الصحافة الإيرانية: «لا نفط ولا مال».. ماذا تكشف تصريحات همتي عن أزمة الحكومة المالية؟
رغم أن تصريحات همتي حملت لهجة قاسية، فإنها قدمت صورة واضحة عن الصعوبات التي تواجهها حكومة بزشكيان في تأمين مواردها المالية، ورسمت في الوقت نفسه آفاقًا أكثر غموضًا من أي وقت مضى لمستقبل الاقتصاد الإيراني.
ميدل ايست نيوز: «قد أصبح رجل الحكومة غير المحبوب، لكن عليّ أن أقول لكل من يطلب المال: عذرًا، لا نملك شيئًا». هذا ما قاله محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي، في حديث تلفزيوني صريح وغير مسبوق، كاشفًا عن الضائقة المالية المعقدة التي تواجهها الحكومة الإيرانية. حيث أكد أيضًا أن صادرات النفط الإيرانية توقفت، معربًا عن أمله في أن تُحل قضايا السياسة الخارجية للبلاد عبر المفاوضات، وأن يُرفع شبح الحرب والعقوبات عن إيران.
تقول صحيفة شرق في تعليقها على هذه التصريحات، إنه رغم أن تصريحات همتي حملت لهجة قاسية، فإنها قدمت صورة واضحة عن الصعوبات التي تواجهها حكومة بزشكيان في تأمين مواردها المالية، ورسمت في الوقت نفسه آفاقًا أكثر غموضًا من أي وقت مضى لمستقبل الاقتصاد الإيراني.
لا نملك المال!
أعلن عبد الناصر همتي في حوار تلفزيوني توقف صادرات النفط الإيرانية، وقال: «في الوقت الحالي، توقفت صادرات النفط الإيرانية، ولم نعد نصدر النفط. هذه هي الحقيقة». وأضاف أن صادرات دول مثل قطر والعراق وصلت أيضًا إلى الصفر، لكن الفارق يتمثل في أن إيران لا تستطيع الوصول إلى مواردها المالية بسبب العقوبات الأمريكية، بينما تستطيع تلك الدول الوصول إلى احتياطياتها المالية.
ورغم تأكيد همتي أن إيران لا تواجه مشكلة خاصة في استيراد السلع الأساسية والأدوية، فإنه تحدث بصراحة عن الضائقة المالية التي تمر بها البلاد، موضحًا أن تراجع الإيرادات النفطية والضريبية وإيرادات التأمين أثر في جميع قطاعات الاقتصاد الإيراني.
وتحدث محافظ المركزي الإيراني في مقابلته التلفزيونية بوضوح عن خلو خزائن الحكومة، مستخدمًا عبارات اتسمت بنبرة ساخرة، وقال: «قد أصبح “بدمن دولت نه بتمن” (ويقصد رجل الحكومة غير المحبوب وليس باتمانها)… وكل من يريد المال أقول له: عذرًا، لا نملك شيئًا!».
تراجع صادرات النفط الإيرانية
جاء إعلان توقف صادرات النفط الإيرانية على لسان محافظ البنك المركزي في وقت انتهت فيه، منذ الاثنين الماضي، مدة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة البالغة 60 يومًا، من دون أن تؤدي إلى إبرام اتفاق. وكانت التوترات قد تصاعدت في مياه الخليج قبل انتهاء هذه المهلة، والتي أعادت الحصار البحري على إيران برفقتها.
وتظهر أحدث بيانات «كبلر» أنه بعد عودة الحصار البحري، لم تُرصد أي عملية عبور مؤكدة لناقلات النفط العملاقة التي تحمل الخام الإيراني عبر مضيق هرمز. ورغم أن كثيرًا من السفن تغلق أجهزة إرسال مواقعها، ما يجعل تعقبها صعبًا، فإن مخزونات النفط الإيراني خارج مضيق هرمز تشهد هي الأخرى تراجعًا.
وتظهر بيانات «كبلر» أن مخزونات الخام الإيراني الموجودة على متن ناقلات خارج منطقة الحصار الأمريكي تراجعت من نحو 105 ملايين برميل قبل إعادة فرض الحصار إلى نحو 80 مليون برميل، لا يتبقى منها سوى نحو 30 مليون برميل من الخام الإيراني في المياه الآسيوية، وهو ما يعادل نصف المستوى المعتاد.
وقال مويو شو، كبير محللي النفط الخام في «كبلر»، إن معظم هذه المخزونات النفطية بيعت بالفعل إلى مشترين.
وكتب يوم الجمعة في منشور على موقع «لينكدإن»: «يشير ذلك إلى أن المشترين قد يواجهون عمليًا غياب أي إمدادات جديدة من إيران اعتبارًا من أواخر سبتمبر، إذ لم تتمكن حتى الآن أي ناقلة إيرانية محملة بالنفط من عبور الحصار الأمريكي».
وباستثناء الحصة الضئيلة من المشترين الآخرين للنفط الإيراني، كانت الصين خلال سنوات العقوبات المشتري شبه الوحيد للنفط الإيراني. وتفيد بيانات «كبلر» بأن الصين كانت تشتري العام الماضي في المتوسط نحو 1.4 مليون برميل يوميًا من النفط الإيراني، لكن متوسط مشترياتها من النفط الإيراني تراجع حاليًا إلى نحو 534 ألف برميل يوميًا. وتأتي هذه المشتريات من مخزونات النفط الإيراني موجودة خارج نطاق الحصار.
وتأتي هذه التطورات في وقت لم تصل فيه المفاوضات إلى نتيجة حتى الآن، بعد انتهاء مهلة التفاهم الإيراني الأمريكي البالغة 60 يومًا، بينما لا تزال العقوبات النفطية والحصار البحري قائمين، وهددت الولايات المتحدة بفرض عقوبات أكثر صرامة على إيران. وهو ما أشار إليه همتي في مقابلته، معربًا عن أمله في استئناف المفاوضات.
تراجع الإيرادات الضريبية
ومن النقاط المهمة الأخرى التي أشار إليها محافظ البنك المركزي في حواره التلفزيوني، تراجع الإيرادات الضريبية، وذلك في وقت توقعت فيه الحكومة، بموجب قانون الموازنة لعام 2026، أن تغطي الإيرادات الضريبية 74% من النفقات الجارية للحكومة. بعبارة أخرى، كان من المفترض أن تُغطى نحو ثلاثة أرباع النفقات الجارية للبلاد من الضرائب، وهي أعلى نسبة خلال عدة سنوات.
لكن تقرير مصلحة الضرائب في نهاية الربيع الحالي أظهر أن وضع الإيرادات الضريبية في إيران خلال يناير وفبراير من عام 2026 كان مقلقًا، إذ لم تشهد نموًا فحسب، بل تراجعت، بعد تعديل أثر التضخم، بنحو 60% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
ويظهر تفصيل البيانات أن الإيرادات المتحصلة من ضرائب الأشخاص الاعتباريين، أي الشركات، والتي تمثل أكبر مصدر للإيرادات الضريبية الحكومية، بلغت 68 تريليون تومان خلال أول شهرين من العام الحالي، مسجلة تراجعًا ملحوظًا مقارنة بالعام الماضي. كما سجلت الضرائب على السلع والخدمات، التي تعد ثاني أهم مصدر للإيرادات الضريبية الحكومية، انخفاضًا ملحوظًا، بالتزامن مع تسجيل ضرائب الدخل والثروة أيضًا مسارًا تنازليًا.
وأدى التراجع الكبير في الإيرادات الضريبية إلى رد فعل رئيس مصلحة الضرائب محمد هادي سبحانيان، الذي طالب في يونيو الماضي، في ضوء تغير الظروف الاقتصادية للبلاد وتضرر بعض الصناعات الكبرى جراء الحرب الأخيرة، بإعادة النظر في مستهدفات الإيرادات الضريبية في موازنة 2026. وقال إن مبلغ 2,900 تريليون تومان المتوقع تحصيله من الإيرادات الضريبية يجب تعديله بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي الجديد.
وقال سبحانيان لوكالة «إيسنا»: «نتوقع أن يخفض البرلمان هذا الرقم، لأنه عندما يتضرر كبار المكلفين بالضرائب في قطاعات الصلب والبتروكيماويات وغيرهما من المكلفين الموجودين ضمن هذه السلسلة، ينبغي إجراء تعديل يتناسب مع هذه الظروف».
وجاءت هذه التصريحات في وقت كان فيه خبراء قد وجهوا انتقادات واسعة للإيرادات الضريبية المدرجة في مشروع موازنة 2026 عند تقديمه إلى البرلمان الإيراني، وقالوا إن الحكومة لا ينبغي أن تزيد الإيرادات الضريبية من اقتصاد يتقلص بسبب العقوبات والركود، لأن ذلك قد يزيد الضغوط على الشركات ومعيشة المواطنين، ويؤدي إلى تقليص جانبي العرض والطلب على السلع والخدمات.
ومع ذلك، بدا أن العقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيرانية دفعت الحكومة إلى البحث عن حافز لتعويض إيراداتها من خلال الضرائب، رغم توصيات الخبراء.
وإلى جانب ذلك، حاولت الحكومة الإيرانية معالجة جزء من عجز موازنتها من خلال خلق الديون، أي أنها سعت في الواقع إلى ترحيل جزء من العجز إلى المستقبل. ويُعد إصدار الصكوك والأوراق المالية الإسلامية إحدى الأدوات التي تستخدمها الحكومة لمعالجة عجز الموازنة من خلال تمويل غير تضخمي ونقل عبء العجز إلى السنوات المقبلة.
ولذلك، سعت الحكومة في موازنة 2026 إلى زيادة حجم إصدار الأوراق المالية من 810 تريليون تومان في عام 2025 إلى 940 تريليون تومان في عام 2026. إلا أن مزادات هذه الأوراق لا تحظى عادة بإقبال، وتواجه الحكومة في كل مرة عجزًا عن تحقيق الإيرادات المستهدفة من هذا المصدر. وعلى الرغم من ذلك كله، ظلت تقديرات عجز موازنة 2026 كبيرة.
وفي شتاء العام الماضي، وقبل اندلاع الحرب، قدّر مركز أبحاث البرلمان الإيراني عجز الموازنة التشغيلي لعام 2026 بنحو 615 تريليون تومان بالسالب، والرصيد الرأسمالي بنحو 325 تريليون تومان بالسالب. وكانت هذه الأرقام تعني في الواقع أن موازنة 2026 تواجه عجزًا قدره 940 تريليون تومان، أي ما يعادل 18% من إجمالي الموازنة لعام 2026. وكانت هذه النسبة تبلغ نحو 11.4% في موازنة 2025.
ويأتي هذا العبء الثقيل لتمويل الموازنة في وقت استؤنفت فيه الحرب، وبحسب تقديرات الحكومة، ألحقت بالبلاد خسائر تقدر بنحو 270 مليار دولار.
وقد أدت هذه المشكلات مجتمعة إلى ظهور عبد الناصر همتي، محافظ البنك المركزي، على شاشة التلفزيون لتقديم صورة أوضح عن الوضع المالي للبلاد، قائلًا إنه قد يصبح «الرجل غير المحبوب»، لكنه مضطر إلى القول إنه لا توجد أموال، معربًا في الوقت نفسه عن أمله في استئناف المفاوضات ورفع شبح الحرب والعقوبات عن البلاد.



