سبب غير متوقع… من يقف وراء أزمة البنزين في إيران؟
لا تقتصر مشكلة أزمة البنزين في إيران على أن «الإيرانيين يستهلكون الكثير من الوقود»، بل يتمثل جزء منها في أن الإيرانيين يقودون سيارات يتجاوز استهلاكها للوقود المعايير المعمول بها حاليًا.

ميدل ايست نيوز: تقف وراء أزمة البنزين في إيران، إلى جانب ارتفاع استهلاك المواطنين، مشكلة أعمق تتمثل في تهالك أسطول النقل، الذي يتسبب في حرق ملايين اللترات الإضافية من الوقود. يُعد وجود نحو 24 مليون مركبة متهالكة حصيلة سنوات من التعثر في تحديث الأسطول، فضلًا عن سوق حالت فيه القيود دون وصول شريحة واسعة من المواطنين إلى السيارات الحديثة والأقل استهلاكًا للوقود.
يقول موقع اقتصاد24، إنه كلما تصاعد الحديث عن أزمة البنزين في إيران، عادة ما تتكرر رواية مألوفة مفادها أن استهلاك المواطنين مرتفع، وأسعار البنزين منخفضة، وأن الحكومة تقدم دعمًا كبيرًا للوقود، وأن تعويض العجز يتطلب استيراد البنزين. في هذه الرواية، يجري البحث عن الحل أساسًا من جانب المستهلك، من خلال رفع الأسعار وتغيير الحصص المخصصة ومراقبة الاستهلاك ومكافحة التهريب. لكن لا أحد يتساءل عن حجم الاستهلاك الناجم عن السيارات التي يستخدمها المواطنون. وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر عندما نعلم أن إيران تضم أكثر من 24 مليون مركبة متهالكة، تشكل السيارات والدراجات النارية التي تجاوزت عمرها الافتراضي منذ سنوات جزءًا كبيرًا منها.
ولا يعني تهالك هذا الأسطول مجرد تقادم مظهر السيارات أو زيادة احتمالات تعرضها للأعطال، إذ تفتقر السيارات القديمة عادة إلى تقنيات ترشيد استهلاك الوقود المتوافرة في السيارات الحديثة، وفي كثير من الحالات تستهلك وقودًا أكثر لقطع مسافة محددة. وعندما يتكرر هذا الفارق في الاستهلاك على ملايين المركبات، فإنها لا تبقى مشكلة فردية، بل تتحول إلى هدر كبير لموارد الطاقة على المستوى الوطني. في الواقع، قد يكون جزء من الأموال التي تنفقها الحكومة الإيرانية اليوم لتأمين البنزين وتعويض العجز فيه بمثابة فاتورة سنوات من التأخر في تجديد أسطول النقل في البلاد.
تشير تقديرات مختلفة لاستهلاك الوقود في السيارات الموجودة في البلاد إلى أن كثيرًا من سيارات الركوب في إيران تستهلك ما بين 10 و12 لترًا لكل 100 كيلومتر، فيما يرتفع هذا المعدل أكثر في بعض الطرازات القديمة. في المقابل، تمكنت السيارات الحديثة والموفرة للوقود في كثير من الأسواق العالمية من خفض استهلاكها إلى نحو 4 أو 5 لترات لكل 100 كيلومتر. وبالطبع، يجب أن تستند مقارنة استهلاك السيارات إلى نوع المركبة وحجم المحرك ومعيار الاختبار وظروف القيادة، ولا يمكن اعتماد رقم ثابت لجميع السيارات، لكن الفارق العام بين الأسطول القديم والسيارات الحديثة واضح.
لفهم حجم المشكلة، يكفي النظر في مثال بسيط. فالسيارة التي تستهلك 12 لترًا من البنزين لقطع مسافة 100 كيلومتر تستهلك 7 لترات إضافية من الوقود لكل 100 كيلومتر مقارنة بسيارة تستهلك 5 لترات. وقد لا يبدو هذا الفارق كبيرًا في سيارة واحدة، لكن عندما تتحرك ملايين السيارات يوميًا في المدن والطرق في مختلف أنحاء البلاد، تتحول هذه اللترات القليلة إلى ملايين اللترات من الاستهلاك الإضافي. لذلك، لا تقتصر المشكلة على أن «الإيرانيين يستهلكون الكثير من البنزين»، بل يتمثل جزء منها في أن الإيرانيين يقودون سيارات يتجاوز استهلاكها للوقود المعايير المعمول بها حاليًا. ويضاعف هذا الفارق أهمية إحلال المركبات المتهالكة وتجديد الأسطول. ولا ينبغي النظر إلى إحلال السيارات المتهالكة باعتباره مجرد سياسة بيئية أو مرورية، إذ يمكن أن يكون أيضًا إحدى أدوات خفض استهلاك الوقود وتوفير النقد الأجنبي للبلاد.
حذرت الحكومة الإيرانية خلال السنوات الأخيرة مرارًا من تكلفة استيراد البنزين والضغط الذي يفرضه نقص الوقود على موارد البلاد. لكن لفهم جذور هذه التكلفة، يجب النظر إلى سلسلة تبدأ من السيارة وتنتهي بالمصافي واستيراد الوقود. ففي أحد طرفي هذه السلسلة توجد السيارة ذات الاستهلاك المرتفع، وهي سيارة تعتمد على تقنيات قديمة وتحرق كميات أكبر من الوقود. وفي الطرف الآخر توجد الحكومة التي يتعين عليها تلبية هذا الاستهلاك من خلال الإنتاج المحلي أو استيراد البنزين. وفي غضون ذلك، يؤدي هيكل سوق السيارات دورًا حاسمًا. فعندما تظل واردات السيارات مقيدة لسنوات، وتبقى المنافسة في السوق ضعيفة، ويستمر جزء كبير من الإنتاج المحلي بتقنيات قديمة واستهلاك مرتفع للوقود، فمن الطبيعي أن تواجه عملية تجديد الأسطول صعوبات.
اقرأ ايضا
3 سيناريوهات أمام إيران لمواجهة عجز البنزين.. أيها الأقل كلفة اجتماعيًا؟



