الصحافة الإيرانية: هل تنجح عملية “الغضب الاقتصادي” بدون استراتيجية ودبلوماسية؟
قد يتمكن تكتيك «الغضب الاقتصادي» من زيادة الضغوط على الشعب الإيراني، لكن هذه الضغوط لا تؤدي بالضرورة إلى امتلاك قوة تمكن من تحقيق النتيجة المرجوة، كما أنها لا تمثل استراتيجية بحد ذاتها.
ميدل ايست نيوز: أطلقت الحكومة الأمريكية على استراتيجيتها الجديدة تجاه إيران اسم «عملية الغضب الاقتصادي»، وهي استراتيجية يفترض أن تهدف، من خلال تشديد العقوبات والحد من صادرات النفط الإيرانية ودفع حلفاء الولايات المتحدة وحتى الصين إلى قطع أو خفض تجارتهم مع طهران، إلى الضغط على الاقتصاد الإيراني لإجبار طهران على قبول مطالب واشنطن. لكن هل يمكن لهذه الاستراتيجية تحقيق هدفها؟ الإجابة عن هذا السؤال تستلزم بحث عدد من التساؤلات الأساسية المتعلقة بفرضية هذه الاستراتيجية وقدراتها وتكاليفها.
يقول محمد حسين عمادي، خبير ومحلل في القضايا الدولية والتنموية، لصحيفة شرق، إن فرضية هذه السياسة تقوم على أن زيادة الضغوط الاقتصادية على الشعب ستؤدي في نهاية المطاف إلى تغيير السلوك السياسي للحكام في طهران. وهذا هو المنطق نفسه الذي اتبع خلال الولاية الرئاسية الأولى لترامب تحت عنوان «الضغط الأقصى». لكن التجربة تظهر أن حتى الضغط الأقصى لتحقيق نتائج محدودة كان يحتاج إلى أشهر من الدبلوماسية المتواصلة والجهود السياسية لحشد الدول الأخرى، وذلك في وقت كانت فيه الولايات المتحدة تتمتع بشعبية ودعم أكبر لدى حلفائها.
لذلك، يبرز السؤال الأول: هل تمتلك الولايات المتحدة اليوم، في ظل تراجع هيمنتها والخلافات مع حلفائها السابقين، القدرات السياسية والدبلوماسية اللازمة لتشكيل مثل هذا الإجماع؟ وإذا لم تتمكن واشنطن من حشد حلفائها الأوروبيين والدول الآسيوية، ولا سيما الصين، فإن «الحصار الاقتصادي» سيتحول عمليًا إلى مجموعة من العقوبات الأحادية الجانب التي تفرضها الولايات المتحدة، وهي عقوبات تكيفت إيران معها على مدى عقود من خلال آليات مختلفة.
هل تستطيع الولايات المتحدة تشكيل إجماع عالمي خلال هذه الفترة القصيرة؟
قد يكون ضيق الوقت أهم نقاط ضعف الاستراتيجية الجديدة. وتكون سياسة الضغط الاقتصادي أكثر تأثيرًا عندما ينفذها تحالف دولي واسع بصورة متزامنة. لكن إذا لم يكن حلفاء الولايات المتحدة مستعدين لتحمل التكاليف الاقتصادية والسياسية لمواجهة إيران، فستضطر واشنطن إلى ممارسة مزيد من الضغط على شركائها.
وأظهرت تجربة الأشهر الماضية أيضًا أن العديد من الدول لا ترغب في الانخراط مباشرة في الحرب. وإذا طلبت الولايات المتحدة منها الآن المشاركة في الحصار الاقتصادي على إيران، فقد يؤدي هذا الطلب، بدلًا من تعزيز التضامن، إلى تعميق الخلافات في علاقات واشنطن مع حلفائها.
يعد التعامل مع دول الخليج، ولا سيما سلطنة عمان، أفضل مثال على تأثير هذا النهج. لذلك، لا يقتصر السؤال على ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على ممارسة الضغط على إيران، بل يتمثل أيضًا في ما إذا كانت قادرة خلال فترة تتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر على إجبار الآخرين، عبر الضغط، على تحمل الضغط نفسه.
يعتقد كثيرون أن قرار الإمارات الأخير لم يكن ناتجًا عن التهديدات الأمريكية، وإنما جاء نتيجة موقفها من التفاهم الإيراني العماني بشأن مضيق هرمز، إلى جانب اختلاف المصالح مع السعودية وقطر.
الصين؛ الحلقة الحاسمة
تمثل الصين في هذا السياق الاختبار الأهم للاستراتيجية الأمريكية. إذ تشتري الصين جزءًا كبيرًا من صادرات النفط الإيرانية، وفي الوقت نفسه تعد أحد أهم الشركاء التجاريين للولايات المتحدة. ولذلك، سيكون من الصعب نجاح الحصار الاقتصادي من دون تعاون بكين، أو على الأقل موافقتها النسبية.
لكن تحويل القضية الإيرانية إلى ساحة جديدة للمواجهة الاقتصادية مع الصين قد يحمّل واشنطن تكاليف أكبر بكثير من المكاسب المحتملة. فالعلاقات الأمريكية الصينية تواجه أصلًا مجموعة من الخلافات الاستراتيجية، بدءًا من التجارة والتكنولوجيا ووصولًا إلى تايوان والمعادن الحيوية.
وعليه، من المستبعد أن تتخلى بكين، لمجرد تعرضها للضغط الأمريكي، عن مصالحها في مجال الطاقة وعلاقاتها الاقتصادية مع إيران. بل إن زيادة الضغط على الصين قد تؤدي إلى نتيجة عكسية، وتحول الملف الإيراني إلى جزء من المنافسة الجيوسياسية الأوسع بين الولايات المتحدة والصين.
قدرات إيران والتكاليف الجانبية للحصار
يجب أيضًا عدم إغفال قدرة إيران على مواجهة هذا الحصار الاقتصادي والتكاليف الجانبية لهذه الاستراتيجية على الولايات المتحدة. فقد تعاملت إيران لأكثر من أربعة عقود مع العقوبات والحصار، وتمتلك قدرة على مواجهة الضغوط الاقتصادية الشديدة على المدى القصير، ولا سيما أن هذه الإجراءات قد تؤدي إلى تعزيز الرصيد الشعبي اللازم لمواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة.
وتظهر تجربة نصف قرن أن الضغوط الاقتصادية الشديدة لا تؤدي بالضرورة إلى استسلام القادة سياسيًا. فقد تكون نتيجتها زيادة الضغوط المعيشية على المواطنين، وتفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية، وفي المقابل زيادة حافز الحكومة وداعميها على المقاومة.
وقد يفسر القادة الإيرانيون الضغوط الاقتصادية، ليس باعتبارها دعوة إلى التفاوض والتوصل إلى تسوية، وإنما باعتبارها جزءًا من استراتيجية لتغيير النظام. وفي مثل هذه الظروف، قد يُنظر إلى أي تراجع باعتباره زيادة في قابلية التعرض للضرر ومواجهة خطر وجودي.
بالتالي، قد يؤدي تشديد الضغوط، بدلًا من تقليص المقاومة وزيادة المرونة في المفاوضات، إلى زيادة سريعة في الدافع إلى المقاومة واتخاذ إجراءات عسكرية وهجومية. وقد تزيد هذه السياسة أيضًا حافز إيران على المقاومة والرد بالمثل، وبالتالي ترفع التكلفة الاقتصادية والأمنية للسياسة الأمريكية.
وإذا استهدفت مثل هذه الاستجابة البنية التحتية للطاقة في الخليج، فقد تتحول الأزمة من نزاع ثنائي إلى أزمة إقليمية وحتى عالمية.
ضغط اقتصادي بلا استراتيجية ودبلوماسية
تفتقر «عملية الغضب الاقتصادي» من دون دبلوماسية إلى مسار واضح لتحويل الضغط إلى تفاعل واتفاق. وحتى إذا تمكن الحصار الاقتصادي من إحداث ألم وتكلفة كبيرين، يبقى السؤال: أين ستكون نقطة نهايته؟
إذا كان الهدف هو تغيير سلوك إيران، فينبغي تحديد الامتياز الذي سيُقدم مقابل كل تغيير مطلوب. أما إذا كان الهدف لا يزال، بتأثير من النفوذ الإسرائيلي، تغيير النظام، فإن تكاليف مثل هذا المشروع وتداعياته ستكون أوسع وأكبر بكثير.
قد يتمكن تكتيك «الغضب الاقتصادي» من زيادة الضغوط على الشعب الإيراني، لكن هذه الضغوط لا تؤدي بالضرورة إلى امتلاك قوة تمكن من تحقيق النتيجة المرجوة، كما أنها لا تمثل استراتيجية بحد ذاتها.
تتبلور الاستراتيجية عندما يقترن الضغط بالدبلوماسية وبناء التحالفات، وعلى أساس بنود التفاهم المؤلف من 14 مادة، بمسار واضح للخروج من الأزمة. من دون هذه العناصر، قد لا يؤدي الحصار الاقتصادي إلى استسلام إيران فحسب، وإنما إلى إضعاف الطرفين، وإطالة أمد الحرب، وخروج النزاع العسكري عن السيطرة.



