ما الرابط بين تهديد عائلة ترامب والسياسة الإيرانية الرسمية؟

يمكن التساؤل عما إذا كان نشر مثل هذا المحتوى يسهل أم يعقد مهمة الذين يريدون في الولايات المتحدة تصوير إيران باعتبارها تهديداً أمنياً والدفع نحو زيادة الضغوط على طهران.

ميدل ايست نيوز: كان مقطع فيديو لا يتجاوز ثلاث دقائق كافياً لأن يتحول ما بثته القناة الثالثة في هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية من مادة محلية إلى قضية وصلت إلى جهاز الخدمة السرية الأمريكية. تناول الفيديو بارون ترامب، نجل الرئيس الأمريكي، ولم يقتصر على الحديث عن إمكانية الوصول إليه، بل تضمن ادعاءات بشأن مراقبة حياته والدائرة المحيطة به وطرق الاقتراب منه.

لكن القضية لم تعد الآن مجرد مادة في برنامج تلفزيوني، إذ أعلنت الخدمة السرية الأمريكية أنها «على علم» بالفيديو، وأنها تحقق في أي مسألة يمكن اعتبارها تهديداً للأشخاص الذين تتولى حمايتهم.

وربما تكون هذه أوضح نتيجة لنشر فيديو يبدو أن صانعيه أرادوا تقديمه بوصفه استعراضاً لقوة إيران وقدراتها الاستخباراتية، لكن المحتوى الذي أُنتج في طهران لإظهار «القدرة على الوصول» إليه، أصبح في واشنطن محط اهتمام الجهة المسؤولة عن حماية الرئيس الأمريكي وأفراد أسرته باعتباره «تهديداً محتملاً». وتكمن القضية الأساسية تحديداً في الفجوة بين ما يُنتج في طهران وما يُفهم منه في واشنطن.

تمر إيران حالياً بواحدة من أصعب مراحل سياستها الخارجية واقتصادها. وتتحدث أجهزتها الدبلوماسية عن الضغوط الاقتصادية الأمريكية، ويتعين عليها العمل لخفض التوتر ومواجهة العقوبات ومنع المزيد من الانسداد في المسارات السياسية. لكن في المقابل، تصدر من داخل البنية الرسمية نفسها رسائل يمكن أن تشكل مادة جاهزة لمن يسعون إلى تصوير إيران، لا باعتبارها ضحية للضغوط، بل تهديداً أمنياً.

ومن هنا يبرز السؤال: عندما تقول وزارة الخارجية شيئاً وتقدم وسائل الإعلام الرسمية في البلاد صورة مختلفة إلى العالم، فمن يمثل السياسة الخارجية الإيرانية؟

قبل بارون.. كانت ميلانيا

لا يمكن اعتبار قضية بارون حدثاً منفصلاً تماماً. فقبل أقل من شهر، نشرت وكالة «تسنيم» المقربة من الحرس الثوري الإيراني مقطع فيديو بعنوان: «أين وكيف يمكن الوصول إلى ميلانيا ترامب؟». وذكرت الوكالة في تقديمها للفيديو أن المعلومات المتعلقة بتحركات ميلانيا و«طبيعة العمليات» جرى الحصول عليها من «عدة شبكات أمنية مجهولة».

وتضمن ذلك الفيديو أيضاً معلومات عن عادات زوجة الرئيس الأمريكي والأماكن التي ترتادها، إضافة إلى طرح سيناريوهات لإيذائها. وأظهرت مراجعة لوسائل إعلام أخرى أن جزءاً من المعلومات التي قُدمت بأسلوب استخباراتي وأمني كان منشوراً سابقاً في وسائل الإعلام ومصادر عامة.

كان الأمر حينها يتعلق بوكالة أنباء، أما الآن فقد انتقلت القضية خطوة إلى الأمام، ووصل محتوى مشابه إلى شاشة التلفزيون الرسمي الإيراني، وهذا ليس فارقاً بسيطاً.

حكومة واحدة وإعلام واحد.. سياستان خارجيتان؟

لنفترض أن الجهاز الدبلوماسي الإيراني يريد اليوم طرح حجة بسيطة أمام العالم مفادها أن الولايات المتحدة تستهدف حياة المواطنين الإيرانيين بالعقوبات والضغوط الاقتصادية، وأن طهران تسعى إلى وضع حد لهذه الضغوط.

يتعين على الدبلوماسي الإيراني إقناع الحكومات بأن إيران لا تسعى إلى تصعيد التوتر، والعمل على إبقاء باب المفاوضات مفتوحاً، ومواجهة الرواية الأمريكية عن إيران، وإثبات أن زيادة الضغوط لا تحقق الأمن ولا تحل الأزمة.

لكن في الوقت نفسه تقريباً، يبث التلفزيون الرسمي للبلاد برنامجاً يتناول إمكانية الوصول إلى نجل الرئيس الأمريكي. فما الحاجة لدى الطرف المقابل إلى عملية دعائية معقدة لصياغة رواية مضادة، عندما يكفيه ترجمة الفيديو نفسه؟

هنا يكمن التناقض الأساسي: فوزارة الخارجية مسؤولة عن خفض كلفة السياسة الخارجية، لكنها لا تملك السيطرة على إنتاج الرسائل الموجهة إلى الخارج.

استعراض للقوة أم صناعة ملف جديد؟

من جهة أخرى، لا يوجد أساس للقول إن هذا الفيديو سيؤدي مباشرة إلى فرض عقوبات جديدة أو ممارسة ضغوط إضافية على إيران. لكن يمكن التساؤل عما إذا كان نشر مثل هذا المحتوى يسهل أم يعقد مهمة الذين يريدون في الولايات المتحدة تصوير إيران باعتبارها تهديداً أمنياً والدفع نحو زيادة الضغوط على طهران. والجواب ليس معقداً كثيراً.

تحتاج إيران، لإثبات أن سياسة الضغوط القصوى تضر بالمواطنين العاديين، إلى الدبلوماسية وإقناع الرأي العام وكسب دعم حكومات أخرى. وفي المقابل، يحتاج الطرف الآخر إلى تقديم صورة عن إيران بوصفها تهديداً لتبرير المزيد من الضغوط.

ولا يتعلق الأمر بمذيع أو منتج بعينه. فعندما يُبث محتوى عبر قناة وطنية تابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون، لا يمكن أن تتوقف المسؤولية عند أدنى مستويات المؤسسة، ولا سيما أن رئيس هذه الهيئة يُعيّن مباشرة، وأنه يمتلك بدوره سنوات من الخبرة في العمل السياسي والإعلامي.

والآن، قالت الخدمة السرية الأمريكية إنها على علم بفيديو بارون ترامب، وهذه الجملة وحدها كافية لإدراك أن البرنامج لم يعد محصوراً داخل مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية. لكن إذا اضطرت المؤسسة الدبلوماسية غداً إلى إنفاق الوقت والجهد لتفسير هذه الصور، أو نفي الانطباعات التي خلفتها، أو منع استخدامها أداة ضد إيران، فلن يتحمل صانعو برنامج تلفزيوني وحدهم هذه التكلفة.

المشكلة هي وجود بلد بصوتين: صوت يحاول خلف طاولة المفاوضات خفض التكاليف، وصوت آخر قد يصنع أمام الكاميرات تكاليف جديدة. وربما يكون السؤال الأساسي بعد قضية بارون ترامب هو: إذا كانت وزارة الخارجية هي المسؤولة عن السياسة الخارجية للبلاد، فمن منح هيئة الإذاعة والتلفزيون صلاحية تقديم سياستها الخارجية الموازية على الهواء؟

ففي السياسة الخارجية، لا يدفع دائماً ثمن الصوت المتناقض الشخص الذي يجلس خلف الميكروفون، بل قد تدفعه دولة كُتب اسمها أسفل تلك الصورة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 + خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى