الصحافة الإيرانية: اتفاقية مكة… أمن مستعار أم تحذير للغرب؟

الهدف الأساسي لاتفاقية مكة يتمثل في توجيه رسائل سياسية إلى الحلفاء الغربيين، ولا سيما من جانب السعودية، أكثر من كونه مشروعًا دفاعيًا موجَّهًا ضد أطراف إقليمية محددة.

ميدل ايست نيوز: أثار اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا، الذي وقّعه قادة الدول الثلاث مؤخرًا، اهتمامًا عالميًا واسعًا. وعلى الرغم من أن منطقة غرب آسيا، ولا سيما العالم العربي، شهدت العديد من التحالفات الإقليمية والدولية، مثل جامعة الدول العربية وحلف بغداد أو “سنتو” ومجلس التعاون الخليجي وبعض مشاريع الوحدة العربية التي اتسمت في معظمها بعدم الاستقرار خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، فإن توقيت “اتفاقية مكة”، التي جاءت في ذروة التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، يمنحها أهمية استثنائية تستدعي مزيدًا من التأمل.

يقول بهاء الدین بازركاني كیلاني، الخبير في الشؤون الأوروبية، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني، إنه في الوقت الراهن، تشهد أكثر التحالفات والاتفاقيات العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية رسوخًا ومأسسة، مثل حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي وحتى مجلس التعاون الخليجي، تباينات متزايدة نتيجة تصاعد النزعات القومية والاتجاهات الانفصالية والتغيرات المتسارعة في البيئة الدولية، ما يجعل مستقبل اتفاق مكة يبدو واضحًا منذ الآن.

وتشكل الاتفاقية بين ثلاث دول إقليمية كبرى تُعد جميعها حليفة للولايات المتحدة، في ظل بيئة أمنية إقليمية جديدة وشديدة الخطورة. وقد أُعلن عن الاتفاقية بسرعة لافتة، من دون استكمال المقدمات والإجراءات اللازمة التي تتطلبها عادة مثل هذه التحالفات، وهي عملية تستغرق عادة وقتًا طويلًا.

ويشير ذلك إلى أن الاتفاقية تسعى، قبل أن تتحول إلى مؤسسة متماسكة وقابلة للتنفيذ، إلى إرسال رسائل وإشارات إلى أطراف أخرى. ويرى العديد من المحللين المتخصصين في شؤون غرب آسيا أن إيران وإسرائيل تمثلان الهدفين الرئيسيين لهذا الاتفاق، فيما تبدو تل أبيب الأكثر قلقًا من تعاظم مثل هذه الترتيبات الأمنية في المستقبل.

ورغم القيود التي تفرضها البيئة الدولية الحالية على تركيا وباكستان، فإنهما تمتلكان على المدى البعيد مقومات قد تثير مخاوف أمنية لدى إسرائيل. وفي المقابل، تؤكد معطيات التاريخ خلال القرن الماضي أن تركيا وباكستان تملكان أقل قدر من الدوافع والإمكانات التي قد تجعلهما مصدر تهديد مباشر لإيران.

ومن ناحية أخرى، تعاني الدول الثلاث الأعضاء من نقاط ضعف جوهرية، ما يجعل الاتفاق أقرب إلى إطار دفاعي تكاملي بين أطرافه. فتركيا، التي تمتلك صناعات عسكرية متطورة وخبرة عسكرية واسعة داخل حلف شمال الأطلسي، تعاني من محدودية الأسواق وضعف الاستثمارات. كما تتركز استراتيجيتها العسكرية والأمنية أساسًا على اليونان وقبرص ومنطقة البحر المتوسط والبحر الأسود.

أما باكستان، فرغم امتلاكها جيشًا كبيرًا وخبرة قتالية واسعة، فإنها تعاني من ضعف مالي واستثماري كبير، بينما تتركز ترسانتها النووية بالكامل تقريبًا على تحقيق الردع في مواجهة خصمها التقليدي، الهند.

في المقابل، تمتلك السعودية الموارد المالية والاستثمارات، لكنها تفتقر إلى أحد أهم عناصر القوة، وهو العنصر البشري.

ويُعد وصف اتفاق مكة خلال هذه الأيام بأنه “الناتو الإسلامي” توصيفًا مبالغًا فيه وبعيدًا عن الواقع إلى حد كبير. فغياب مصر، التي تُعد الشريك الطبيعي والأقرب لهذه الدول، يشير إلى وجود خلل بنيوي في الاتفاق حتى قبل دخوله حيز التنفيذ.

ورغم عدم نشر النص الكامل للاتفاق حتى الآن، فإنه يفتقر، خلافًا لحلف شمال الأطلسي، إلى التزامات دفاعية واضحة ومحددة، كما لا يتضمن تعريفًا دقيقًا للنطاق الجغرافي المشمول بالحماية أو التدخل، ولا يضم مؤسسة مركزية أو قيادة مشتركة أو قوة عسكرية خاصة.

كما يفتقر الاتفاق إلى مؤسسة سياسية وميزانية مشتركة، فضلًا عن غياب تعريف واضح لكيفية إدراج الدول الأعضاء تحت المظلة النووية الباكستانية.

وتُظهر التجارب التاريخية بوضوح مدى هشاشة التحالفات الإقليمية والعربية وعدم استقرارها. فتركيا كانت حتى وقت قريب في مواجهة سياسية حادة مع السعودية على خلفية قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، كما تعرضت قطر قبل سنوات لتهديدات وحصار غير مسبوق من جانب السعودية داخل مجلس التعاون الخليجي.

وفي الوقت نفسه، اتبعت الإمارات خلال السنوات الأخيرة مسارًا مختلفًا داخل منظمة “أوبك” ومجلس التعاون الخليجي، فضلًا عن تطويرها شراكات استراتيجية مستقلة مع تل أبيب وواشنطن.

لكن قراءة أكثر واقعية لهذا الاتفاق تشير إلى أنه لا يستهدف طهران أو تل أبيب بصورة مباشرة، ولا يهدف إلى إنشاء تحالف دفاعي عملي بالمعنى التقليدي، بل يمثل رسالة تحذير موجهة إلى واشنطن.

فالدول الخليجية الغنية، وفي مقدمتها السعودية، التي اعتمدت لعقود طويلة على المظلة الأمنية الأمريكية، بدأت تدرك أن مرحلة الاعتماد الكامل على قوة بعيدة لتوفير الحماية الأمنية قد شارفت على نهايتها.

في الظاهر، تطالب الولايات المتحدة حلفاءها بتحمل مسؤولياتهم الأمنية وزيادة إنفاقهم الدفاعي، لكن واشنطن تنظر إلى اتفاقية مكة إما باعتبارها خسارة يجب تعويضها أو رسالة ينبغي الإصغاء إليها.

ويفترض بالولايات المتحدة أن تشعر بالقلق من المراحل المقبلة، إذ قد تقرر الدول الحليفة الابتعاد عن واشنطن والبحث عن ترتيبات أمنية جديدة مع قوى دولية أخرى.

وتعود حالة القلق وعدم اليقين التي تعيشها السعودية ودول الخليج إلى ما يقرب من 15 عامًا، وتحديدًا منذ اندلاع احتجاجات الربيع العربي، حين سقط عدد من القادة العرب، الذين كانوا حلفاء تقليديين للولايات المتحدة، وسط ما اعتُبر موقفًا أمريكيًا مترددًا ومتسامحًا.

وعندما اندلعت الحرب الأهلية في سوريا أو تحولت ليبيا إلى بيئة خصبة للجماعات المتطرفة، بقيت الولايات المتحدة الطرف الأكثر تأثيرًا في المشهد، لكنها تركت مصير سوريا لاحقًا طوال عقد كامل تقريبًا بيد موسكو وطهران.

كما أن التصريحات الأمريكية المتكررة بشأن نية واشنطن تقليص وجودها في غرب آسيا والتركيز على شرق آسيا ومواجهة الصين، أسهمت في تعميق المخاوف السعودية والخليجية.

وأدت أحداث السابع من أكتوبر، ثم الحرب الإسرائيلية وما وُصف بأنها عمليات إبادة جماعية بدعم من الإدارتين الديمقراطية والجمهورية في الولايات المتحدة، إلى توسيع دائرة الشكوك داخل الرأي العام الإقليمي، كما أضعفت شرعية عدد من القادة العرب.

وقبل ذلك، انتهت الحرب السعودية في اليمن بالفشل وتراجع الرياض وحلفائها، في ظل ما اعتُبر تقاعسًا أمريكيًا واضحًا.

ثم جاءت المواجهة العسكرية المباشرة متعددة المراحل بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لتشكل نقطة تحول تاريخية في المعادلات السياسية الإقليمية.

ومنذ ذلك الحين، باتت الدول العربية تطرح تساؤلات متزايدة بشأن مدى موثوقية المظلة الأمنية الأمريكية، ولا سيما عندما أصبحت القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج هدفًا للهجمات الإيرانية، وتعرض بعضها للتعطيل أو إعادة الانتشار.

وزادت المخاوف مع تعرض المنشآت والبنى التحتية السعودية والخليجية لهجمات صاروخية، فضلًا عن التهديدات المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز، الذي يشكل شريانًا حيويًا لاقتصادات المنطقة.

ومنذ فترة طويلة، ركز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جهوده على دفع السعودية إلى الانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم. وفي يوليو الماضي، وقّعت واشنطن والرياض اتفاقًا يسمح للسعودية بتطوير برنامجها النووي السلمي، لكنها ربطت ذلك بانضمام المملكة إلى اتفاقيات إبراهيم.

وترى السعودية أن هذا الشرط يمثل نوعًا من الضغوط السياسية التي تتعارض مع مصالحها الوطنية، وهو ما دفع دول الخليج إلى إعادة النظر في خياراتها الأمنية، وقد يكون أحد الأسباب التي دفعت الرياض إلى تعزيز تعاونها مع تركيا وباكستان.

وليس من المستغرب، وفق هذا المنظور، أن تكون إسرائيل الأكثر قلقًا من اتفاق مكة، الذي أصبح يُنظر إليه باعتباره تحالفًا يستند أيضًا إلى المظلة النووية الباكستانية.

وفي المقابل، لا تحتاج السلطات الإيرانية، مع الحفاظ على اليقظة ومتابعة التطورات، إلى التعامل مع الاتفاقية من خلال توصيفات مثل “الأمن المستعار”، كما ذهب بعض المسؤولين الإيرانيين، أو الترحيب بها بوصفها “تحالف الأمة الإسلامية”.

فالهدف الأساسي للاتفاقية يتمثل في توجيه رسائل سياسية إلى الحلفاء الغربيين، ولا سيما من جانب السعودية، أكثر من كونه مشروعًا دفاعيًا موجَّهًا ضد أطراف إقليمية محددة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

14 − ثمانية =

زر الذهاب إلى الأعلى