الصحافة الإيرانية: مظلوم عبدي والحلم الذي لم يتحقق

يقول منتقدون إن قرار حل «قسد» يعني الاستسلام لمطالب أردوغان، ويرون أن حلم الحكم الذاتي للأكراد في سوريا قد يُطوى إلى الأبد.

ميدل ايست نيوز: أسفرت جهود الحكومة السورية الجديدة بدعم من أنقرة لإجبار «قسد»، القوات العسكرية الكردية السورية بقيادة مظلوم عبدي، على حل نفسها، عن نتيجة في نهاية المطاف.

فقبل عقد من الزمن، كان مظلوم عبدي بالنسبة إلى البعض بطلاً للمقاومة في مواجهة تنظيم «داعش». وتحول هذا القائد العسكري، خلال سنوات مقاومة الأكراد في سوريا ضد التنظيم، إلى شخصية أسطورية، لكن هذه الأسطورة لم تلبث أن فقدت بريقها، ليجد عبدي نفسه مضطراً إلى القبول بحل «قسد».

من هو مظلوم عبدي؟

وُلد مظلوم عبدي عام 1967 باسم فرهاد عبدي شاهين في كوباني. وهو خريج هندسة مدنية من جامعة حلب، وانضم في البداية إلى حزب العمال الكردستاني، قبل أن يتركه في أواخر تسعينيات القرن الماضي. وانتقل عبدي لاحقاً إلى أوروبا، حيث انخرط في العمل السياسي، لكنه عاد في نهاية المطاف إلى سوريا مع اندلاع الحرب الأهلية.

وتقول صحيفة شرق الإيرانية، إن عودة عبدي تزامنت مع صعود تنظيم «داعش»، ما دفعه في عام 2014 إلى الدخول في مفاوضات أفضت إلى تشكيل تحالف ضد التنظيم. وفي عام 2015، أسس «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وتولى قيادتها العامة.

بعد ذلك، تولى عبدي مسؤولية التنسيق المباشر على الأرض مع الجيش الأميركي والتحالف الدولي. وأسهم نجاحه في تنظيم القوات وتوجيه الضربات الجوية الأميركية في كسب ثقة واشنطن.

وفي عام 2015، نجح في جمع القوات الكردية والعربية والآشورية ضمن «قوات سوريا الديمقراطية»، وهو تحالف تمكن تحت قيادته العامة من تحرير الرقة، التي اتخذها «داعش» عاصمة له، ثم آخر معاقله في الباغوز.

وتمثلت إحدى أبرز مهارات مظلوم عبدي في الحفاظ على التوازن بين قوات ذات مصالح متعارضة. فقد أقام في الوقت نفسه علاقات عسكرية وثيقة مع الولايات المتحدة، وأجرى محادثات مع روسيا بشأن خطوط التماس، بينما كان يدير الضغوط والتهديدات العسكرية المتواصلة من تركيا.

ويرى الذين ينظرون إلى مظلوم عبدي بوصفه منقذاً للأكراد في مواجهة «داعش» أنه نجح في تنظيم آلاف المقاتلين العرب التقليديين والعشائريين إلى جانب الوحدات الكردية. ويُعرف مظلوم عبدي بأنه شخصية هادئة وعملية.

ما قصة حل «قسد»؟

في 25 أغسطس/آب 2026، أعلن مظلوم عبدي، القائد العام لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، في خطاب رسمي ومتلفز من قصر الشعب في دمشق وبحضور مسؤولين في الحكومة السورية الجديدة، رسمياً انتهاء مهمة «قسد» وحلها الكامل، إلى جانب حل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بوصفها كياناً عسكرياً وإدارياً مستقلاً.

وجاء هذا التطور التاريخي نتيجة مسار سياسي وعسكري استمر عدة أشهر، عقب سقوط حكم بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، وتولي الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع السلطة.

ومع تغير الحكم في دمشق وتولي أحمد الشرع السلطة، والذي سرعان ما أقام علاقات جيدة مع الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة، تغير نهج واشنطن تجاه سوريا. وخفضت الولايات المتحدة دعمها المباشر والمستمر للإدارة الذاتية الكردية في سوريا، وركزت بدلاً من ذلك على إعادة بناء الحكومة المركزية في دمشق.

من جهة أخرى، واصلت تركيا الضغط على الحكومة السورية من أجل حل «قسد». وجاء إصرار أنقرة بهدف دفع «قسد» إلى سلوك المسار نفسه الذي سلكه حزب العمال الكردستاني، المصنف تنظيماً إرهابياً.

وفي مطلع عام 2026، وبعد اشتباكات عسكرية في المنطقة استعادت خلالها قوات دمشق السيطرة على محافظتي الرقة ودير الزور، وانفصلت القبائل العربية عن «قسد»، وقع الطرفان في 29 يناير/كانون الثاني 2026 اتفاقاً يقضي بإدماج شمال شرقي سوريا بشكل كامل في مؤسسات الدولة السورية.

وأكد مظلوم عبدي في خطاب إعلان الحل أن هذا القرار لا يمثل «انسحاباً ناتجاً عن الهزيمة»، بل خطوة للانتقال من «عصر السلاح إلى عصر إعادة الإعمار والسلام»، متحدثاً عن الشروط التي ستوفر للقوات الكردية السورية.

وبحسب عبدي، فإن الاتفاقات والتفاهمات المبرمة مع الرئيس السوري أحمد الشرع ستكفل، قانونياً، الاعتراف باللغة الكردية في التعليم والمدارس، وإقامة المناسبات الثقافية مثل عيد النوروز، ومنح حق الحصول على الوثائق والجنسية لجميع الأكراد المحرومين من الجنسية.

كما ستُدرج الحقوق الثقافية والسياسية للأكراد في مسودة الدستور السوري الجديد. ومن المقرر أيضاً أن يتولى مظلوم عبدي منصب مستشار أحمد الشرع لشؤون الأكراد.

ماذا نعرف عن قوات «قسد»؟

تُعد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) تحالفاً عسكرياً في شمال وشرق سوريا، تشكل في أكتوبر/تشرين الأول 2015 بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

وشكلت «وحدات حماية الشعب» (YPG) و«وحدات حماية المرأة» (YPJ)، وهما تشكيلان كرديان مسلحان، النواة الرئيسية لـ«قسد» وقيادتها. وإلى جانب القوات الكردية، ضم التحالف مجموعات عربية مسلحة من عشائر المنطقة، إضافة إلى قوات آشورية وسريانية وأرمنية.

وتولت «قسد» تأمين مناطق الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وسيطرت على أهم موارد النفط والغاز والأراضي الزراعية شرق نهر الفرات.

وكانت أنقرة تعتبر «قسد» امتداداً لحزب العمال الكردستاني وبنية إرهابية على حدودها الجنوبية، ونفذت مراراً عمليات عسكرية ضدها.

لكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لم يكن وحده الذي رأى في وجود «قسد» تهديداً لمصالح بلاده، إذ اعتبرت الحكومة المركزية السورية أيضاً وجود قوة مسلحة غير حكومية وخارجة عن سيطرة دمشق تهديداً لسيادتها ووحدة أراضيها.

وكان أكثر من 70% من موارد سوريا النفطية، بما في ذلك حقول كبيرة مثل حقل العمر والتنك في دير الزور ورميلان في الحسكة، تحت سيطرة «قسد». وأسهمت عائدات بيع النفط في تمويل ميزانية التسليح ورواتب القوات والنفقات الإدارية في المنطقة.

وشكل تقدم «قسد» نحو المناطق غير الكردية عقب هزيمة «داعش» إحدى أكبر نقاط ضعفها الداخلية. ففي مناطق مثل دير الزور والرقة، لم يكن الأكراد يشكلون غالبية السكان، إلا أن كبار القادة العسكريين والأمنيين في «قسد» كانوا في معظمهم من الأكراد.

وأدى ذلك إلى تنامي شعور بالتهميش لدى العشائر العربية. وفي نهاية المطاف، تحولت هذه التوترات خلال عامي 2023 و2024 إلى اشتباكات مسلحة ودامية بين قوات «قسد» وتحالف العشائر العربية بقيادة الشيخ إبراهيم الهفل، وهي مواجهات كشفت هشاشة الأسس التي قام عليها التحالف الكردي العربي داخل «قسد».

ماذا يعني حل «قسد» بالنسبة إلى سوريا؟

وكتبت قناة العربية أن عبدي بدأ بالفعل، من مقر إقامته في محافظة الحسكة، سلسلة اجتماعات ولقاءات مع عدد من مسؤولي الأحزاب الكردية والسورية، لمناقشة مشروعه السياسي والتوصل إلى برنامج مشترك لتشكيل تحالف جديد.

وبحسب التقرير، لن يحمل هذا التحالف الجديد أي «صبغة قومية»، ما دفع بعض المراقبين إلى النظر إلى القضية من زاوية سياسية، معتبرين أن الوقت قد حان للانتقال في سوريا من المرحلة المسلحة إلى العمل السياسي.

لكن، رغم ذلك، لا تزال لدى الجماعات الكردية مخاوف عديدة. يقول منتقدون إن قرار حل «قسد» يعني الاستسلام لمطالب أردوغان، ويرون أن حلم الحكم الذاتي للأكراد في سوريا قد يُطوى إلى الأبد، في مقابل منح تركيا مساحة أوسع للتدخل في شؤون الأكراد السوريين.

ومن جهة أخرى، قد يشكل تنفيذ بنود الاتفاق مصدراً لمخاوف إضافية. وبينما يتحدث مظلوم عبدي بثقة عن المكاسب التي تحققت، يشكك كثيرون في رغبة أحمد الشرع أو قدرته على منح «قوات سوريا الديمقراطية» الحقوق التي نصت عليها هذه الاتفاقات.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى