الصحافة الإيرانية: هل تفتح زيارة الشيباني الباب أمام دور أمني جديد لباكستان في سوريا؟

تبعث باكستان، بتأكيدها دعم سيادة سوريا وسلامة أراضيها ووحدتها، وإدانتها الهجمات الإسرائيلية، برسالة واضحة مفادها أن إسلام آباد تريد أن تكون حاضرة في المعادلات الجديدة في سوريا.

ميدل ايست نيوز: لا يمكن اعتبار زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى إسلام آباد مجرد زيارة دبلوماسية اعتيادية بين البلدين. فقد جاءت الزيارة في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط تشكل ترتيبات أمنية جديدة، وتصاعدًا في التنافس التركي الإسرائيلي في سوريا، ومساعي دول المنطقة إلى تقليص اعتمادها على آليات الأمن التقليدية. وتكتسب الزيارة أهمية أكبر بالنظر إلى أنها أول زيارة رسمية لوزير خارجية سوري إلى باكستان منذ 19 عامًا، وأول زيارة لمسؤول رسمي في الحكومة الانتقالية السورية إلى إسلام آباد منذ سقوط نظام بشار الأسد. كما أن تزامنها مع توقيع اتفاقية مكة الدفاعي بين باكستان والسعودية وتركيا يمنحها دلالة تتجاوز العلاقات الثنائية.

دمشق تبحث عن شركاء أمنيين جدد

يقول الكاتب والصحافي الإيراني رامين برتو، في مقال لصحيفة توسعه إيراني، إن سوريا تحاول بعد سقوط بشار الأسد إعادة تعريف موقعها في البيئة الإقليمية. وتحتاج الحكومة الجديدة في دمشق إلى شبكة من العلاقات الإقليمية والدولية لتثبيت سيادتها وإعادة بناء البنية التحتية والخروج من العزلة السياسية. وتكتسب زيارة الشيباني إلى باكستان أهمية في هذا الإطار، إذ تتمتع إسلام آباد، خلافًا لبعض الأطراف العربية، بقدرات عسكرية ودبلوماسية واتصالية خاصة، كما تربطها في الوقت نفسه علاقات وثيقة بالسعودية وتركيا.

خلال الزيارة، التقى الشيباني رئيس الوزراء شهباز شريف، ووزير الخارجية محمد إسحاق دار، ووزير التجارة الباكستاني، والمشير عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني. ويظهر نطاق هذه اللقاءات أن دمشق لا تسعى إلى حوار سياسي فحسب، بل تضع أيضًا التعاون الاقتصادي والأمني والدفاعي على جدول أعمالها. وبحث الجانبان تفعيل اللجنة الوزارية المشتركة، واستمرار الرحلات الجوية المباشرة، وإنشاء مجلس للأعمال، وتنظيم منتدى للاستثمار، فيما أعلنت دمشق رفع مستوى تمثيلها الدبلوماسي في باكستان إلى مستوى سفير.

في المقابل، تبعث باكستان، بتأكيدها دعم سيادة سوريا وسلامة أراضيها ووحدتها، وإدانتها الهجمات الإسرائيلية، برسالة واضحة مفادها أن إسلام آباد تريد أن تكون حاضرة في المعادلات الجديدة في سوريا. كما يظهر لقاء الشيباني قائد الجيش الباكستاني أن الملف الأمني ليس مسألة هامشية في هذه العلاقة، بل بحث الجانبان الوضع الأمني في المنطقة وسبل تعزيز التعاون الدفاعي والأمني.

بالنسبة إلى دمشق، يمكن أن تمثل باكستان شريكًا مهمًا في تحقيق التوازن، فهي دولة تتمتع بقدرات عسكرية كبيرة، وترتبط بعلاقات استراتيجية مع السعودية وتركيا، كما سعت خلال الأشهر الأخيرة إلى أداء دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة. ومن ثم، يمكن النظر إلى زيارة الشيباني باعتبارها جزءًا من السياسة الخارجية السورية الجديدة، التي تقوم على إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي وإقامة علاقات متوازنة مع الشركاء الإقليميين والقوى خارج المنطقة.

رسالة إسلام آباد ودمشق إلى إسرائيل

تكمن الأهمية الرئيسية للزيارة في أنها تحمل في طياتها رسالة أمنية أيضًا. فقد كثفت إسرائيل خلال الأسابيع الأخيرة هجماتها على سوريا، وأبدت حساسية متزايدة تجاه توسع الحضور التركي داخل الأراضي السورية. وأظهرت الضربة التي استهدفت قاعدة أبو الظهور، والتي ربطتها إسرائيل بمخاوفها من الوجود العسكري التركي، تصاعد التوتر بين تل أبيب وأنقرة. كما تحدثت تقارير حديثة عن مساعي إسرائيل لبحث خيارات تمكنها من استهداف الوجود العسكري التركي في سوريا من دون إشراك حلف شمال الأطلسي «الناتو» بصورة مباشرة. وعليه، يمكن أن يؤدي تقارب دمشق مع إسلام آباد وأنقرة إلى تعقيد الحسابات الإسرائيلية.

تتمثل الرسالة الأولى إلى إسرائيل في أن سوريا بعد سقوط الأسد لا تعتزم البقاء في فراغ أمني. إذ تريد دمشق الاعتماد على مجموعة من الشركاء الإقليميين للحفاظ على سيادتها. وكانت تصريحات الشيباني واضحة في هذا الصدد، إذ أكد أن أولوية سوريا هي وقف الهجمات الإسرائيلية، وأن تل أبيب لا ينبغي أن تقرر بشأن تحالفات دمشق وشراكاتها. ويظهر هذا الموقف أن الحكومة السورية الجديدة، في الظروف الراهنة على الأقل، لا تريد حصر أمنها في مسار التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل.

أما الرسالة الثانية فتوجه إلى دول المنطقة. إذ يظهر اتفاق مكة بين السعودية وباكستان وتركيا أن بعض القوى الإقليمية تسعى إلى بناء قدرات أكثر استقلالًا في مجال الردع. ويقوم الاتفاق على مبدأ أن أي هجوم مسلح على أحد أعضائه يُعد هجومًا على الدول الثلاث، فيما قدمته باكستان باعتباره إجراءً دفاعيًا وليس تحالفًا ضد دولة بعينها.

الهند والولايات المتحدة ومستقبل اتفاقية مكة

بالنسبة إلى الهند، من المرجح أن يُنظر إلى هذا التطور باعتباره جزءًا من تغير في موازين القوى في غرب آسيا ومحيط باكستان، وليس مجرد مسألة سورية. لطالما راقبت نيودلهي باهتمام توسع التعاون الأمني الباكستاني مع دول الشرق الأوسط. وقد يعني انضمام سوريا إلى شبكة تتمحور حول باكستان وتركيا والسعودية، من وجهة النظر الهندية، اتساع نطاق نفوذ إسلام آباد في غرب آسيا. ومع ذلك، من المرجح أن تسعى الهند إلى الحفاظ على علاقاتها مع الدول العربية وسوريا، وألا تسمح بأن تؤدي المنافسة مع باكستان إلى فقدان قنواتها الدبلوماسية.

كما لا يمكن للهند تجاهل هذا التطور من منظور علاقاتها مع إيران ومسارات الاتصال الإقليمية. فقد سعت نيودلهي تقليديًا إلى تحقيق توازن في الشرق الأوسط بين علاقاتها مع إسرائيل والدول العربية وإيران. ومن ثم، من غير المرجح أن يكون رد الهند مواجهة مباشرة، بل مراقبة دقيقة وتعزيز اتصالاتها مع دمشق والأطراف العربية.

أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فمن المهم أن لا تتجه باكستان في هذا المسار نحو تكتل أمني مستقل بالكامل. ويمكن لواشنطن أن ترحب بدور إسلام آباد كوسيط، لكنها ستظل حساسة تجاه توسع النفوذ التركي وتغير موازين القوى في سوريا.

تراقب واشنطن هذا المسار بحذر أيضًا. فمن جهة، يمكن لاتفاقية مكة ودور باكستان في الحوار بين إيران والولايات المتحدة أن يساهما في خفض التوتر الإقليمي. ومن جهة أخرى، فإن تشكل ترتيبات أمنية إقليمية خارج الإطار الأمريكي المباشر يشير إلى تزايد رغبة حلفاء واشنطن في بناء قدرات مستقلة. وقد قُدم اتفاق مكة صراحة باعتباره اتفاقًا دفاعيًا، فيما أكدت باكستان أنه لا يستهدف دولة بعينها ولا يحل محل الترتيبات الثنائية والمتعددة الأطراف الأخرى.

ومع ذلك، من المرجح أن يكون أبرز ما يشغل الولايات المتحدة هو منع تحول سوريا إلى ساحة مواجهة مباشرة بين إسرائيل وتركيا. فقد سعت واشنطن، عقب الهجوم الإسرائيلي الأخير على أبو الظهور، إلى إنشاء آلية لخفض التوتر بين إسرائيل وتركيا وسوريا، ما يشير إلى أن خطر اتساع نطاق التنافس بين هذه الأطراف الثلاثة يُنظر إليه باعتباره خطرًا جديًا.

أما احتمال انضمام سوريا إلى اتفاقية مكة، فلا يمكن الجزم به على المدى القصير. فما زالت دمشق في مرحلة تثبيت بنيتها السياسية والأمنية، وقد يترتب على الانضمام رسميًا إلى إطار دفاعي جديد تكاليف جيوسياسية. لكن إذا استمرت الهجمات الإسرائيلية، وتعزز التعاون العسكري التركي مع سوريا، واتسعت علاقات دمشق مع السعودية وباكستان، فإن دوافع سوريا للانضمام ستزداد.

في الختام، تمثل زيارة الشيباني مؤشرًا على بدء مرحلة جديدة في السياسة الخارجية السورية أكثر من كونها نهاية لمرحلة من العزلة الدبلوماسية، تسعى خلالها دمشق إلى تحقيق توازن بين تركيا والدول العربية وباكستان والقوى الأخرى. فإذا استمر هذا المسار، فلن تكون سوريا مجرد موضوع للتنافس بين القوى الإقليمية، بل ستصبح أحد الأطراف الفاعلة في تشكيل البنية الأمنية الجديدة للشرق الأوسط.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 + خمسة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى