطية السعودية.
وقد عززت تركيا وباكستان، وهما أيضًا من الأعضاء الرئيسيين في الائتلاف البحري الجديد، بهذا الإجراء مكانتهما في معادلات أمن الطاقة.
ضرورة الخروج من المأزق الجيوسياسي
تشير مجمل التطورات الأخيرة، من ائتلافي جدة ومكة العسكريين إلى الممرات البرية العُمانية، إلى حقيقة مريرة مفادها أن «المنطقة تتعلم كيفية العيش من دون مضيق هرمز». فإذا كان التهديد بإغلاق المضيق قادرًا في العقود الماضية على شل الأسواق العالمية، فإن تأثير ورقة الضغط هذه يتراجع بشدة اليوم مع توسع خطوط أنابيب الشرق والغرب في السعودية، والممرات البرية العُمانية، وزيادة قدرات موانئ الفجيرة وصحار. وعلى الرغم من أن استبدال الطاقة الاستيعابية الكاملة لمضيق هرمز، البالغة 20 مليون برميل يوميًا، أمر مستحيل على المدى القصير، فإن مصدري النفط أظهروا قدرتهم على تلبية جزء كبير من احتياجات السوق عبر مسارات بديلة. وهذا يعني أن النفوذ الاستراتيجي لإيران في المنطقة يتعرض للتآكل.
والحقيقة أن التأخر عن مواكبة التحولات السريعة في المنطقة ستكون له آثار لا يمكن تداركها مستقبلًا. فلا يمكن لإيران الاعتماد على الجغرافيا وحدها، في وقت تعمل فيه التكنولوجيا ورؤوس الأموال على تغيير الجغرافيا نفسها. ويُعد توسيع العلاقات مع دول الجوار، وخفض التوتر بصورة حقيقية، والمشاركة في مشاريع الترانزيت الإقليمية، السبيل الوحيد للحيلولة دون تحول إيران إلى «جزيرة معزولة» في قلب الشرق الأوسط. فالائتلاف البحري السعودي الجديد والممرات العُمانية ليسا سوى بداية لمسار؛ وإذا لم تؤد إيران دورًا فيه، فإن ذلك سيعني تجاوز طهران تاريخيًا في قلب معادلات الطاقة العالمية.
اقرأ ايضا



